Inicio / الرومانسية / أسيرة اللون القرمزي / الفصل الخامس: قناع الطاعة

Compartir

الفصل الخامس: قناع الطاعة

Autor: هاري
last update Fecha de publicación: 2026-05-30 00:33:44

كان الصباح في قصر "أرينور" يختلف دائماً عن أي مكانٍ آخر في العالم. لا شمسٌ دافئة تتسلل عبر الستائر، ولا صوتٌ لحياةٍ تنبض في الخارج، فقط ذلك الضوء الرمادي الكئيب الذي يغسل جدران الغرفة، ليذكرني كل يوم بأنني لستُ سوى طائرٍ في قفصٍ مذهب. لكن هذه المرة، لم يكن الصباح يحمل معي ثقل الخوف أو مرارة اليأس، بل كان يحمل شيئاً جديداً: "خطة".

وقفتُ أمام المرآة، أنظر إلى انعكاسي. تلك الفتاة التي كانت قبل أيامٍ معدودة تبكي وتصرخ في وجه الحراس، لم تعد موجودة. كانت ملامحي الآن أكثر ثباتاً، وعيناي تخفيان خلفهما بريقاً من الهدوء المفتعل. لقد أدركتُ، بعد ليالٍ طويلة من التفكير والمراقبة، أن الصراع مع "إياد" لا يُربح بالقوة البدنية، ولا بالتمرد الصريح الذي لا يؤدي إلا إلى مزيدٍ من القيود. اللعبة هنا تتطلب "القناع". يجب أن أكون الشخص الذي يريد هو أن يراني عليه، لكي أتمكن في الخفاء من نسج خيوطي الخاصة.

رتبتُ شعري بعناية، وسويتُ فستاني القرمزي الذي كان يبدو وكأنه نذير شؤم. جلستُ على الأريكة، ممسكةً بكتابٍ قديم وجدته في مكتبة الجناح، متظاهرةً بالقراءة بينما كانت أذناي ترصدان كل حركةٍ في الممر. كنتُ أعلم أن الطبيب قادم. زياراته لم تكن مجرد فحوصات، بل كانت تقارير استخباراتية يقدمها لإياد حول حالتي النفسية ومدى انكساري.

بعد فترةٍ ليست بالطويلة، دُق الباب بطرقته المعهودة؛ تلك الطرقة التي توحي بالدقة والبرود.

"تفضل،" قلتُ بصوتٍ هادئ، حرصتُ فيه على نبرةِ الخضوع التي كنتُ أرفضها سابقاً.

دخل الطبيب، يحمل حقيبته السوداء التي تبدو كصندوق أسرارٍ مظلمة. نظر إليّ بتمعن، وكأنه يبحث عن أثرٍ للتمرد في نظراتي، لكنه لم يجد سوى الهدوء. "صباح الخير يا آنسة نور. كيف حالكِ اليوم؟"

أغلقتُ الكتاب ببطء وابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، ابتسامةً لم تصل إلى عيني، لكنها كانت كافية لتخدع من هو في عجلةٍ من أمره. "صباح النور، دكتور. أنا... أنا بخير. أعتقد أنني بدأتُ أعتاد على هذا المكان."

توقف عن حركته للحظة، وظهر على وجهه شيءٌ يشبه الاستغراب. لقد اعتاد مني على الصراخ، أو البكاء، أو الصمت المتعمد، لكن "الاستسلام" كان شيئاً جديداً. "أعتدتِ؟ هذا تطورٌ إيجابي. يبدو أنكِ أدركتِ أخيراً أن المقاومة لا تجدي نفعاً."

اقترب مني وبدأ يخرج أدواته. في هذه اللحظة، قررتُ أن أبدأ المرحلة الأولى من خطتي. "أريدك أن تفهمني يا دكتور. لم أكن يوماً شخصيةً متمردة، لكن صدمة الاختطاف، والظروف التي وجدتُ نفسي فيها، جعلتني أتصرف بجنون. أنا اليوم أدرك أن السيد إياد لديه أسبابه، وربما... ربما كان وجودي هنا ضرورياً لحمايتي."

كانت هذه الجملة كفيلة بأن تجعل الطبيب يرفع رأسه نحوي بفضولٍ حقيقي. لقد رميتُ الطُعم، وهو ابتلعه. بدأ يقيس ضغطي وهو لا يزال يراقبني، محاولاً معرفة ما إذا كنتُ صادقة أم أسخر منه. "حمايتك؟ أنتِ تتحدثين بلغةٍ جديدة اليوم."

