Se connecter٠٠٠٠٠٣
توجهت سيارة رولز رويس بسلاسة نحو منتزه يارا، مقر إقامة عائلة طومسون في هاتشباي، حيث توقفت في منتصف السجادة الحمراء الممتدة أمام المدخل الرئيسي، كأنها مدخل لعالم من الفخامة والهيبة. في منتصف السجادة، كان يقف أكسل طومسون، الأخ الثاني لبيلا، بانتظارها، ففتح باب السيارة بابتسامة دافئة لاستقبالها: «مرحبًا بعودتك إلى المنزل، يا أميرة!» بدت بيلا مذهلة تحت الأضواء الساطعة للقصر، حذاؤها الرياضي قد استبدلته في السيارة بحذاء ذي كعب عالٍ، وعندما نزلت، بدت وكأنها ملكة فخورة بخطواتها الرشيقة. سألها أكسل بابتسامة: «كيف حالك؟» أجابت بيلا بهدوء: «أنا بخير… لكني أشعر بتحسن كبير الآن بعد عودتي.» تابع أكسل بحماس: «هل شاهدت الألعاب النارية؟ لقد كانت هديتي لك بمناسبة عيد ميلادك… انتشرت صورها على الإنترنت!» ابتسمت بيلا ببهجة وصفقت بيديها: «أجل، لقد رأيتها. يبدو أن الناس يصفونك بالوغد الغني الذي يحاول الفوز بقلب شخص ما… إنجازٌ كبير، أليس كذلك؟» تجاهل أكسل سخريتها بخفة، ثم قال بجدية: «بيلا… لن ترحلي مرة أخرى، أليس كذلك؟» أجابته بابتسامة حزينة: «إلى أين سأذهب الآن بعد طلاقي؟» ربتت بيلا على ظهر أخيها الثاني وتنهدت بارتياح، محاولةً أن تهدأ من داخلها: «حسنًا… لقد خذلت الجميع. اعتقدت أنني أستطيع الفوز به إذا بذلت كل جهدي في هذا الزواج، لكن في النهاية… فشلت فشلاً ذريًا.» الله وحده يعلم حجم الدمار الذي شعرت به في تلك اللحظة. أرادت أن تبكي، لكنها تماسكت، مسترجعة قواها، محاولةً أن تواجه الواقع بقوة وعزم. أقسمت بيلا، في سرّها، ألا تذرف دمعةً أخرى على جاستن بعد أن غادرت قصر تايدفيو؛ فهو، في نظرها، لا يستحق حتى بقايا حزن. اندفع أكسل غاضبًا وقال: «ذلك الوغد! كيف تجرأ على خداع أختي؟ سأبدأ غدًا تحقيقًا شاملًا في مؤسسة سلفادور، وسأطلب من أخيكِ الرابع أن… يتكفّل بأمر جاستن حين تتاح الفرصة!» وحين بلغ ذلك سمع آشر، خفض جفنيه بهدوء وقال ببرودٍ ساخر: «آمين.» ضحكت بيلا بمرارة وقالت: «أكس، لا تخلق المتاعب! أنت مدعٍ عام. ألا تستطيع أن تكون أكثر سلمًا ومحبةً مثل آش؟» شهق أكسل ساخرًا وهو يشد ربطة عنقه بعصبية: «يا للعجب! أخوكِ الأكبر لم يصبح قديسًا إلا بعد أن كفّ عن كونه رجل عصابات!» ثم أردف بحزم: «على أي حال، لن أدع الأمر يمرّ هكذا. لن أقف مكتوف اليدين وأشاهد جاستن يتنمّر على أختي. عائلة سلفادور أصبحت الآن على راداري.» أمسكت بيلا بيدي آشر وأكسل وهي تدخل المنزل الذي غابت عنه طويلًا، كأنها تعود إلى حضنٍ طال افتقادُه. وحين بلغ خبر عودة ابنته إلى وايت طومسون، رئيس مجلس إدارة مجموعة «كيه إس»، لم يستطع إخفاء