ANMELDENبعد أن غادر "إياد" الغرفة، لم أعد أشعر بالخوف الذي كان يشل حركتي، بل حل محله غضبٌ عارم. ذلك الرجل يظن أنني مجرد بيْدق في رقعة شطرنج يحركها كيفما يشاء. قضيتُ الساعات التالية لا أنام، بل أراقب حركة الحراس من النافذة. لاحظتُ ثغرةً بسيطة؛ في تمام الساعة الثالثة صباحاً، يتغير نبط الحراسة عند الممر الجانبي، حيث يغيب الحارس لثوانٍ معدودة قبل أن يحل محله زميله.
كانت هذه فرصتي. انتظرتُ حتى دقات الساعة الثالثة. خلعتُ حذائي لأتحرك بصمتٍ تام، وفتحتُ باب جناحي بحذرٍ شديد؛ كان صوته يصرخ في أذني، لكن الرواق كان فارغاً. تسللتُ كظلٍ وسط العتمة، قلبي يكاد يخرج من صدري مع كل خطوة. وصلتُ إلى الممر الجانبي، ووقفتُ خلف تمثالٍ رخامي ضخم، أنفاسي محبوسة. رأيتُ الحارس يبتعد ببطء، وفي تلك اللحظة، ركضتُ بكل ما أوتيت من قوة نحو باب الخدم. كان الباب موارباً. دفعتُه، وخرجتُ إلى هواء الليل البارد. لم أصدق أنني فعلتُها! كان القصر يقع في منطقةٍ نائية تحيط بها الغابات، والظلام هو حليفي الوحيد. ركضتُ نحو سياج الحديقة، أطراف أصابعي تلمس المعدن البارد، وبدأتُ بالتسلق. كانت يداي ترتجفان، والذكريات عن "إياد" وقسوته تدفعني للاستمرار مهما كان الألم. قفزتُ إلى الجانب الآخر، وسقطتُ على العشب المبلل. وقفتُ، أنظر إلى أضواء القصر البعيدة، شعرتُ بنشوة الحرية تغمرني. ركضتُ باتجاه الأشجار الكثيفة، ظننتُ أنني أفلتُّ منه، لكن... توقف كل شيء. ضوءٌ ساطعٌ من كشافات سيارة سوداء انبعث فجأةً ليحرق عتمة الليل، ويكشف عني تماماً. تجمدتُ في مكاني، وأنا أرى "إياد" يترجل من السيارة ببرودٍ أعصابٍ مستفز. كان يقف هناك، يكتف ذراعيه، وينظر إليّ وكأنني طفلة تحاول الهروب من مدرستها. "ألم أقل لكِ أن العتمة في الخارج ليست مكاناً لفتياتٍ مثلك؟" سأل بصوتٍ هادئ، بينما اقترب مني بخطواتٍ ثابتة. "ابتعد عني!" صرختُ، وأنا أتراجع للخلف. "لن أعود إلى ذلك القفص!" لم يهتم بصرختي. اقترب مني حتى لم يعد بيننا مسافة، قبض على معصمي بلطفٍ قسري وأعادني نحو السيارة. "الهروب من القصر شيء، والهروب مني شيءٌ آخر تماماً. لقد أثبتِّ لي الليلة شيئاً واحداً يا نور: أنتِ لا تعرفين معنى الخطر، ولأنكِ لا تعرفينه، فأنا سأكون هو الخطر الذي ستواجهينه كل يوم." أعادني إلى غرفتي، وأغلق الباب خلفه، وهذه المرة سمعتُ صوت القفل المعدني يرتطم بقوة. لم يعد مجرد سجان، لقد أصبح الظل الذي يطاردني حتى في أحلامي. أدركتُ حينها، وأنا جالسة على الأرض في الظلام، أن الهروب من هذا المكان يتطلب أكثر من مجرد الركض؛ يتطلب أن أكسر ذلك الهوس الذي يربطه بي، أو أن أضيع تماماً في أعماق ظلامه. ساد صمتٌ خانقٌ في الغرفة بعد أن ألقاني "إياد" على السرير. كان صوت أنفاسي المتسارعة هو الشيء الوحيد الذي يكسر سكون المكان. وقف هو أمام الباب، يدُه لا تزال على