Beranda / الرومانسية / أسيرة اللون القرمزي / الفصل الخامس: قناع الطاعة

Share

الفصل الخامس: قناع الطاعة

Penulis: هاري
last update Tanggal publikasi: 2026-05-30 00:33:44

كان الصباح في قصر "أرينور" يختلف دائماً عن أي مكانٍ آخر في العالم. لا شمسٌ دافئة تتسلل عبر الستائر، ولا صوتٌ لحياةٍ تنبض في الخارج، فقط ذلك الضوء الرمادي الكئيب الذي يغسل جدران الغرفة، ليذكرني كل يوم بأنني لستُ سوى طائرٍ في قفصٍ مذهب. لكن هذه المرة، لم يكن الصباح يحمل معي ثقل الخوف أو مرارة اليأس، بل كان يحمل شيئاً جديداً: "خطة".

وقفتُ أمام المرآة، أنظر إلى انعكاسي. تلك الفتاة التي كانت قبل أيامٍ معدودة تبكي وتصرخ في وجه الحراس، لم تعد موجودة. كانت ملامحي الآن أكثر ثباتاً، وعيناي تخفيان خلفهما بريقاً من الهدوء المفتعل. لقد أدركتُ، بعد ليالٍ طويلة من التفكير والمراقبة، أن الصراع مع "إياد" لا يُربح بالقوة البدنية، ولا بالتمرد الصريح الذي لا يؤدي إلا إلى مزيدٍ من القيود. اللعبة هنا تتطلب "القناع". يجب أن أكون الشخص الذي يريد هو أن يراني عليه، لكي أتمكن في الخفاء من نسج خيوطي الخاصة.

رتبتُ شعري بعناية، وسويتُ فستاني القرمزي الذي كان يبدو وكأنه نذير شؤم. جلستُ على الأريكة، ممسكةً بكتابٍ قديم وجدته في مكتبة الجناح، متظاهرةً بالقراءة بينما كانت أذناي ترصدان كل حركةٍ في الممر. كنتُ أعلم أن الطبيب قادم. زياراته لم تكن مجرد فحوصات، بل كانت تقارير استخباراتية يقدمها لإياد حول حالتي النفسية ومدى انكساري.

بعد فترةٍ ليست بالطويلة، دُق الباب بطرقته المعهودة؛ تلك الطرقة التي توحي بالدقة والبرود.

"تفضل،" قلتُ بصوتٍ هادئ، حرصتُ فيه على نبرةِ الخضوع التي كنتُ أرفضها سابقاً.

دخل الطبيب، يحمل حقيبته السوداء التي تبدو كصندوق أسرارٍ مظلمة. نظر إليّ بتمعن، وكأنه يبحث عن أثرٍ للتمرد في نظراتي، لكنه لم يجد سوى الهدوء. "صباح الخير يا آنسة نور. كيف حالكِ اليوم؟"

أغلقتُ الكتاب ببطء وابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، ابتسامةً لم تصل إلى عيني، لكنها كانت كافية لتخدع من هو في عجلةٍ من أمره. "صباح النور، دكتور. أنا... أنا بخير. أعتقد أنني بدأتُ أعتاد على هذا المكان."

توقف عن حركته للحظة، وظهر على وجهه شيءٌ يشبه الاستغراب. لقد اعتاد مني على الصراخ، أو البكاء، أو الصمت المتعمد، لكن "الاستسلام" كان شيئاً جديداً. "أعتدتِ؟ هذا تطورٌ إيجابي. يبدو أنكِ أدركتِ أخيراً أن المقاومة لا تجدي نفعاً."

اقترب مني وبدأ يخرج أدواته. في هذه اللحظة، قررتُ أن أبدأ المرحلة الأولى من خطتي. "أريدك أن تفهمني يا دكتور. لم أكن يوماً شخصيةً متمردة، لكن صدمة الاختطاف، والظروف التي وجدتُ نفسي فيها، جعلتني أتصرف بجنون. أنا اليوم أدرك أن السيد إياد لديه أسبابه، وربما... ربما كان وجودي هنا ضرورياً لحمايتي."

كانت هذه الجملة كفيلة بأن تجعل الطبيب يرفع رأسه نحوي بفضولٍ حقيقي. لقد رميتُ الطُعم، وهو ابتلعه. بدأ يقيس ضغطي وهو لا يزال يراقبني، محاولاً معرفة ما إذا كنتُ صادقة أم أسخر منه. "حمايتك؟ أنتِ تتحدثين بلغةٍ جديدة اليوم."