"عندما تعيش في الظلام فترة طويلة، تبدأ في تقبل أن هذا هو واقعك،" أجبته بنبرةٍ مدروسة من الأسى والقبول. "إياد رجلٌ قوي، ومن حوله كثيرون. ربما كنتُ في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، وهذا كل ما في الأمر."

بدأ الطبيب بالحديث، وهذه كانت المرة الأولى التي أراه فيها يتحدث بطلاقة. بدأ يخبرني، بغير وعيٍ منه، عن مدى قوة إياد ونفوذه في المدينة، وكيف أن الكثيرين يحاولون النيل منه. كنتُ أنصتُ لكل كلمة، ليس لأني أهتم بإياد، بل لأني كنت أجمع المعلومات. كان يتحدث بفخرٍ عن "المنظمة" التي يعملون لصالحها، وعن "النظام" الذي يفرضونه في هذه المدينة المظلمة.

"أنتِ تبدين أكثر وعياً الآن،" قال وهو يضع جهاز الضغط في الحقيبة. "إياد سيسعد بهذا التحول. أخاف أن التوتر كان سيفقدكِ عقلكِ تماماً."

"أنا أقدر اهتمامك، دكتور. هل يمكنني أن أسألك عن شيء؟" قلتُ بينما نهضتُ وأنا أتحرك بخفةٍ نحوه، متظاهرةً بالحاجة إلى الدعم الجسدي. "لقد شعرتُ ببعض الصداع مؤخراً، هل هناك أي مكانٍ في القصر يمكنني فيه التنزه قليلاً؟ الجلوس هنا يقتلني."

نظر إليّ الطبيب بتردد. كنتُ أعلم أن هذا الطلب هو الاختبار الحقيقي. إذا وافق، فسيفتح لي الطريق، وإذا رفض، سأعرف أنني ما زلت تحت حصارٍ مشدد.

"سأستأذن السيد إياد،" قال أخيراً. "لكن في الوقت الحالي، التزمي غرفتك. سأجلب لكِ بعض الفيتامينات غداً."

عندما غادر، أغلقتُ الباب خلفه. وقفتُ خلفه للحظات، أتنفس بصعوبة. لقد نجحتُ! لقد وضعته في دائرة "الثقة". كنتُ أعلم أن التغيير في سلوكي سيصل إلى إياد في غضون دقائق. سيعتقدون أنني كسرتُ، أنني أصبحتُ "لعبةً" سهلة. وهذا بالضبط ما أريده.

بدأتُ أجوب غرفتي، لا بحثاً عن مخرج، بل بحثاً عن "ثغرة" في روتينهم. لاحظتُ أن الطبيب، في عجلةٍ من أمره، ترك خلفه قطعةً من الورق سقطت من حقيبته دون أن يلاحظ. كانت مجرد ورقة صغيرة، لكنها كانت تحتوي على مواعيد دقيقة لنقل شحناتٍ من الأسلحة خارج القصر، وموعداً لاجتماعٍ سريٍ سيعقده إياد في قبو القصر.

كان قلبي يدق بعنف. هذه الورقة لم تكن مجرد معلومات، كانت "سلاحاً". إذا عرفتُ متى يجتمع إياد، وعرفتُ من هم أعداؤه، يمكنني أن أجد الحليف الذي يبحث عنه في الظلام.

جلستُ على السرير وبدأتُ أكتب بذهني كل ما رأيته. الخطوة القادمة لن تكون مجرد انتظار، بل ستكون تحركاً. أدركتُ أن القصر الذي كنتُ أراه سجناً، هو في الحقيقة "ساحة حرب". إياد يقاتل على جبهاتٍ كثيرة، وأنا، بكوني "الأسيرة"، أقف في المركز.

رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ في عينيه مباشرة، دون خوف، دون خضوع، بل بنظرةٍ غامضة تعمدتُ أن أتركها مفتوحة للتأويل. "أدركتُ أن الحياة في القصر أفضل من الحياة في القبر، يا إياد."