المقبض، ونظراته تخترق روحي. لم يكن غاضباً كما توقعت؛ كان هادئاً بشكلٍ مرعب، وهذا الهدوء جعلني أشعر برعبٍ لم أعرفه من قبل. "هل تعتقدين أن الحديقة هي أقصى ما يمكن أن تصل إليه قدماكِ؟" سأل بنبرةٍ باردة. اقترب مني بخطواتٍ بطيئة ومتزنة، حتى وقف عند حافة السرير. "هذا القصر ليس مجرد حجرٍ وأسمنت يا نور. هذا القصر هو انعكاسٌ لعالمي، وأنتِ بمحاولتكِ للهروب، لا تحاولين الهروب من الغرف، بل تحاولين الهروب من حقيقةٍ بدأتِ تدركينها." نهضتُ وجهاً لوجه معه، كبريائي هو الشيء الوحيد الذي بقي لي. "وما هي هذه الحقيقة؟ أنك مختلٌّ لا يرى في الناس سوى ممتلكات؟" ضحك بخفوت، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ نصفية لا توحي بالخير. رفع يده ومررها ببطء شديد على خصلات شعري التي كانت لا تزال مبللة بمطر تلك الليلة. "الحقيقة هي أنكِ تعشقين هذا الغموض. تعشقين الطريقة التي يرتجف بها قلبكِ عندما أقترب، وتستمتعين بهذا الخطر الذي أفرضه عليكِ. أنتِ لستِ أسيرةً هنا، أنتِ تبحثين عن مكانٍ لتختبئي فيه من عالمكِ الممل الذي تركتِه خلفك." صعقتني كلماته؛ لأنها لامست وتراً حساساً في داخلي. أكنتُ فعلاً أشعر بنوعٍ من الإثارة في هذا الجنون؟ رفضتُ هذه الفكرة فوراً. "أنت واهم. أنا فقط أريد العودة إلى حياتي." "حياتكِ؟" قاطعني وهو ينحني نحوي، حتى أصبحتُ أحاصر بين جسده والجدار. "تلك الحياة التي كنتِ تقضينها في محاولة إثبات وجودكِ للآخرين؟ هنا، وجودكِ هو محور عالمي. أنا لا أحب التملك، أنا أحب 'الاستحواذ' على ما يخصني. وأنتِ، منذ تلك الليلة في الفندق، أصبحتِ ملكي." خرج من الغرفة، وسمعتُ صوت القفل المعدني يرتطم مرةً أخرى، لكن هذه المرة، لم يكن صوته مجرد إغلاقٍ لباب؛ كان إعلاناً ببدء حصارٍ من نوعٍ جديد. جلستُ على الأرض، وأصابع يدي ترتجف. كان كلامه يتردد في رأسي كصدى جبلٍ لا ينتهي. بدأت أدرك أن هروبي الجسدي فشل، ليس فقط بسبب حراسه، بل لأنني بدأت أتساءل: إذا كنتُ قد نجحتُ في الهرب، هل كنتُ سأعود فعلاً لحياتي العادية، أم أن هذا "الظلام" الذي يحيط به "إياد" قد تسلل بالفعل إلى أعماقي؟ وضعتُ يدي على صدري لأهدئ من نبضات قلبي، ونظرتُ إلى النافذة الموصدة بالحديد. لم أعد أنظر إليها كمنفذٍ للهرب، بل كحدودٍ ترسم عالمي الجديد. في تلك الليلة، قررتُ شيئاً واحداً: إذا كان يريد اللعب بعقلي، فإني سأتعلم كيف ألعب بعقله أيضاً. لم يعد الهروب هو هدفي، بل أصبحت "الحقيقة" التي يخفيها هذا الرجل هي هدفي القادم.لم يعد القصر قصراً. لقد تحول في غضون لحظات إلى متاهة من الجحيم، حيث اختلط صوت الرصاص الصامت—المكتوم بواسطة كاتمات الصوت—بصوت خطوات الأقدام التي كانت تطأ الرخام ببرودٍ قاتل. كنتُ أقف في مركز القبو، يداي لا تزالان مثبتتين على لوحة التحكم، لكن عينيّ كانتا عالقتين في الشاشات التي تعرض الممرات التي يغزوها الموت.