"عندما تعيش في الظلام فترة طويلة، تبدأ في تقبل أن هذا هو واقعك،" أجبته بنبرةٍ مدروسة من الأسى والقبول. "إياد رجلٌ قوي، ومن حوله كثيرون. ربما كنتُ في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، وهذا كل ما في الأمر."

بدأ الطبيب بالحديث، وهذه كانت المرة الأولى التي أراه فيها يتحدث بطلاقة. بدأ يخبرني، بغير وعيٍ منه، عن مدى قوة إياد ونفوذه في المدينة، وكيف أن الكثيرين يحاولون النيل منه. كنتُ أنصتُ لكل كلمة، ليس لأني أهتم بإياد، بل لأني كنت أجمع المعلومات. كان يتحدث بفخرٍ عن "المنظمة" التي يعملون لصالحها، وعن "النظام" الذي يفرضونه في هذه المدينة المظلمة.

"أنتِ تبدين أكثر وعياً الآن،" قال وهو يضع جهاز الضغط في الحقيبة. "إياد سيسعد بهذا التحول. أخاف أن التوتر كان سيفقدكِ عقلكِ تماماً."

"أنا أقدر اهتمامك، دكتور. هل يمكنني أن أسألك عن شيء؟" قلتُ بينما نهضتُ وأنا أتحرك بخفةٍ نحوه، متظاهرةً بالحاجة إلى الدعم الجسدي. "لقد شعرتُ ببعض الصداع مؤخراً، هل هناك أي مكانٍ في القصر يمكنني فيه التنزه قليلاً؟ الجلوس هنا يقتلني."

نظر إليّ الطبيب بتردد. كنتُ أعلم أن هذا الطلب هو الاختبار الحقيقي. إذا وافق، فسيفتح لي الطريق، وإذا رفض، سأعرف أنني ما زلت تحت حصارٍ مشدد.

"سأستأذن السيد إياد،" قال أخيراً. "لكن في الوقت الحالي، التزمي غرفتك. سأجلب لكِ بعض الفيتامينات غداً."

عندما غادر، أغلقتُ الباب خلفه. وقفتُ خلفه للحظات، أتنفس بصعوبة. لقد نجحتُ! لقد وضعته في دائرة "الثقة". كنتُ أعلم أن التغيير في سلوكي سيصل إلى إياد في غضون دقائق. سيعتقدون أنني كسرتُ، أنني أصبحتُ "لعبةً" سهلة. وهذا بالضبط ما أريده.

بدأتُ أجوب غرفتي، لا بحثاً عن مخرج، بل بحثاً عن "ثغرة" في روتينهم. لاحظتُ أن الطبيب، في عجلةٍ من أمره، ترك خلفه قطعةً من الورق سقطت من حقيبته دون أن يلاحظ. كانت مجرد ورقة صغيرة، لكنها كانت تحتوي على مواعيد دقيقة لنقل شحناتٍ من الأسلحة خارج القصر، وموعداً لاجتماعٍ سريٍ سيعقده إياد في قبو القصر.

كان قلبي يدق بعنف. هذه الورقة لم تكن مجرد معلومات، كانت "سلاحاً". إذا عرفتُ متى يجتمع إياد، وعرفتُ من هم أعداؤه، يمكنني أن أجد الحليف الذي يبحث عنه في الظلام.

جلستُ على السرير وبدأتُ أكتب بذهني كل ما رأيته. الخطوة القادمة لن تكون مجرد انتظار، بل ستكون تحركاً. أدركتُ أن القصر الذي كنتُ أراه سجناً، هو في الحقيقة "ساحة حرب". إياد يقاتل على جبهاتٍ كثيرة، وأنا، بكوني "الأسيرة"، أقف في المركز.

رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ في عينيه مباشرة، دون خوف، دون خضوع، بل بنظرةٍ غامضة تعمدتُ أن أتركها مفتوحة للتأويل. "أدركتُ أن الحياة في القصر أفضل من الحياة في القبر، يا إياد."