فكرتُ في تلك الرسائل التي تصلني. من يرسلها؟ هل هو الشخص الذي كتب موعد الاجتماع في ورقة الطبيب؟ لا، هذه الورقة تبدو رسمية جداً، كأنها جدول أعمال. هل يعقل أن الطبيب نفسه هو من يترك لي هذه الثغرات؟ لا، مستحيل. الطبيب موالٍ تماماً. ربما شخصٌ آخر يراقب الطبيب ويحاول إحراجه؟

كانت خيوط اللعبة تتشابك أمام عيني. كلما فكرتُ في الأمر، أدركتُ أنني أصبحتُ لاعباً أساسياً. "إياد" يظن أنه أسرني، لكنه في الواقع، أدخل "جاسوسة" إلى قلبِ بيته دون أن يعلم.

مرت الساعات، وأنا أراقب غروب الشمس من خلف القضبان. لأول مرة، لم أعد أشعر بالرغبة في البكاء. بدأتُ أشعر بالقوة التي تأتي من المعرفة. إياد يريد أن يكسر إرادتي؟ فليحاول. أنا الآن أرقص على حافة الهاوية، والرقص، كما علمتني حياتي السابقة، يتطلب توازناً دقيقاً.

في المساء، دخل إياد الغرفة. كان صامتاً كعادته، لكن كانت هناك نظرة استغراب في عينيه وهو يرى هدوئي. لم يصرخ، لم يقترب مني بجبروت. وقف عند الباب، يراقبني بينما كنتُ أقرأ كتابي.

"الطبيب أخبرني أنكِ أصبحتِ... أكثر تعاوناً،" قال بصوته العميق.

ضحك إياد، لكنها ضحكة لم تكن ساخرة هذه المرة، بل كانت تحمل شيئاً من الحيرة. اقترب مني بخطواته الثقيلة، حتى وقف أمامي. "أنتِ تتغيرين يا نور. وأنا لا أحب التغييرات التي لا أتحكم فيها."

لم أتراجع. وقفتُ، وأصبحتُ قريبةً جداً منه، بحيث يمكنني شم رائحة عطر خشب الصندل والبارود التي ترافقه دائماً. "التحكم وهم، يا إياد. حتى أنت، رغم كل قوتك، لا تستطيع التحكم في كل شيء."

تراجعتُ خطوةً للوراء، وبدأتُ أبتسم. "يمكنك أن تضعني في هذا القصر، يمكنك أن تحرسني بجيش، لكنك لن تستطيع أبداً التحكم في ما يدور داخل عقلي."

خرج إياد من الغرفة، وترك الباب مفتوحاً قليلاً. كانت هذه المرة الأولى التي يترك فيها الباب مفتوحاً. هل كان هذا اختباراً؟ هل كان يريد مني أن أخرج؟ أم أنه بدأ يشعر بالخطر؟ لا يهم. المهم أنه بدأ يتردد، وهذا التردد هو بداية النهاية لسيطرته المطلقة.

عدتُ إلى السرير، وأغمضتُ عيني. كان هذا اليوم هو الأطول والأكثر إرهاقاً، لكنني كنتُ أعلم أنني انتصرتُ في الجولة الأولى. قناع الطاعة كان يغطي ملامحي، لكن خلفه، كانت "نور" الحقيقية تستعد للتحرك.

سأحتاج إلى المزيد من المعلومات. سأحتاج إلى فهم العلاقة بين الطبيب، والمنظمة، والأعداء الذين يتربصون بإياد. سأجعل من كل ركنٍ في هذا القصر، من كل همسة، ومن كل نظرة، سلاحاً أستخدمه ضده.

في تلك الليلة، حلمتُ بأن القصر يحترق، وأنني أقف في المنتصف، أراقب النيران وهي تلتهم كل شيء، بينما إياد يطلب النجدة. استيقظتُ على صوت الرعد، وكان القصر يهتز. نظرتُ إلى الساعة؛ كانت الثالثة صباحاً، تماماً مثل وقت محاولة هروبي الأولى. لكن هذه المرة، لم أكن أريد الهروب. كنتُ أريد البقاء، أريد أن أرى كيف ستسقط هذه القلعة التي بنيت من الظلم والغرور.

بدأتُ أكتب في ذهني تفاصيل الفصل السادس. سأحتاج لأن أكون أكثر حذراً، لأن إياد بدأ يشك. المواجهة القادمة لن تكون بالكلمات، بل بالأفعال. سأحتاج إلى حليف. سأحتاج إلى شخصٍ يرى في إياد ما أراه أنا؛ شخصاً مستعداً للمخاطرة بكل شيء من أجل التخلص منه.