فرحته، فأخذ يجوب غرفة مكتبه بلهفةٍ واضحة، وهو يهتف بصدقٍ عاطفي: «بيلا… لقد عدتِ!» دخلت بيلا إلى غرفة المكتب يتبعها شقيقاها. لم تعد مضطرة إلى ذلك التواضع المتكلَّف الذي لازمها حين كانت تعيش في كنف عائلة سلفادور؛ فقد عادت الآن إلى مكانها الطبيعي. ألقت بجسدها على الأريكة في بساطة، ورفعت ساقيها، ثم خلعت حذاءها ذا الكعب العالي وكأنها تلقي عن كاهلها بقايا تعبٍ قديم. جلس آشر إلى جوارها، وأخذ يدلك قدم أخته برفقٍ صامت. قال وايت بوجهٍ جامد متعمّدًا البرود: «أما كان بإمكانكِ الجلوس بطريقةٍ لائقة؟ هل انضممتِ إلى منظمة أطباء بلا حدود أم إلى جماعةٍ مسلّحة؟» كان وايت دائم الخلاف مع بيلا؛ يشتاقها في غيابها، فإذا حضرت أثارت فيه مزيجًا غريبًا من الضيق والانفعال. رفعت بيلا جفنيها بتثاقل وقالت بحدّةٍ ساخرة: «أترى عليكَ أعراض الزهايمر؟ لقد اعتدتُ الجلوس هكذا طوال الوقت!» ثم أشاحت بنظرها نحو الحائط، فإذا بقلبها يهتز فجأة. هناك، معلّقة في إطارٍ أنيق، كانت القصيدة التي كتبتها منذ أكثر من عشر سنوات. لم تتوقع قط أن والدها احتفظ بها… بل وأطرها. كان السطر الأول يقول: «هل كنتَ تحاول تقليد هنري الثامن بكل زوجاتك؟» ويليه: «إليك آمالي ألا ينفجر قلبك!» أما السطر الأخير فكان أشد قسوة: «سيأتي يومٌ تدفع فيه ثمن عقوبتك.» كانت تلك القصيدة هدية زفافها لوالدها حين تزوج للمرة الثالثة. وايت طومسون، صاحب الأربع زوجات، حديث المدينة الدائم. لم تتصالح بيلا يومًا مع تعدد زيجاته؛ فآثرت الرحيل إلى الخارج، وانضمت إلى منظمة أطباء بلا حدود، محاولةً أن تخدم العالم بطريقتها الخاصة. قطع وايت صمت اللحظة صارخًا: «أول ما تفعلينه بعد ثلاث سنوات في البراري هو اتهامي بالزهايمر! يا لكِ من ابنةٍ بارة!» ابتسمت بيلا بلطفٍ مصطنع وقالت: «شكرًا على الإطراء يا أبي.» تدخل آشر بجدية، وهو يلتقط حذاء أخته: «أبي، الآن بعد عودة بيلا، ينبغي تسريع بعض الأمور. لقد قررتُ التخلي عن منصبي كرئيسٍ تنفيذي لمجموعة كيه إس وتسليمه لبيلا.» ضيّقت بيلا عينيها وحدّقت في الملامح الجانبية الوسيمة لأخيها الأكبر بدهشةٍ صامتة. أما وايت، فكان غاضبًا إلى حدٍّ أفقده الكلام للحظة: «أنت…!» تابع آشر بهدوءٍ حاسم: «لقد وعدتُ بإدارة المجموعة ثلاث سنوات فقط. وقد انتهت. رئاسة التنفيذ ليست طموحي. حلمي منذ البداية أن أعود إلى الكنيسة… أن أصبح قسيسًا.» أشرق وجهه بعزمٍ يكاد يكون مقدّسًا، فلا يترك مجالًا للجدال. تنهد وايت بحدة وقال: «حسنًا، إن لم تُرد المنصب، فليتولَّه أكسل!» لوّح أكسل بيديه معترضًا في فزع: «لا، لا، لا، لا! أنا موظفٌ عام، ولا يمكنني تولي منصب كهذا في تكتلٍ اقتصادي. سأُعلَّق فورًا!» لم يلبث أكسل أن تنصّل من تلك المسؤولية، فتبدّل لونه وارتسم الشحوب على ملامحه، كأن الخوف باغته دفعةً واحدة. بينما ازداد وايت انزعاجًا، وتسلّل إلى صدره سؤالٌ مُرّ: ما جدوى أن يُنجب المرء هذا العدد من الأبناء، إذا لم يكن فيهم من يملك الجرأة على حمل عبء الشركة العائلية؟ كانت صحته تتراجع عامًا بعد عام، وقد أعدّ نفسه منذ زمن لفكرة التقاعد، غير أنّه لم يجد في أيٍّ من أبنائه الكفاءة التي تؤهله لوراثة إمبراطوريته التجارية. ظلّ متمسّكًا بقناعةٍ قديمة، ترى أنّ الوارث الحق لا يكون إلا من صلبه، واحدًا من أبنائه لا سواهم. — ومن قال إن النساء أدنى من الرجال؟ سأكون أنا الرئيسة التنفيذية. قالتها بيلا بثبات، وهي تلوي شفتيها الحمراوين وترفع ذقنها في اعتدادٍ لا يخلو من تحدٍّ. حدّق فيها وايت طويلًا، ثم قال بنبرةٍ مشوبة بالصرامة: — أتظنين أن الأمر يُنال بالرغبة وحدها؟ أتحسبين إدارة الشركة لعبة أطفال؟ هل تملكين القدرة على قيادتها نحو النجاح؟ وهل تعرفين أصلًا كيف تُدار الأعمال؟ كان وايت شيخًا حكيمًا، بالكاد كبح غضبه وخيبته. أردف، وقد ازداد صوته حدّة: — ثم إنكِ متقلّبة المزاج! تختفين أعوامًا كلما اختلفتِ معي. أتدرين كم عانينا أنا وزوجات أبيك من القلق؟ كنا نظنّك قد تبعثرتِ أشلاءً على الحدود! انقبض قلب بيلا تحت وطأة كلماته، وارتجفت نظرتها، فيما احمرّت عيناها بحزنٍ حاولت جاهدًة أن تخفيه. على الرغم من الضغينة التي كانت تختزنها في صدرها تجاه والدها، بسبب خيانته لوالدتها، ظلّ شعورٌ خفيّ بالذنب يلاحقها لأنها أخفت عنه زواجها من جاستن. — أبي، بيلا قادرة تمامًا كما أنا. قالها آشر بهدوء، وهو يلتقط فنجان الشاي برشاقة ويرتشف منه رشفة قصيرة، ثم أردف: — هل ما زلت تتذكّر الاضطرابات المالية التي عصفت بشركتنا قبل أربع سنوات؟ كانت بيلا هي من اقترحت آنذاك سلسلة من تدابير الرقابة الفعّالة. وقبل عامين أيضًا، قضت لياليَ كاملة تضع خطة الاستحواذ على مجموعة والتر. بدت الدهشة جليّة على وجه وايت وهو يستمع. تدخّل أكسل بدوره، محاولًا إسناد أخته بكل ما أوتي من حماس: — في الحقيقة يا أبي، بيلا هي الأكثر اتزانًا ودهاءً بيننا جميعًا. لطالما تميّزت بحسن اختيار الأشخاص المناسبين، وبقدرتها على توظيف المواهب والاستفادة منها على الوجه الأمثل. فلماذا لا تمنحها الفرصة، والموهبة ماثلة أمامك؟ غاص وايت في صمتٍ قصير، يتأمّل الأمر مليًّا، قبل أن يقول بصوتٍ حاسم: — حسنًا. يا بيلا، إن كنتِ ترغبين في إدارة الشركة، فعليكِ اجتياز اختباري. اعتبريه هدية عيد ميلادك منّي! استقامت بيلا في جلستها، وتلألأت عيناها ببريقٍ أخّاذ. تابع وايت: — لكِ أن تنالي بضعة أيام من الراحة، ثم تبدئين العمل الأسبوع المقبل في فندق «كيه إس وورلد» بسافرو. إن استطعتِ تجديد الفندق خلال ستة أشهر، وتحويله إلى مشروعٍ مربح، فسأفكّر جديًّا في تعيينك رئيسة تنفيذية لمجموعة «كيه إس». ...... ما إن غادر الأشقّاء طومسون غرفة المكتب، حتى بادر آشر وأكسل بوضع أيديهما على كتفي بيلا في حركةٍ مشجّعة. قال آشر بنبرة هادئة تحمل يقينًا راسخًا: — إنما تُلقى المسؤوليات العِظام على عاتق العظماء. تنفّس أكسل بعمق، ثم قال وهو يهزّ رأسه: — حسنًا، يبدو أنّ عليكِ أولًا أن تنظّفي الفوضى التي خلّفها ذلك الفندق. أومأت بيلا بثبات: — أعلم. --- في داخلها، كانت كلمات أبيها لا تزال ترنّ في أذنيها، لكنها لم تُضعف عزيمتها. *ذلك العجوز يحاول بكل وسيلة أن يدفعني إلى التراجع، غير أنّ حِيَله لن تنجح معي.* شدّت قبضتيها بقوة، وأضافت في سرّها: *أنا كالماس، لا يزداد إلا صفاءً تحت الضغط.* في تلك اللحظة، استيقظ طموحها، بعد سباتٍ دام ثلاث سنوات، واستعاد وهجه القديم. تبادل أخواها نظرةً سريعة، ثم ارتسمت على وجهيهما ابتسامة رضا. قال أكسل ضاحكًا: — عظيم! نحن نعتمد عليكِ لتمنحينا حريتنا.الفصل 100طوال الطريق، جلست بيلا إلى جوار جاستن في صمت تسند رأسها نحو النافذة، وظلت تحدق في الطريق الممتد أمامها متعمدة ألا تلتفت إليه ولو مرة واحدة.كان نفورها واضحًا إلى درجة جعلت جاستن يشعر به من دون أن تحتاج إلى نطق كلمة واحدة… كل حركة منها، وكل التفاتة متعمدة بعيدًا عنه كانت تخبره بأنها لا تزال غاضبة وأن وجوده إلى جوارها لم يكن موضع ترحيب.ألقى عليها نظرة خاطفة من حين إلى آخر ثم تراجع في كل مرة عن الكلام… كان يريد أن يسألها عما يدور في ذهنها، وأن يفهم سبب هذا البرود القاسي، لكنه وجد الكلمات عالقة في حلقه… لم يكن يعرف من أين يبدأ، ولا كيف يقترب منها دون أن يزيد الأمور سوءًا.بعد مسافة طويلة، ظهرت الفيلا الخاصة بنايجل وسط منطقة منعزلة تحيط بها الجبال من كل جانب… كان المكان هادئًا بصورة لافتة، بعيدًا عن ضجيج المدينة وحركتها، فنايجل اختار لنفسه عالمًا خاصًا لا يصل إليه أحد بسهولة.وما إن دخلت بيلا من الباب حتى تبدلت ملامحها تمامًا إذ تلاشى الحزن الذي كان يثقل وجهها طوال الطريق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مشرقة بينما لمع بريق عينيها وانحنتا مع ابتسامتها حتى بدتا كالهلال، بينما خرج صوت
