Masukاستيقظتُ على وقع صوتِ المطر وهو يقرع زجاج النافذة بحدة، وكأنه يحاول تحطيم الحواجز التي وضعها "إياد" حول جناحي. نظرتُ إلى انعكاسي في المرآة؛ وجهي شاحب، وعيناي تحملان إرهاق ليالي الترقب، لكن خلف هذا الشحوب، كان هناك شيءٌ يشتعل. لم أعد تلك الفتاة التي تكتفي بالبقاء في غرفتها، تنتظر مصيراً يحدده رجلٌ يظن أنه امتلك العالم. لقد تعلمتُ أن الصمت في هذا القصر هو أداة، تماماً كالكلام.
مرت ساعات الصباح بطيئة، كأن الوقت نفسه قد توقف في هذا القصر. كان الطعام يُقدم لي بانتظام، لكنني لم أعد ألمسه؛ كنتُ أخشى ما قد يكون مدسوساً فيه، أو ربما كنتُ أخشى أن يرى "إياد" في تناول طعامي خضوعاً غير مباشر له. قضيتُ وقتي في مراقبة حركة الظلال، وفي رسم خرائط ذهنية لكل زاويةٍ في هذا المكان. كانت غرفتي الآن بمثابة خلية نحل، لا للنحل، بل للأفكار. كنتُ أحلل كل حركة، كل صوت، وكل نظرة من الحراس الذين يتبدلون خلف الباب. عندما دقت الساعة الثالثة بعد الظهر، فُتح الباب أخيراً. لم يكن "إياد"، بل كان الطبيب، ذلك الرجل الذي يثير في نفسي ارتياباً أشد من خوف الحراس. دخل بهدوء، يجر خلفه عربةً طبية صغيرة تصدر صريراً خافتاً يمزق هدوء الغرفة. لم يلقِ التحية، بل بدأ فوراً في ترتيب أدواته فوق الطاولة الخشبية العتيقة. كان ضوء النهار الشاحب الداخل من النافذة يسلط الضوء على شعارٍ دقيق محفور على جانب ساعته، ذلك الشعار الذي رأيته في مكتب المراقبة. لقد تأكدت شكوكي؛ هذا الرجل ليس هنا لعلاجي، هو جزءٌ من الآلة التي تحاول طحن إرادتي. "آنسة نور،" قال بصوتٍ رتيب يفتقر لأي نبرةٍ إنسانية. "أمرني السيد إياد أن أجري لكِ فحصاً دورياً اليوم. يبدو أنكِ لم تنامي جيداً الليلة الماضية، دقات قلبكِ المضطربة في الكاميرات توحي بوجود قلقٍ غير مبرر." نظرتُ إليه مباشرة، متعمدةً إظهار الثقة. "القلق أمر طبيعي لمن يُحبس في غرفته يا دكتور، ألا تعتقد ذلك؟" توقف عن حركته، ونظر إليّ من خلف نظارته الطبية الكبيرة. كانت عيناه باردتين، لا تعكسان شيئاً من انعكاس الغرفة. "السيد إياد يهتم بسلامتكِ فوق كل شيء. محاولتكِ للهروب كانت تصرفاً متهوراً، وقد كادت أن تؤدي إلى عواقب وخيمة. الفحص اليوم ليس اختيارياً." بدأتُ أشعر ببرودة تسري في أطرافي، لكنني تمالكتُ نفسي. جلستُ على حافة السرير، ومددتُ ذراعي ببطء. كان الطبيب يراقب كل حركةٍ لي، كأنه يحلل استجابتي النفسية. حين وضع جهاز قياس الضغط، شعرتُ بجسده يقترب جداً، وكانت تفوح منه رائحة معقماتٍ قوية تمتزج برائحة سجائر فاخرة، رائحةٍ تذكرني بـ "إياد". "هل تعمل لديه منذ فترة طويلة؟" سألتُ، محاولةً أن تبدو نبرتي فضولية لا استقصائية. لم يجب فوراً. ضغط على مضخة الهواء، وراقبتُ المؤشر وهو يرتفع. "أعمل في خدمة العلم، آنسة نور. وكل ما يخدم استقرار هذا المكان يخدم العلم في نهاية المطاف." "الاستقرار؟" ضحكتُ بمرارة. "ألا تسمي هذا سجناً؟" توقف، ونظر إليّ طويلاً. "السجن هو فكرة في العقل يا آنسة نور. هناك أشخاصٌ يعيشون في حريةٍ مطلقة لكنهم مسجونون في طموحاتهم أو مخاوفهم. أنتِ هنا لأنكِ تمتلكين شيئاً ثميناً، شيئاً يخشى إياد أن يضيع في عالمٍ فوضوي." تلك الكلمات جعلتني أتجمد. هل يعني أن "إياد" لا يمتلكني لذاتي، بل لشيءٍ أملكه؟ ربما يتعلق الأمر بتصاميمي، أو بأسرارٍ عن عائلتي لم أكن أعلمها حتى أنا؟ سرقتُ نظرةً سريعة على حقيبته المفتوحة، رأيتُ فيها ملفاً صغيراً يحمل اسمي وتاريخاً حديثاً جداً. كانت يدي ترتجف قليلاً من شدة الضغط، فاستغليت ذلك لأتظاهر بالضعف. "أنا متعبة جداً،" قلتُ بصوتٍ منخفض. "هل يمكن أن تعطيني شيئاً يساعدني على النوم؟" لمعت عيناه بوميض غريب، وكأنه يختبر شيئاً ما. "بالطبع. سأحضر لكِ جرعةً خفيفة، ستجعلكِ تنامين دون كوابيس." خرج من الغرفة، وبقيتُ وحيدة. كان هذا هو الوقت الذي كنت أنتظره. اندفعتُ نحو الحقيبة التي تركها مفتوحةً لثوانٍ معدودة. أخرجتُ الملف؛ كانت الأوراق تحتوي على تحليلات دقيقة لشخصيتي، بل كانت هناك ملاحظات بخط يد "إياد" نفسه. نور تظهر بوادر ذكاءٍ حاد، يجب تقييدها أكثر. قرأتُ الجملة وتجمدت دمي. لقد كان يحلل كل حركةٍ أقوم بها، وكل ردة فعل! سمعتُ وقع خطواتٍ في الممر. أعدتُ الملف بسرعة، وتظاهرتُ بالاستلقاء على السرير. دخل الطبيب وبيده كوب ماء صغير وداخله قرصٌ أبيض. أخذتُه منه بابتسامةٍ واهنة، وتظاهرتُ بابتلاعه، بينما دسسته في باطن كفي. "ارتاحي الآن،" قال وهو يجمع أدواته. "سوف نلتقي غداً." بعد أن أغلق الباب، انتظرتُ دقائق طويلة حتى تأكدتُ من خلو الممر. قمتُ فوراً إلى النافذة، وألقيتُ القرص في فجوةٍ بين الألواح الخشبية. كنتُ أعلم الآن أنني في قلب اللعبة، وأن الطبيب هو عينه التي لا تنام، لكنه أيضاً الثغرة التي سأستخدمها. لقد بدأ الكبرياء الذي يملؤني يتحول إلى استراتيجية. لم أعد أهرب، بل أصبحتُ "الأسيرة" التي تراقب سجّانها، وتنتظر اللحظة المناسبة لتنقلب الأدوار. في تلك الليلة، لم أنم. جلستُ أمام النافذة، أنظر إلى القصر من خلال قضبان الحديد. تساءلتُ: لماذا أنا؟ ما الذي يحمله عقلي أو تاريخي ليجعل رجلاً مثل "إياد" يضع كل هذه الموارد لمراقبته؟ ربما كانت الإجابة موجودة في مكتبه، أو في تلك الملفات السرية التي رأيتها في غرفة المراقبة. قررتُ أن الفصل القادم من حياتي لن يكون هروباً، بل سيكون "اكتشافاً". سأبدأ في جمع الخيوط، وسأجعل "إياد" يتساءل في يومٍ ما: هل كان هو من أسرني، أم أنني أنا من استدرجته إلى لعبتي؟كانت الغابة من حولنا تتنفس الغموض، وأشجارها العتيقة تبدو كحراسٍ صامتين لشاهدةٍ على انهيار عالمٍ بأكمله. لم نكن نعرف إلى أين تتجه بنا أقدامنا، لكننا كنا نعرف جيداً أن التوقف يعني الموت. كان المطر قد توقف، لكن الأرض الموحلة تحت أقدامنا كانت تعيق حركتنا، وتجعل كل خطوةٍ معركةً ضد الجاذبية والإرهاق. كان إياد يترنح بجانبي، وقد بدأ فقدان الدم يؤثر على توازنه، لكن يده لم تترك يدي أبداً؛ كانت قبضته هي الحبل الوحيد الذي يربطني بالحياة في هذا العالم الذي فقد توازنه.