Masukالفصل 103اتجه جاستن نحو بيلا بخطوات هادئة، ثم توقف أمامها ونظر إليها بنظرة مشاكسة لم تستطع فهمها.كانت آثار الدموع لا تزال واضحة على وجهها الصغير؛ خطان رقيقان امتدا على وجنتيها، يلمعان تحت الضوء كقطرات ندى استقرت فوق بتلات زهرة في صباح هادئ. كان في ملامحها شيء يجمع بين الرقة والضعف، حتى بدت له جميلة على نحو أربكه، ومثيرة للشفقة في الوقت نفسه.شعرت بيلا بنظراته، فازداد ارتباكها.احمرّت وجنتاها، وحاولت أن تخفض عينيها حتى لا يلاحظ خجلها، لكن دمعة عالقة بين رموشها الطويلة خانتها وانزلقت ببطء على خدها.توقفت نظرات جاستن عليها.شعر بأن أنفاسه أصبحت أثقل، وارتفع صدره وانخفض ببطء بينما كانت تحاول جاهدة أن تمنع المزيد من الدموع من السقوط.لكن نايجل لم يمنحه فرصة للاسترسال في أفكاره.صاح بغضب:ـ «يا لك من وغد! أسرع وواسِ زوجتك وأقنعها بأن تتوقف عن البكاء!»التفت جاستن إليه بدهشة، ثم عقد حاجبيه.ـ «ولماذا أنا؟ هي لم تبكِ بسببي.»اتسعت عينا نايجل، وكأن حفيده قال للتو أكثر شيء غباءً سمعه في حياته.ـ «لأن آنا زوجتك! هل تريد من رجل عجوز مثلي أن يتولى مهمة مصالحة زوجتك بدلًا منك؟! هل فقدت عقلك؟!»فت
الفصل 102كانت روزاليند لا تزال تبكي على الطرف الآخر من الهاتف، ولم تتوقف عن بث شكواها بانفعال:ـ «كانت آنا تعرف أن جدي لا يحبني، لذلك استغلته ضدي... لماذا هي خبيثة إلى هذا الحد؟!»لكن كلماتها لم تجد طريقًا إلى عقل جاستن.فقد ارتجفت عيناه السوداوان قليلًا وظل بصره ثابتًا على المشهد أمامه، كما لو أن العالم من حوله قد فقد صوته فجأة.لم يعد يسمع روزاليند.لم يعد يهتم بما تقوله.كانت بيلا أمامه تبكي بحرقة، وكل شهقة تخرج من صدرها كانت تصل إلى قلبه مباشرة… لم يكن يعرف كيف يفسر ذلك الشعور، لكنه أحس بألم حقيقي مع كل دمعة انحدرت على وجهها.في الداخل، كان نايجل أكثر ارتباكًا من أي وقت مضى.لقد رأى في حياته الكثير من الأمور، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع فتاة صغيرة تنهار أمامه من شدة البكاء.مد يده إليها بقلق وربت عليها محاولًا تهدئتها.ـ «يا طفلتي، ما بكِ؟ لا تخيفي جدكِ هكذا! أخبريني ماذا حدث.»لكن سؤال نايجل كان كافيًا ليفتح السد الذي كانت بيلا تحاول إغلاقه منذ أيام.انفجرت بالبكاء من جديد، وخرج صوتها متقطعًا بين شهقاتها:ـ «جدي... أنا... أنا كسرت السوار.»توقف نايجل لحظة.أما بيلا فتابعت بصعوبة،
الفصل 101شعرت بيلا بفراشاتٍ صغيرة ترفرف في أعماق معدتها كما لو أن شيئًا عذبًا أربك نبضها فجأة… أسرعت بخفض رأسها واختبأ نصف وجهها الصغير خلف خصلات شعرها الأسود محاولةً أن تخفي حالتها المزرية.حاولت مرارًا أن تستعيد هدوءها، وأن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، لكن خديها خانَاها؛ فقد تلون وجهها بحمرة خجولة لم تستطع السيطرة عليها.