فكرتُ في تلك الرسائل التي تصلني. من يرسلها؟ هل هو الشخص الذي كتب موعد الاجتماع في ورقة الطبيب؟ لا، هذه الورقة تبدو رسمية جداً، كأنها جدول أعمال. هل يعقل أن الطبيب نفسه هو من يترك لي هذه الثغرات؟ لا، مستحيل. الطبيب موالٍ تماماً. ربما شخصٌ آخر يراقب الطبيب ويحاول إحراجه؟

كانت خيوط اللعبة تتشابك أمام عيني. كلما فكرتُ في الأمر، أدركتُ أنني أصبحتُ لاعباً أساسياً. "إياد" يظن أنه أسرني، لكنه في الواقع، أدخل "جاسوسة" إلى قلبِ بيته دون أن يعلم.

مرت الساعات، وأنا أراقب غروب الشمس من خلف القضبان. لأول مرة، لم أعد أشعر بالرغبة في البكاء. بدأتُ أشعر بالقوة التي تأتي من المعرفة. إياد يريد أن يكسر إرادتي؟ فليحاول. أنا الآن أرقص على حافة الهاوية، والرقص، كما علمتني حياتي السابقة، يتطلب توازناً دقيقاً.

في المساء، دخل إياد الغرفة. كان صامتاً كعادته، لكن كانت هناك نظرة استغراب في عينيه وهو يرى هدوئي. لم يصرخ، لم يقترب مني بجبروت. وقف عند الباب، يراقبني بينما كنتُ أقرأ كتابي.

"الطبيب أخبرني أنكِ أصبحتِ... أكثر تعاوناً،" قال بصوته العميق.

ضحك إياد، لكنها ضحكة لم تكن ساخرة هذه المرة، بل كانت تحمل شيئاً من الحيرة. اقترب مني بخطواته الثقيلة، حتى وقف أمامي. "أنتِ تتغيرين يا نور. وأنا لا أحب التغييرات التي لا أتحكم فيها."

لم أتراجع. وقفتُ، وأصبحتُ قريبةً جداً منه، بحيث يمكنني شم رائحة عطر خشب الصندل والبارود التي ترافقه دائماً. "التحكم وهم، يا إياد. حتى أنت، رغم كل قوتك، لا تستطيع التحكم في كل شيء."

تراجعتُ خطوةً للوراء، وبدأتُ أبتسم. "يمكنك أن تضعني في هذا القصر، يمكنك أن تحرسني بجيش، لكنك لن تستطيع أبداً التحكم في ما يدور داخل عقلي."

خرج إياد من الغرفة، وترك الباب مفتوحاً قليلاً. كانت هذه المرة الأولى التي يترك فيها الباب مفتوحاً. هل كان هذا اختباراً؟ هل كان يريد مني أن أخرج؟ أم أنه بدأ يشعر بالخطر؟ لا يهم. المهم أنه بدأ يتردد، وهذا التردد هو بداية النهاية لسيطرته المطلقة.

عدتُ إلى السرير، وأغمضتُ عيني. كان هذا اليوم هو الأطول والأكثر إرهاقاً، لكنني كنتُ أعلم أنني انتصرتُ في الجولة الأولى. قناع الطاعة كان يغطي ملامحي، لكن خلفه، كانت "نور" الحقيقية تستعد للتحرك.

سأحتاج إلى المزيد من المعلومات. سأحتاج إلى فهم العلاقة بين الطبيب، والمنظمة، والأعداء الذين يتربصون بإياد. سأجعل من كل ركنٍ في هذا القصر، من كل همسة، ومن كل نظرة، سلاحاً أستخدمه ضده.

في تلك الليلة، حلمتُ بأن القصر يحترق، وأنني أقف في المنتصف، أراقب النيران وهي تلتهم كل شيء، بينما إياد يطلب النجدة. استيقظتُ على صوت الرعد، وكان القصر يهتز. نظرتُ إلى الساعة؛ كانت الثالثة صباحاً، تماماً مثل وقت محاولة هروبي الأولى. لكن هذه المرة، لم أكن أريد الهروب. كنتُ أريد البقاء، أريد أن أرى كيف ستسقط هذه القلعة التي بنيت من الظلم والغرور.

بدأتُ أكتب في ذهني تفاصيل الفصل السادس. سأحتاج لأن أكون أكثر حذراً، لأن إياد بدأ يشك. المواجهة القادمة لن تكون بالكلمات، بل بالأفعال. سأحتاج إلى حليف. سأحتاج إلى شخصٍ يرى في إياد ما أراه أنا؛ شخصاً مستعداً للمخاطرة بكل شيء من أجل التخلص منه.