الفصل 99تبع جاستن بيلا إلى المستوصف الخاص بالفندق لكنهما لم يجدا الطبيب هناك. تنهدت بيلا بضيق ثم فتحت الخزانة وأخرجت زجاجة اليود وقطعة من الشاش والقطن عاقد العزم على تضميد جرحها بنفسها لكن ما إن مدت يدها حتى جاء صوت جاستن حازمًا من خلفها:— سأفعل ذلك.اقترب منها بملامح عابسة كي لا يترك لها مجالًا للاعتراض.أدارت بيلا وجهها إليه، وقد بدا الانزعاج واضحًا في عينيها.— لا داعي لذلك… أستطيع الاعتناء بنفسي.تبادل الاثنان نظرة طويلة… كان عنادهما متشابهًا إلى حد يثير الضيق؛ لا أحد منهما مستعد للتراجع ولا أحد يقبل أن يترك للآخر الكلمة الأخيرة.لكن جاستن لم يجادلها.فجأة، أمسك يدها الصغيرة بثبات وقال بنبرة آمرة:— آنا، ابقي ساكنة!تجمدت بيلا في مكانها.لم تكن قبضته مؤلمة، لكنها كانت قوية بما يكفي لتمنعها من سحب يدها. لوهلة شعرت ببرودة خفيفة عند معصمها، ثم انتقلت تلك البرودة سريعًا إلى قلبها عندما لامست أصابعه جلدها.خفض جاستن رأسه وبدأ بتنظيف الجرح بعناية… وضع الدواء أولًا ثم مرر قطعة القطن على موضع الإصابة بحركات هادئة ودقيقة كمن يخشى أن يؤلمها.راقبت بيلا وجهه بإمعانٍ بينما ظل هو منشغلًا ب
الفصل 98كانت عينا بيلا شاردتين لكن خلف شرودهما كان يقبع حزم لا يمكن زحزحته. نظرت إلى جاستن ببرود، ثم قالت بسخرية مريرة:— يبدو أن روزاليند اعتنت بك جيدًا، لدرجة أنك أصبحت أكثر صلابة.اشتعل الغضب في صدر جاستن ورد بصوت مكتوم:— هذا الأمر بيننا نحن الاثنين… لا تُقحمي أي شخص آخر فيه.ضحكت بيلا بمرارة، ثم قالت بوضوح لا يحتمل التأويل:— إذا كنت لا تريدني أن أقول لك كلامًا يزعجك فابتعد عني… لا أريد أي شيء يربطني بك بعد الآن باستثناء إنهاء إجراءات طلاقنا… وداعًا، سيد سلفادور.كانت تلك الكلمات أشبه بصفعة مفاجئة.اعتاد جاستن على نظرات آنا القديمة؛ عيون مشرقة، دافئة، مليئة بالاهتمام والتعلق به… أما الآن، فلم يجد فيها سوى برودة قاسية.لذا شعر للحظة كمن هبط فجأة إلى قاع كهف جليدي.تلاشت حرارة المكان من حوله، وبقيت كلماتها تتردد في رأسه بإصرار مؤلم:*لا أريد أي شيء يربطني بك.*قبض جاستن على يده وقرر أنه لن يسمح لها بالرحيل بهذه السهولة.حدقت بيلا فيه ثم ارتسمت على شفتيها الحمراوين ابتسامة ساخرة.— ومن تكون حتى تقرر ما أفعله وما لا أفعله؟ هل أنا كلبك المدلل حتى تأمرني بأن آتي معك أو أذهب معك؟ لماذ
الفصل 97عندما التقت عيناهما بدا وكأن الزمن قد توقف للحظة، وكأن العالم بأسره تجمّد في مكانه، ولم يبقَ سوى ذلك اللقاء الصامت بينهما.ثم شقّ صوت أحد الحاضرين ذلك السكون:— إنه السيد سلفادور!التفتت الأنظار جميعها نحو جاستن.أما بيثاني، فما إن رأته حتى شحب وجهها فهي لم تتوقع ظهوره هنا على الإطلاق، وشعرت بالذعر يتسلل إلى أطرافها.كانت تخشى جاستن بشدة ورغم أن شانون كانت تسخر منه في الخفاء وتعيّره بكونه طفلًا غير شرعي، فإن الجميع في العائلة كان يدرك حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: جاستن هو صاحب الكلمة الأخيرة ولا أحد يجرؤ على تحدي قراراته.