راقبها جاستن بإمعان وشعر بقلبه يخفق بعنف غير مألوف… بدا له أن أنفاسه نفسها أصبحت أكثر دفئًا، وأن قربها منه يربك شيئًا في داخله لم يكن مستعدًا للاعتراف به.لكن قبل أن يستسلم لتلك اللحظة، اهتز هاتفه في جيبه.أخرج جاستن الهاتف وما إن وقعت عيناه على الشاشة حتى تبدلت ملامحه قليلًا.**روزاليند.**زفر بامتعاض ثم أسرع وابتعد عن المكان حتى لا يسمع أحد المكالمة… خرج إلى الممر، وأسند ظهره إلى الحائط ثم أغلق عينيه للحظة يستجمع شتات نفسه قبل أن يجيب.وما إن فتح الخط حتى جاءه صوتها.ـ «جاستن... هل ما زلت غاضبًا مني؟»لم تمهله الوقت ليجيب، إذ سرعان ما انكسر صوتها بالبكاء.ـ «لا.»خرجت إجابته باردة ومقتضبة، خالية من أي انفعال.لكن روزاليند لم تقتنع… كان لديها شعور واضح بأنه لا يزال غ
الفصل 100طوال الطريق، جلست بيلا إلى جوار جاستن في صمت تسند رأسها نحو النافذة، وظلت تحدق في الطريق الممتد أمامها متعمدة ألا تلتفت إليه ولو مرة واحدة.كان نفورها واضحًا إلى درجة جعلت جاستن يشعر به من دون أن تحتاج إلى نطق كلمة واحدة… كل حركة منها، وكل التفاتة متعمدة بعيدًا عنه كانت تخبره بأنها لا تزال غاضبة وأن وجوده إلى جوارها لم يكن موضع ترحيب.ألقى عليها نظرة خاطفة من حين إلى آخر ثم تراجع في كل مرة عن الكلام… كان يريد أن يسألها عما يدور في ذهنها، وأن يفهم سبب هذا البرود القاسي، لكنه وجد الكلمات عالقة في حلقه… لم يكن يعرف من أين يبدأ، ولا كيف يقترب منها دون أن يزيد الأمور سوءًا.بعد مسافة طويلة، ظهرت الفيلا الخاصة بنايجل وسط منطقة منعزلة تحيط بها الجبال من كل جانب… كان المكان هادئًا بصورة لافتة، بعيدًا عن ضجيج المدينة وحركتها، فنايجل اختار لنفسه عالمًا خاصًا لا يصل إليه أحد بسهولة.وما إن دخلت بيلا من الباب حتى تبدلت ملامحها تمامًا إذ تلاشى الحزن الذي كان يثقل وجهها طوال الطريق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مشرقة بينما لمع بريق عينيها وانحنتا مع ابتسامتها حتى بدتا كالهلال، بينما خرج صوت
الفصل 99تبع جاستن بيلا إلى المستوصف الخاص بالفندق لكنهما لم يجدا الطبيب هناك. تنهدت بيلا بضيق ثم فتحت الخزانة وأخرجت زجاجة اليود وقطعة من الشاش والقطن عاقد العزم على تضميد جرحها بنفسها لكن ما إن مدت يدها حتى جاء صوت جاستن حازمًا من خلفها:— سأفعل ذلك.اقترب منها بملامح عابسة كي لا يترك لها مجالًا للاعتراض.أدارت بيلا وجهها إليه، وقد بدا الانزعاج واضحًا في عينيها.— لا داعي لذلك… أستطيع الاعتناء بنفسي.تبادل الاثنان نظرة طويلة… كان عنادهما متشابهًا إلى حد يثير الضيق؛ لا أحد منهما مستعد للتراجع ولا أحد يقبل أن يترك للآخر الكلمة الأخيرة.لكن جاستن لم يجادلها.فجأة، أمسك يدها الصغيرة بثبات وقال بنبرة آمرة:— آنا، ابقي ساكنة!تجمدت بيلا في مكانها.لم تكن قبضته مؤلمة، لكنها كانت قوية بما يكفي لتمنعها من سحب يدها. لوهلة شعرت ببرودة خفيفة عند معصمها، ثم انتقلت تلك البرودة سريعًا إلى قلبها عندما لامست أصابعه جلدها.خفض جاستن رأسه وبدأ بتنظيف الجرح بعناية… وضع الدواء أولًا ثم مرر قطعة القطن على موضع الإصابة بحركات هادئة ودقيقة كمن يخشى أن يؤلمها.راقبت بيلا وجهه بإمعانٍ بينما ظل هو منشغلًا ب