هل يمكن أن يكون ذلك الحليف هو "الطبيب"؟ لا، الطبيب جزء من النظام. هل هو الحارس الذي يتجاهلني؟ ربما. أو ربما هو شخصٌ لا يراه أحد، شخصٌ يعيش في دهاليز القصر ويراقب كل شيء من بعيد.

في الصباح الباكر، استيقظتُ وبدأتُ أخطط لليوم التالي. كل شيء كان يسير حسب الخطة. القناع محكم، واللعبة بدأت للتو. في هذا القصر المظلم، لم أعد أنا الأسيرة، بل أصبحتُ أنا اللغز الذي سيهز أركان حياة إياد. "أسيرة اللون القرمزي" لن تبقى أسيرةً إلى الأبد، ودموعها التي كانت في السابق دليل ضعف، ستتحول قريباً إلى دماءٍ تروي الأرض التي سقطت عليها آمالها.

لم أعد تلك الفتاة التي تترك خلفها الماضي. أنا الآن هاجر، الكاتبة التي تكتب مصير شخصياتها بدقة، والتي قررت أن تضع نهايةً لهذا الظلام. كل كلمة، كل فصل، وكل حركة هي جزء من لوحةٍ فنيةٍ كبيرة أرسمها بدمي وذكائي. إياد يظن أنه الملك في مملكته، لكنه نسي شيئاً واحداً: الممالك غالباً ما تسقط من الداخل، ومن يدِ من يظنها الأضعف.

أمسكتُ بالقلم وبدأتُ أكتب مذكراتي، لكنني لم أكتبها لتكون ذكريات، بل لتكون خارطة طريق. إذا متُّ، فليقرأ العالم من كنت، وكيف حاربتُ رجلاً ظن أن كل شيءٍ متاحٌ للبيع والشراء. كتبتُ عن قسوة القصر، عن رائحة الخوف التي تعبق في الممرات، وعن ذلك الرجل الذي أراد امتلاكي، دون أن يعلم أنني كنتُ دائماً حرةً في عقلي.

لقد كان يوماً طويلاً، مليئاً بالأحداث التي غيرت مجرى حياتي. والآن، وأنا أجلس في هذا الظلام، لا أشعر إلا بشيءٍ واحد: التصميم. التصميم على أن أكون هي من يغلق الباب خلفها، وهي من يطفئ أنوار هذا القصر، وهي من يخرج إلى الحرية، تاركةً خلفها إياد وهو يبحث عن "أسيرته" التي لم تكن يوماً ملكاً له.

القصة لم تنتهِ، بل بدأت لتوها. وفي عالم "أسيرة اللون القرمزي"، كل شيءٍ ممكن، والحقيقة دائماً هي الضحية الأولى في معارك القوة والهوس. أنا مستعدة. القناع جاهز، واللعبة بدأت.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل العشرون: الهروب الكبير

    كانت الغابة من حولنا تتنفس الغموض، وأشجارها العتيقة تبدو كحراسٍ صامتين لشاهدةٍ على انهيار عالمٍ بأكمله. لم نكن نعرف إلى أين تتجه بنا أقدامنا، لكننا كنا نعرف جيداً أن التوقف يعني الموت. كان المطر قد توقف، لكن الأرض الموحلة تحت أقدامنا كانت تعيق حركتنا، وتجعل كل خطوةٍ معركةً ضد الجاذبية والإرهاق. كان إياد يترنح بجانبي، وقد بدأ فقدان الدم يؤثر على توازنه، لكن يده لم تترك يدي أبداً؛ كانت قبضته هي الحبل الوحيد الذي يربطني بالحياة في هذا العالم الذي فقد توازنه.توقفنا في منطقةٍ كثيفة الأشجار، حيث لم يعد ضوء القمر قادراً على اختراق الغصون المتشابكة. استند إياد إلى جذع شجرة بلوط ضخمة، وأنزل رأسه بين يديه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وصوت أنفاسه المتقطعة كان يمزق سكون الليل. "لا يمكننا المضي قدماً بهذه السرعة يا نور،" قال بصوتٍ خافت، مغموسٍ بالألم. "الجرح... إنه يزداد سوءاً."جلستُ بجانبه على الأرض، وبدأتُ أفتح حقيبة الإسعاف الصغيرة التي كنت قد انتزعتها من داخل القبو قبل هروبنا. كانت يدي ترتجف، ليس من الخوف، بل من الغضب الذي كان يغلي في عروقي. لقد خسرنا القصر، خسرنا كل ما كان يربطنا بهويتنا، وأ