توقفنا في منطقةٍ كثيفة الأشجار، حيث لم يعد ضوء القمر قادراً على اختراق الغصون المتشابكة. استند إياد إلى جذع شجرة بلوط ضخمة، وأنزل رأسه بين يديه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وصوت أنفاسه المتقطعة كان يمزق سكون الليل. "لا يمكننا المضي قدماً بهذه السرعة يا نور،" قال بصوتٍ خافت، مغموسٍ بالألم. "الجرح... إنه يزداد سوءاً."جلستُ بجانبه على الأرض، وبدأتُ أفتح حقيبة الإسعاف الصغيرة التي كنت قد انتزعتها من داخل القبو قبل هروبنا. كانت يدي ترتجف، ليس من الخوف، بل من الغضب الذي كان يغلي في عروقي. لقد خسرنا القصر، خسرنا كل ما كان يربطنا بهويتنا، وأ
كان الظلام في الأنفاق تحت قصر "أرينور" خانقاً، محملاً برائحة العفونة والتراب الرطب، لكنه كان بالنسبة لي ولك، يا إياد، رائحة الحياة التي انتزعناها من براثن الموت. لم يكن خروجنا عبر تلك الأنفاق هروباً عادياً؛ كان زحفاً في أحشاء الأرض، حيث كانت الجدران الحجرية القديمة تبدو وكأنها تراقب حركتنا. لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسنا المتلاحقة وصوت ارتطام أقدامنا بالصخور. كان إياد يتكئ بجسده المنهك عليّ، وكان جرح كتفه لا يزال ينزف، يقطر دماً امتزج بتراب الأنفاق، لكنه لم يتوقف عن المضي قدماً، كانت إرادته أصلب من الحجر الذي يحيط بنا.بعد ساعات من الزحف، وصلنا إلى مخرجٍ مخفي خلف جدارٍ من اللبلاب المتسلق في أطراف الغابة المحيطة بالقصر. خرجنا إلى الهواء الطلق، وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة، يغسل عن وجوهنا غبار المعركة، لكنه لم يغسل تلك الرعشة التي تسكن أعماقنا. توقفنا للحظة لنلتقط أنفاسنا. كان القصر في الخلف يشتعل، ألسنة اللهب تتصاعد منه كأنها صرخاتٍ حزينة، وكان دخانه الأسود يلطخ سماء الليل.في تلك اللحظة، ظهر من بين الأشجار ظلٌ مألوف. لم تكن حركةً عسكرية، بل كانت مشيةً واثقة ومستفزة. توقف الرجل، وأشعل س
لم يعد القصر قصراً. لقد تحول في غضون لحظات إلى متاهة من الجحيم، حيث اختلط صوت الرصاص الصامت—المكتوم بواسطة كاتمات الصوت—بصوت خطوات الأقدام التي كانت تطأ الرخام ببرودٍ قاتل. كنتُ أقف في مركز القبو، يداي لا تزالان مثبتتين على لوحة التحكم، لكن عينيّ كانتا عالقتين في الشاشات التي تعرض الممرات التي يغزوها الموت.رأيتُ إياد عبر الكاميرا رقم 7. كان يتحرك ببراعة القطة المفترسة في الممر الشرقي. لم يكن يقاتل من أجل البقاء فحسب، كان يقاتل من أجل فكرة، من أجل إرث، وربما من أجلي. سقط أحد المقتحمين، ثم آخر، قبل أن يدرك المهاجمون أنهم لا يواجهون حارساً عادياً، بل وحشاً محاصراً يعرف كل زاوية من زوايا هذا القصر. كان إياد يختفي في الظلال ويظهر خلفهم، حركةٌ واحدة، انحناءةٌ دقيقة، ثم إطلاق نارٍ مدروس. لم يكن يهدر رصاصةً واحدة."إياد، إنهم يحيطون بك من جهة المكتبة!" صرختُ في الميكروفون المربوط بالسماعات الخفية التي يرتديها.أجابني صوته، وكان هادئاً بشكلٍ مرعب رغم القتال: "استمري في عزل الممرات يا نور. لا تسمحي لهم بالوصول إلى القبو. سأفتح لكِ طريقاً للخروج إذا تدهورت الأمور، لكن لا تخرجي قبل أن أؤكد لك."