هل يمكن أن يكون ذلك الحليف هو "الطبيب"؟ لا، الطبيب جزء من النظام. هل هو الحارس الذي يتجاهلني؟ ربما. أو ربما هو شخصٌ لا يراه أحد، شخصٌ يعيش في دهاليز القصر ويراقب كل شيء من بعيد.

في الصباح الباكر، استيقظتُ وبدأتُ أخطط لليوم التالي. كل شيء كان يسير حسب الخطة. القناع محكم، واللعبة بدأت للتو. في هذا القصر المظلم، لم أعد أنا الأسيرة، بل أصبحتُ أنا اللغز الذي سيهز أركان حياة إياد. "أسيرة اللون القرمزي" لن تبقى أسيرةً إلى الأبد، ودموعها التي كانت في السابق دليل ضعف، ستتحول قريباً إلى دماءٍ تروي الأرض التي سقطت عليها آمالها.

لم أعد تلك الفتاة التي تترك خلفها الماضي. أنا الآن هاجر، الكاتبة التي تكتب مصير شخصياتها بدقة، والتي قررت أن تضع نهايةً لهذا الظلام. كل كلمة، كل فصل، وكل حركة هي جزء من لوحةٍ فنيةٍ كبيرة أرسمها بدمي وذكائي. إياد يظن أنه الملك في مملكته، لكنه نسي شيئاً واحداً: الممالك غالباً ما تسقط من الداخل، ومن يدِ من يظنها الأضعف.

أمسكتُ بالقلم وبدأتُ أكتب مذكراتي، لكنني لم أكتبها لتكون ذكريات، بل لتكون خارطة طريق. إذا متُّ، فليقرأ العالم من كنت، وكيف حاربتُ رجلاً ظن أن كل شيءٍ متاحٌ للبيع والشراء. كتبتُ عن قسوة القصر، عن رائحة الخوف التي تعبق في الممرات، وعن ذلك الرجل الذي أراد امتلاكي، دون أن يعلم أنني كنتُ دائماً حرةً في عقلي.

لقد كان يوماً طويلاً، مليئاً بالأحداث التي غيرت مجرى حياتي. والآن، وأنا أجلس في هذا الظلام، لا أشعر إلا بشيءٍ واحد: التصميم. التصميم على أن أكون هي من يغلق الباب خلفها، وهي من يطفئ أنوار هذا القصر، وهي من يخرج إلى الحرية، تاركةً خلفها إياد وهو يبحث عن "أسيرته" التي لم تكن يوماً ملكاً له.

القصة لم تنتهِ، بل بدأت لتوها. وفي عالم "أسيرة اللون القرمزي"، كل شيءٍ ممكن، والحقيقة دائماً هي الضحية الأولى في معارك القوة والهوس. أنا مستعدة. القناع جاهز، واللعبة بدأت.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثالث عشر: عهد الظلال

    وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت، بانتظار ردة فعلي. التفتُ إليه، ولم أعد أرى فيه ذلك "السجان" الذي كان يقتحم حياتي ببرود. نظرتُ إلى يديه، تلك اليدين اللتين كانتا تحميان ظلي من "الظلال" بينما كنتُ أنا ألعنهما. لقد تحول إياد في عيني من وحشٍ إلى حليف، أو ربما... إلى رفيقٍ في قدرٍ أسود.شهدتُ تحولي النفسي لحظةً بلحظة. شعرتُ بكبرياء السنين التي قضيتها مصممةً طموحة، وقد استيقظ من سباته. لم أعد تلك الفتاة التي ترتجف في زاوية القصر، ولا تلك التي تنتظر رحمة إياد. لقد استعدتُ "نور" التي كانت دائماً حادة الذكاء، تلك التي ترى في التصميم ليس مجرد أقمشة، بل بناءً للعوالم. إذا كان إياد يبني عالماً من الغموض، فأنا سأكون المهندسة التي تعيد ترتيب شتاته.سرت قشعريرة في جسدي؛ لم تكن خوفاً، بل كانت "قوة". كان الشعور بالتخلي عن دور الضحية مريحاً