الفصل 98كانت عينا بيلا شاردتين لكن خلف شرودهما كان يقبع حزم لا يمكن زحزحته. نظرت إلى جاستن ببرود، ثم قالت بسخرية مريرة:— يبدو أن روزاليند اعتنت بك جيدًا، لدرجة أنك أصبحت أكثر صلابة.اشتعل الغضب في صدر جاستن ورد بصوت مكتوم:— هذا الأمر بيننا نحن الاثنين… لا تُقحمي أي شخص آخر فيه.ضحكت بيلا بمرارة، ثم قالت بوضوح لا يحتمل التأويل:— إذا كنت لا تريدني أن أقول لك كلامًا يزعجك فابتعد عني… لا أريد أي شيء يربطني بك بعد الآن باستثناء إنهاء إجراءات طلاقنا… وداعًا، سيد سلفادور.كانت تلك الكلمات أشبه بصفعة مفاجئة.اعتاد جاستن على نظرات آنا القديمة؛ عيون مشرقة، دافئة، مليئة بالاهتمام والتعلق به… أما الآن، فلم يجد فيها سوى برودة قاسية.لذا شعر للحظة كمن هبط فجأة إلى قاع كهف جليدي.تلاشت حرارة المكان من حوله، وبقيت كلماتها تتردد في رأسه بإصرار مؤلم:*لا أريد أي شيء يربطني بك.*قبض جاستن على يده وقرر أنه لن يسمح لها بالرحيل بهذه السهولة.حدقت بيلا فيه ثم ارتسمت على شفتيها الحمراوين ابتسامة ساخرة.— ومن تكون حتى تقرر ما أفعله وما لا أفعله؟ هل أنا كلبك المدلل حتى تأمرني بأن آتي معك أو أذهب معك؟ لماذ
٠٠٠٠٠٣توجهت سيارة رولز رويس بسلاسة نحو منتزه يارا، مقر إقامة عائلة طومسون في هاتشباي، حيث توقفت في منتصف السجادة الحمراء الممتدة أمام المدخل الرئيسي، كأنها مدخل لعالم من الفخامة والهيبة.في منتصف السجادة، كان يقف أكسل طومسون، الأخ الثاني لبيلا، بانتظارها، ففتح باب السيارة بابتسامة دافئة لاستقبالها
٢……كانت روزاليند، بوصفها ابنة أخت السيدة سلفادور، موضع ترحيبٍ دائم في القصر، فبقيت تلك الليلة وتناولت عشاءً عائليًّا هادئًا مع آل سلفادور. غير أن جو الألفة لم ينجح في إخفاء عبوسٍ واحدٍ شاذّ عن البقية؛ كان جاستن الجالس بينهم وحده، شارد النظرات، فاقد الشهية، مثقل الفكر برحيل آنا مع آشر طومسون.لم تأ
١…..تأملت آنا براون أوراق الطلاق الملقاة على الطاولة، وقد بدت التوقيعات عليها مكتملة، كأن القرار قد اتخذ دون أن يُمنح قلبها فرصة للاعتراض. أزاحت نظرها ببطء نحو النافذة، حيث تسللت دمعة خجلى إلى عينيها. هناك، في وهج شمس الظهيرة، كان جاستن سلفادور واقفًا في سكونٍ صارم، يبدو مثاليّ الملامح، باردًا كتم
٤…..بعد خمسة أيام، وما إن انتهى الإفطار، حتى استدعى جاستن سكرتيره إيان هاريس إلى مكتبه.قال بلهجة مقتضبة لا تخلو من حدّة:— هل توصّلتَ إلى شيء جديد بشأن آنا؟كان يقف قبالة النافذة الزجاجية الممتدّة من الأرض إلى السقف، متأمّلًا أفق مدينة سافرو. قامته الطويلة وبنيته الصلبة كانتا تضفيان على حضوره هال