كان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر.التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد ت
كان الهدوء في قصر "أرينور" يميل إلى الكآبة تلك الليلة، وكأن القصر نفسه يشعر بالتوتر الذي يسري في أروقتنا بعد اختراقنا لنظام المنظمة. كنتُ وإياد في القبو، محاطين بشاشاتٍ تعرض خرائط تقنية وتفاصيلَ عن تحركات "الظلال". فجأة، دوّى صوت جرس الباب الرئيسي في أرجاء القصر، وهو صوتٌ لم نعتد سماعه في هذا الوقت المتأخر من الليل.تصلب إياد في مكانه، وسحب سلاحه بلمحة بصر. "لا أحد يأتي إلى هنا،" همس بنبرةٍ خافتة ومحذرة. "ابقِ هنا، نور. لا تتحركي."نظرتُ إلى الكاميرات الأمنية التي قمنا بتفعيلها. عند البوابة الرئيسية، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً طويلاً، مبللاً بمياه الأمطار التي بدأت تهطل بغزارة. لم يكن يرتدي زياً عسكرياً، بل ملابس مدنية أنيقة، وكان يبدو كشخصٍ جاء ليطرق باباً يعرفه جيداً. حين رفع رأسه نحو الكاميرا، توقف نبضي تماماً."كريم؟" همستُ بذهول.كان كريم، صديق طفولتي، الشخص الذي ظننتُ أنني فقدته في حادثة اختفاء والدي قبل سنوات. كان هو الشخص الوحيد الذي شاركني ذكريات قبل أن يتحول عالمي إلى هذا الجحيم. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف عرف مكان هذا القصر؟نزل إياد معي إلى البهو الرئيسي، كان جسده مشدوداً كوتر ق
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يكسره سوى طنين أجهزة الخادم (Server) المكدسة في زوايا القبو. لم تعد هذه المساحة مجرد سجنٍ أو مخبأ، بل تحولت إلى غرفة عمليات حربية. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشحوناً بالأدرينالين والتوتر؛ فقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، اللحظة التي قررنا فيها أن ننتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. جلستُ أمام الشاشات المتعددة، كانت أصابعي تتحرك بسرعةٍ تكاد تكون غير مرئية على لوحة المفاتيح. خلفي، كان إياد يقف كحارسٍ لا يغفل، عيناه تتنقلان بين الشاشات والباب الفولاذي للقبو، يده تقبض على سلاحه كأن الخطر قد يقتحم علينا المكان في أي ثانية. كانت نظراته تلاحق كل حركة أقوم بها، لم يكن يراقب فقط، بل كان يحلل، وكأنه يرى في سرعة بديهتي انعكاساً للرجل الذي كان يثق به: والدي. "نور، المنظمة بدأت تلاحظ ثغرات في جدار الحماية الخاص بهم،" همس إياد، صوته كان عميقاً وهادئاً بشكلٍ مرعب. "لديهم بروتوكول تدمير ذاتي (Kill Switch). إذا اكتشفوا أننا داخل نظامهم، سيقومون بمسح كل شيء، بما في ذلك الأدلة التي نحتاجها لإثبات تورطهم." توقفتُ للحظة، استجمعتُ تركيزي. "لن يمسحوا شيئاً، إياد. أنا لا أحاول اختر
كان القبو يغرق في سكونٍ ثقيل، سكونٌ لا يقطعه إلا صوت دوران المراوح في أجهزة الحاسوب التي تئن تحت وطأة البيانات المشفرة، وأنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجياً. بعد أن نجحنا في فك الشفرات، لم تعد الملفات مجرد ورقٍ أو بياناتٍ رقمية؛ تحولت إلى أشباحٍ من ماضٍ لم أعش تفاصيله، لكنني أعيش تبعاته في كل
وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت،
تراجع الباب الحديدي الضخم إلى الخلف ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن عتمةٍ ليست كباقي العتمة؛ كانت عتمةً محملةً برائحة الغبار الممزوجة برائحةٍ قديمة، شيءٌ يشبه عطر إياد، لكنه أكثر حدةً وقسوة. في تلك اللحظة، لم تعد الساعة تشير إلى الزمن، بل توقف كل شيء. الهواء الذي تسلل من الداخل كان بارداً، جعل جلدي يقشعر، لك
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقظتُ من غفوةٍ قصيرة لم تكن أكثر من كابوسٍ متصل. لم يغمض لي جفن، فجسدي كان في حالة استنفار دائم. في هذا القصر، حتى الهواء بدا مشحوناً، وكأن الجدران نفسها تراقب أنفاسي. قمتُ من فوق السرير، ومشيت بخطواتٍ وأجلة نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة.