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثاني عشر: صرخة الصمت

    تراجع الباب الحديدي الضخم إلى الخلف ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن عتمةٍ ليست كباقي العتمة؛ كانت عتمةً محملةً برائحة الغبار الممزوجة برائحةٍ قديمة، شيءٌ يشبه عطر إياد، لكنه أكثر حدةً وقسوة. في تلك اللحظة، لم تعد الساعة تشير إلى الزمن، بل توقف كل شيء. الهواء الذي تسلل من الداخل كان بارداً، جعل جلدي يقشعر، لكن البرودة التي سرت في عروقي كانت نابعة من نظرات إياد الذي وقف بجانبي، يراقب وجهي باهتمامٍ لا يفهمه إلا هو."ادخلي،" قال بصوتٍ خافت، لم يكن أمراً، بل كان دعوةً لمواجهة المصير.قبل أن أخطو خطوتي الأولى، استدرتُ نحوه. كانت عيناي تشتعلان بدموع الغضب، والحيرة، وشيءٌ آخر كنت أرفض الاعتراف به: الخوف من فقدانه. دفعتُ صدره بكلتا يديّ، محاولةً إبعاد هذا "الوحش" الذي استعمر عالمي."توقف!" صرختُ، وصداي يتردد في الممر. "توقف عن التلاعب بي! هل تظن أنك بهذه الألعاب، بهذه الممرات، وبهذه الألغاز، ستجعلني أحبك؟ أنت سجان، إياد. سجانٌ سرق حياتي، والآن تريد أن تسرق روحي أيضاً؟"تلقى ضرباتي على صدره بجمودٍ تام، وكأن جسده لا يشعر بالألم، لكن عينيه—تلك العينين اللتين كانتا دائماً بحراً من الغموض—تحولتا فجأة إلى مرآ

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الحادي عشر: خيوط الحقيقة

    كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقظتُ من غفوةٍ قصيرة لم تكن أكثر من كابوسٍ متصل. لم يغمض لي جفن، فجسدي كان في حالة استنفار دائم. في هذا القصر، حتى الهواء بدا مشحوناً، وكأن الجدران نفسها تراقب أنفاسي. قمتُ من فوق السرير، ومشيت بخطواتٍ وأجلة نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة. كانت انعكاساتي في الظلام تبدو كشبحٍ غريب، وجهي شاحب، وعيناي غائرتان بصدق الترقب.بدأتُ أتحرك في الغرفة، أراجع الخطة في رأسي للمرة الألف. مريم كانت قد أخبرتني في لقاءٍ خاطفٍ خلف الستائر في الصباح أن الحراس يغيرون نوباتهم في الساعة الثانية والنصف. كان ذلك هو الوقت الذهبي؛ نصف ساعةٍ قبل الثالثة، نصف ساعةٍ كانت كفيلةً بأن أصل إلى باب القبو دون أن أُكشف.فجأة، طرقت الباب طرقةٌ خفيفة، لكنها كانت مألوفة. فتحت الباب بحذر، ووجدت مريم واقفة هناك، كانت ترتدي ثياب الخدم الداكنة، وعيناها تدلان على رعبٍ مكتوم. دخلت بسرعة وأغلقت الباب خلفها."نور، يجب أن تعرفي شيئاً،" همست وهي تتنفس بصعوبة. "السيد إياد أمر بتشديد الحراسة حول الطابق السفلي. القلادة التي أعطاكِ إياها... إنها ليست مفتاحاً عادياً. لقد سمعتُ ال

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل العاشر: هدوء العاصفة

    كان الصباح في قصر "أرينور" مختلفاً هذه المرة، ليس بسبب تغيير في معالم المكان، بل لأنني كنت أنظر إليه بعينين مختلفتين. القصر الذي كان يمثل لي سجناً خانقاً، تحول إلى ساحة معركة صامتة. الشمس التي تسللت عبر النوافذ العالية لم تعد تبدو كضوءٍ دافئ، بل كانت أشعةً قاسيةً تكشف عيوب حياتي التي أصبحت أعيشها في كنف "إياد".جلستُ أمام المرآة، أنظر إلى انعكاسي. شعرتُ أن المرأة التي أمامها ليست "نور" المصممة الطموحة التي كانت تحلم بترك بصمتها في عالم الموضة، بل أصبحت نسخةً مشوهة من إرادة رجلٍ واحد. وضعتُ يدي على صدري، حيث كانت القلادة الذهبية ذات الحجر القرمزي تقبع تحت ملابسي، باردةً ومستفزة، تذكرني بأنني أملك المفتاح، لكنني أيضاً أملك "عبئاً" لا أعرف عواقبه.طرقت الخادمة الباب ودخلت وهي تحمل صينية الإفطار. كانت مريم، ولكن عينيها لم تكن تشبه مريم التي عرفتها. كانت نظراتها حذرة، تمسح الغرفة بسرعة قبل أن تضع الطعام. اقتربت مني وهمست بصوتٍ بالكاد يُسمع: "السيد إياد في حالة غضبٍ هادئ اليوم. تجنبي أي صدام. كل شيء في القصر أصبح مراقباً أكثر من المعتاد."سألتها وأنا أتظاهر بالانشغال بشعري: "هل تعرفين شيئاً