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل التاسع عشر: أقنعة الخيانة

    كان الظلام في الأنفاق تحت قصر "أرينور" خانقاً، محملاً برائحة العفونة والتراب الرطب، لكنه كان بالنسبة لي ولك، يا إياد، رائحة الحياة التي انتزعناها من براثن الموت. لم يكن خروجنا عبر تلك الأنفاق هروباً عادياً؛ كان زحفاً في أحشاء الأرض، حيث كانت الجدران الحجرية القديمة تبدو وكأنها تراقب حركتنا. لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسنا المتلاحقة وصوت ارتطام أقدامنا بالصخور. كان إياد يتكئ بجسده المنهك عليّ، وكان جرح كتفه لا يزال ينزف، يقطر دماً امتزج بتراب الأنفاق، لكنه لم يتوقف عن المضي قدماً، كانت إرادته أصلب من الحجر الذي يحيط بنا.بعد ساعات من الزحف، وصلنا إلى مخرجٍ مخفي خلف جدارٍ من اللبلاب المتسلق في أطراف الغابة المحيطة بالقصر. خرجنا إلى الهواء الطلق، وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة، يغسل عن وجوهنا غبار المعركة، لكنه لم يغسل تلك الرعشة التي تسكن أعماقنا. توقفنا للحظة لنلتقط أنفاسنا. كان القصر في الخلف يشتعل، ألسنة اللهب تتصاعد منه كأنها صرخاتٍ حزينة، وكان دخانه الأسود يلطخ سماء الليل.في تلك اللحظة، ظهر من بين الأشجار ظلٌ مألوف. لم تكن حركةً عسكرية، بل كانت مشيةً واثقة ومستفزة. توقف الرجل، وأشعل س

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثامن عشر: في قلب الظلام

    لم يعد القصر قصراً. لقد تحول في غضون لحظات إلى متاهة من الجحيم، حيث اختلط صوت الرصاص الصامت—المكتوم بواسطة كاتمات الصوت—بصوت خطوات الأقدام التي كانت تطأ الرخام ببرودٍ قاتل. كنتُ أقف في مركز القبو، يداي لا تزالان مثبتتين على لوحة التحكم، لكن عينيّ كانتا عالقتين في الشاشات التي تعرض الممرات التي يغزوها الموت.رأيتُ إياد عبر الكاميرا رقم 7. كان يتحرك ببراعة القطة المفترسة في الممر الشرقي. لم يكن يقاتل من أجل البقاء فحسب، كان يقاتل من أجل فكرة، من أجل إرث، وربما من أجلي. سقط أحد المقتحمين، ثم آخر، قبل أن يدرك المهاجمون أنهم لا يواجهون حارساً عادياً، بل وحشاً محاصراً يعرف كل زاوية من زوايا هذا القصر. كان إياد يختفي في الظلال ويظهر خلفهم، حركةٌ واحدة، انحناءةٌ دقيقة، ثم إطلاق نارٍ مدروس. لم يكن يهدر رصاصةً واحدة."إياد، إنهم يحيطون بك من جهة المكتبة!" صرختُ في الميكروفون المربوط بالسماعات الخفية التي يرتديها.أجابني صوته، وكان هادئاً بشكلٍ مرعب رغم القتال: "استمري في عزل الممرات يا نور. لا تسمحي لهم بالوصول إلى القبو. سأفتح لكِ طريقاً للخروج إذا تدهورت الأمور، لكن لا تخرجي قبل أن أؤكد لك."

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل السابع عشر: نذير العاصفة

    كان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر.التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد ت

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل السادس عشر: ظلال الماضي تعود