رأيتُ إياد عبر الكاميرا رقم 7. كان يتحرك ببراعة القطة المفترسة في الممر الشرقي. لم يكن يقاتل من أجل البقاء فحسب، كان يقاتل من أجل فكرة، من أجل إرث، وربما من أجلي. سقط أحد المقتحمين، ثم آخر، قبل أن يدرك المهاجمون أنهم لا يواجهون حارساً عادياً، بل وحشاً محاصراً يعرف كل زاوية من زوايا هذا القصر. كان إياد يختفي في الظلال ويظهر خلفهم، حركةٌ واحدة، انحناءةٌ دقيقة، ثم إطلاق نارٍ مدروس. لم يكن يهدر رصاصةً واحدة."إياد، إنهم يحيطون بك من جهة المكتبة!" صرختُ في الميكروفون المربوط بالسماعات الخفية التي يرتديها.أجابني صوته، وكان هادئاً بشكلٍ مرعب رغم القتال: "استمري في عزل الممرات يا نور. لا تسمحي لهم بالوصول إلى القبو. سأفتح لكِ طريقاً للخروج إذا تدهورت الأمور، لكن لا تخرجي قبل أن أؤكد لك."
كان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر.التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد ت
كان الهدوء في قصر "أرينور" يميل إلى الكآبة تلك الليلة، وكأن القصر نفسه يشعر بالتوتر الذي يسري في أروقتنا بعد اختراقنا لنظام المنظمة. كنتُ وإياد في القبو، محاطين بشاشاتٍ تعرض خرائط تقنية وتفاصيلَ عن تحركات "الظلال". فجأة، دوّى صوت جرس الباب الرئيسي في أرجاء القصر، وهو صوتٌ لم نعتد سماعه في هذا الوقت المتأخر من الليل.تصلب إياد في مكانه، وسحب سلاحه بلمحة بصر. "لا أحد يأتي إلى هنا،" همس بنبرةٍ خافتة ومحذرة. "ابقِ هنا، نور. لا تتحركي."نظرتُ إلى الكاميرات الأمنية التي قمنا بتفعيلها. عند البوابة الرئيسية، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً طويلاً، مبللاً بمياه الأمطار التي بدأت تهطل بغزارة. لم يكن يرتدي زياً عسكرياً، بل ملابس مدنية أنيقة، وكان يبدو كشخصٍ جاء ليطرق باباً يعرفه جيداً. حين رفع رأسه نحو الكاميرا، توقف نبضي تماماً."كريم؟" همستُ بذهول.كان كريم، صديق طفولتي، الشخص الذي ظننتُ أنني فقدته في حادثة اختفاء والدي قبل سنوات. كان هو الشخص الوحيد الذي شاركني ذكريات قبل أن يتحول عالمي إلى هذا الجحيم. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف عرف مكان هذا القصر؟نزل إياد معي إلى البهو الرئيسي، كان جسده مشدوداً كوتر ق
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يكسره سوى طنين أجهزة الخادم (Server) المكدسة في زوايا القبو. لم تعد هذه المساحة مجرد سجنٍ أو مخبأ، بل تحولت إلى غرفة عمليات حربية. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشحوناً بالأدرينالين والتوتر؛ فقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، اللحظة التي قررنا فيها أن ننتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. جلستُ أمام الشاشات المتعددة، كانت أصابعي تتحرك بسرعةٍ تكاد تكون غير مرئية على لوحة المفاتيح. خلفي، كان إياد يقف كحارسٍ لا يغفل، عيناه تتنقلان بين الشاشات والباب الفولاذي للقبو، يده تقبض على سلاحه كأن الخطر قد يقتحم علينا المكان في أي ثانية. كانت نظراته تلاحق كل حركة أقوم بها، لم يكن يراقب فقط، بل كان يحلل، وكأنه يرى في سرعة بديهتي انعكاساً للرجل الذي كان يثق به: والدي. "نور، المنظمة بدأت تلاحظ ثغرات في جدار الحماية الخاص بهم،" همس إياد، صوته كان عميقاً وهادئاً بشكلٍ مرعب. "لديهم بروتوكول تدمير ذاتي (Kill Switch). إذا اكتشفوا أننا داخل نظامهم، سيقومون بمسح كل شيء، بما في ذلك الأدلة التي نحتاجها لإثبات تورطهم." توقفتُ للحظة، استجمعتُ تركيزي. "لن يمسحوا شيئاً، إياد. أنا لا أحاول اختر
كان القبو يغرق في سكونٍ ثقيل، سكونٌ لا يقطعه إلا صوت دوران المراوح في أجهزة الحاسوب التي تئن تحت وطأة البيانات المشفرة، وأنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجياً. بعد أن نجحنا في فك الشفرات، لم تعد الملفات مجرد ورقٍ أو بياناتٍ رقمية؛ تحولت إلى أشباحٍ من ماضٍ لم أعش تفاصيله، لكنني أعيش تبعاته في كل لحظة. جلستُ على الأرض الباردة، متكئةً على طاولةٍ خشبية قديمة، بينما كان إياد يتنقل في أنحاء القبو، يجمع بعض الملفات المبعثرة التي كان يحتفظ بها في خزانةٍ فولاذيةٍ مخفية خلف رفوف الكتب.نظرتُ إلى ظله وهو يتحرك. كان يبدو في هذه الإضاءة الخافتة كأنه رجلٌ يحمل وزر العالم على كتفيه. بدأتُ أتأمل الملفات التي بين يدي، كانت تحتوي على ملاحظاتٍ بخط يد والدي، رسوماتٍ هندسية، وكلماتٍ متقطعة عن "العدالة" و"الحقيقة"."إياد..." بدأتُ، وصوتي يبدو غريباً في هذا الفراغ، مشبعاً بفضولٍ مؤلم. "كنت تعرفه جيداً، أليس كذلك؟ لستَ مجرد حامٍ لبياناته، أنت كنت تعرف الرجل خلف هذه الأرقام، الرجل الذي كان يضحك، والذي كان يخاف، والذي كان يحلم."توقف إياد عن الحركة فجأة. رأيتُ ظهره يتصلب لثانيةٍ قبل أن يستدير نحوي ببطء. لم
وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت، بانتظار ردة فعلي. التفتُ إليه، ولم أعد أرى فيه ذلك "السجان" الذي كان يقتحم حياتي ببرود. نظرتُ إلى يديه، تلك اليدين اللتين كانتا تحميان ظلي من "الظلال" بينما كنتُ أنا ألعنهما. لقد تحول إياد في عيني من وحشٍ إلى حليف، أو ربما... إلى رفيقٍ في قدرٍ أسود.شهدتُ تحولي النفسي لحظةً بلحظة. شعرتُ بكبرياء السنين التي قضيتها مصممةً طموحة، وقد استيقظ من سباته. لم أعد تلك الفتاة التي ترتجف في زاوية القصر، ولا تلك التي تنتظر رحمة إياد. لقد استعدتُ "نور" التي كانت دائماً حادة الذكاء، تلك التي ترى في التصميم ليس مجرد أقمشة، بل بناءً للعوالم. إذا كان إياد يبني عالماً من الغموض، فأنا سأكون المهندسة التي تعيد ترتيب شتاته.سرت قشعريرة في جسدي؛ لم تكن خوفاً، بل كانت "قوة". كان الشعور بالتخلي عن دور الضحية مريحاً