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل التاسع: خلف الستار القرمزي

    الساعة تشير إلى الثالثة فجراً. الصمت في القصر ليس صمتاً عادياً، إنه صمتٌ ثقيل، مشحون بالتوتر الكهربائي. وقفتُ داخل الممر السري، أراقب من الفتحة الصغيرة القبو الذي يقع في الأسفل. كانت الإضاءة خافتة، لكنني رأيتُه؛ "إياد".لم يكن وحده. كان يقف أمام خزانة حديدية ضخمة، يفتحها بمفتاحٍ ذهبي لا يملكه غيره. كان الطبيب يقف بجانبه، ملامحه توحي بالخوف لا بالطاعة."هل هي جاهزة؟" سأل إياد بصوته الأجش الذي اخترق جدران الممر.أجاب الطبيب بصوتٍ مرتجف: "نعم، سيدي. لكن التكاليف... المنظمة بدأت تسأل عن سبب تأخرك."ضحك إياد ضحكةً باردة جعلتني أرتجف في مكاني. "المنظمة لا تملك ما أملكه أنا. نور ليست مجرد قطعة في اللعبة، هي اللعبة بأكملها."توقفت أنفاسي. أنا "اللعبة"؟ هل يظن أنني مجرد دمية؟ شعرتُ بنار الغضب تشتعل في صدري، لكنني أجبرت نفسي على الثبات. وفجأة، حدث ما لم يكن في الحسبان. التفت إياد ببطء نحو المرآة التي كنت أختبئ خلفها، وكأنه يشعر بوجودي."اخرج،" قال بصوتٍ حاد، ليس لي، بل لشيءٍ كان يتحرك في زاوية القبو.خرجت "مريم" الخادمة من الظلال، رأسها مطأطأ، وجسدها يرتجف. قلبي توقف. مريم! لقد كُشفت!"كنتُ أعل

  • أسيرة اللون القرمزي   الفصل الثامن: ساعات الانتظار الثقيلة

    كان ضوء الشمس يتسلل عبر قضبان النافذة بطريقة توحي وكأنه يسخر مني. لم يكن الصباح كباقي الأيام؛ كان النهار طويلاً بشكل لا يطاق، وكأن الساعات قد قررت أن تتوقف لتمتحن صبري. جلستُ في مكاني، أراقب حركة الظلال على الجدران، أحاول أن أظهر في حالة من الاستسلام الكامل، بينما كان عقلي يعمل بتروسٍ لا تتوقف.دخل الطبيب في وقت مبكر عن موعده. كان وجهه شاحباً، وعيناه تلاحقان زوايا الغرفة بريبة لم أعهدها فيه من قبل. لم يكتفِ كالعادة بوضع الدواء والرحيل، بل ظل واقفاً، يراقبني بنظراتٍ غامضة."هل أنتِ بخير يا نور؟" سأل بنبرةٍ كأنها مزيج من القلق والتحذير. "القصر في حالة استنفار اليوم. إياد غاضب، والحراس في كل مكان. يبدو أن أحدهم أثار غضبه بشدة."أجبتُ بصوتٍ هادئ، وأنا أتظاهر بالنظر إلى كتابٍ مفتوح أمامي: "أنا هنا في غرفتي منذ أيام، دكتور. لا أعرف شيئاً عما يحدث في الخارج، ولا يهمني."تنهد الطبيب، واقترب خطوةً واحدة، ثم همس بصوتٍ خافت: "إياد يعتقد أن هناك 'ثغرة' في أمن القصر. إذا كنتِ تعرفين شيئاً، أو إذا كان هناك شيءٌ قد سقط من يده... من الأفضل لكِ أن تتخلصي منه الآن."تصلب جسدي، لكنني أجبرتُ نفسي على الا

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status