    كان الهدوء في قصر "أرينور" يميل إلى الكآبة تلك الليلة، وكأن القصر نفسه يشعر بالتوتر الذي يسري في أروقتنا بعد اختراقنا لنظام المنظمة. كنتُ وإياد في القبو، محاطين بشاشاتٍ تعرض خرائط تقنية وتفاصيلَ عن تحركات "الظلال". فجأة، دوّى صوت جرس الباب الرئيسي في أرجاء القصر، وهو صوتٌ لم نعتد سماعه في هذا الوقت المتأخر من الليل.تصلب إياد في مكانه، وسحب سلاحه بلمحة بصر. "لا أحد يأتي إلى هنا،" همس بنبرةٍ خافتة ومحذرة. "ابقِ هنا، نور. لا تتحركي."نظرتُ إلى الكاميرات الأمنية التي قمنا بتفعيلها. عند البوابة الرئيسية، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً طويلاً، مبللاً بمياه الأمطار التي بدأت تهطل بغزارة. لم يكن يرتدي زياً عسكرياً، بل ملابس مدنية أنيقة، وكان يبدو كشخصٍ جاء ليطرق باباً يعرفه جيداً. حين رفع رأسه نحو الكاميرا، توقف نبضي تماماً."كريم؟" همستُ بذهول.كان كريم، صديق طفولتي، الشخص الذي ظننتُ أنني فقدته في حادثة اختفاء والدي قبل سنوات. كان هو الشخص الوحيد الذي شاركني ذكريات قبل أن يتحول عالمي إلى هذا الجحيم. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف عرف مكان هذا القصر؟نزل إياد معي إلى البهو الرئيسي، كان جسده مشدوداً كوتر ق

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الخامس عشر: اختراق النظام

    كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يكسره سوى طنين أجهزة الخادم (Server) المكدسة في زوايا القبو. لم تعد هذه المساحة مجرد سجنٍ أو مخبأ، بل تحولت إلى غرفة عمليات حربية. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشحوناً بالأدرينالين والتوتر؛ فقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، اللحظة التي قررنا فيها أن ننتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. جلستُ أمام الشاشات المتعددة، كانت أصابعي تتحرك بسرعةٍ تكاد تكون غير مرئية على لوحة المفاتيح. خلفي، كان إياد يقف كحارسٍ لا يغفل، عيناه تتنقلان بين الشاشات والباب الفولاذي للقبو، يده تقبض على سلاحه كأن الخطر قد يقتحم علينا المكان في أي ثانية. كانت نظراته تلاحق كل حركة أقوم بها، لم يكن يراقب فقط، بل كان يحلل، وكأنه يرى في سرعة بديهتي انعكاساً للرجل الذي كان يثق به: والدي. "نور، المنظمة بدأت تلاحظ ثغرات في جدار الحماية الخاص بهم،" همس إياد، صوته كان عميقاً وهادئاً بشكلٍ مرعب. "لديهم بروتوكول تدمير ذاتي (Kill Switch). إذا اكتشفوا أننا داخل نظامهم، سيقومون بمسح كل شيء، بما في ذلك الأدلة التي نحتاجها لإثبات تورطهم." توقفتُ للحظة، استجمعتُ تركيزي. "لن يمسحوا شيئاً، إياد. أنا لا أحاول اختر

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الرابع عشر: أطلال الماضي

    كان القبو يغرق في سكونٍ ثقيل، سكونٌ لا يقطعه إلا صوت دوران المراوح في أجهزة الحاسوب التي تئن تحت وطأة البيانات المشفرة، وأنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجياً. بعد أن نجحنا في فك الشفرات، لم تعد الملفات مجرد ورقٍ أو بياناتٍ رقمية؛ تحولت إلى أشباحٍ من ماضٍ لم أعش تفاصيله، لكنني أعيش تبعاته في كل

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثالث عشر: عهد الظلال

    وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت،

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثاني عشر: صرخة الصمت

    تراجع الباب الحديدي الضخم إلى الخلف ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن عتمةٍ ليست كباقي العتمة؛ كانت عتمةً محملةً برائحة الغبار الممزوجة برائحةٍ قديمة، شيءٌ يشبه عطر إياد، لكنه أكثر حدةً وقسوة. في تلك اللحظة، لم تعد الساعة تشير إلى الزمن، بل توقف كل شيء. الهواء الذي تسلل من الداخل كان بارداً، جعل جلدي يقشعر، لك

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الحادي عشر: خيوط الحقيقة

    كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقظتُ من غفوةٍ قصيرة لم تكن أكثر من كابوسٍ متصل. لم يغمض لي جفن، فجسدي كان في حالة استنفار دائم. في هذا القصر، حتى الهواء بدا مشحوناً، وكأن الجدران نفسها تراقب أنفاسي. قمتُ من فوق السرير، ومشيت بخطواتٍ وأجلة نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة.

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status