رفع جاستن عينيه نحو إيان وقال ببرود شديد:— إيان، خذ بيثاني بعيدًا الآن.لم تكن نبرته مرتفعة لكنها كانت حاسمة إلى درجة لم تترك مجالًا للنقاش.ففي تلك اللحظة، بدأ بعض الحاضرين قد بالتقاط الصور وتسجيل مقاطع الفيديو خلسة… وإذا بقيت بيثاني في المكان لوقت أطول فمن المؤكد أن المشهد سيتحول إلى فضيحة تنتشر بسرعة وتلحق ضررًا بالغًا بسمعة عائلة سلفادور.فهم إيان الأمر فورًا.تقدم بسرعة وأمسك ببيثاني التي كانت لا تزال واقفة في ذهول ثم اصطحبها إلى خارج الفندق دون أن يم
الفصل 96تجمّد الجميع في أماكنهم.حتى بيثاني وصديقتاها فتحتا أفواههما من شدة الصدمة فالمشهد أمامهما تجاوز كل توقعاتهما.بينما تقدّم ستيفن بخطوات ثابتة ثم أخرج القلادة من الكيس البلاستيكي بحذر ورفعها أمام بيثاني بمملامح باردة، وصوت خاليًا من أي مجاملة قال:"سيدة سلفادور، هل هذه هي قلادتك؟"حدقت بيثاني في القلادة فتوقفت أنفاسها."هذه..."لم تستطع إكمال جملتها.هل خسرت أمام بيلا؟قبل دقائق كانت واثقة من أنها ستجبر الفندق على الانحناء أمامها أما الآن فقد عُثر على القلادة فعلًا لكن الصدمة الأكبر كانت في حالتها.وفجأة، أطلقت بيثاني صرخة حادة كمن دهس أحدهم ذيلها:"آه! قلادتي!"ثم اندفعت نحوها بنظرات مذعورة."ماذا حدث لها؟! كيف أصبحت هكذا؟! من فعل هذا؟!"تقدّم بعض الضيوف قليلًا ليروا القلادة عن قرب وسرعان ما ظهرت الحقيقة أمام أعينهم.كانت القلادة الفاخرة قد انقسمت إلى عدة أجزاء وتناثرت بعض أحجارها من مواضعها كأن شخصًا تعمد تمزيقها أو كسرها.قال ستيفن ببرود:"عندما أخبرتني مديرتنا أنك فقدتِ قلادتك طلبت مني تفتيش الجناح الرئاسي بالكامل. .. بحثنا في كل مكان، وفي النهاية وجدنا القلادة تحت الأريكة
الفصل 95بينما بدأ الهمس ينتشر بين أفراد الحشد بعد كلمات بيلا الأخيرة.قال أحدهم:"هذا منطقي… إذا كانت قلادتها مفقودة فعلًا فعليها أن تقدم بلاغًا للشرطة فورًا… ما الفائدة من كل هذه الضجة؟"ورد شخص آخر بنبرة ساخرة:"ربما أضاعتها بنفسها وتحاول الآن العثور على شخص تلقي عليه اللوم."ازدادت ملامح بيثاني احتقانًا حتى احمر وجهها من شدة الغضب فصرخت وهي تحدق في بيلا:"وما فائدة أمر التفتيش؟! أنا أريد استعادة قلادتي وليس الدخول في إجراءات لا تنتهي! يجب القبض على هذه اللصة فورًا… لا بد أنها أخفتها في مكان ما!"ارتجفت عاملة النظافة من شدة الظلم الذي تتعرض له واحمرت عيناها وهي تحاول حبس دموعها ثم قالت بصوت مرتعش، لكنه كان مليئًا بالغضب:"أنا لست لصّة! لم أسرق منكِ شيئًا!"كان جسدها كله يرتجف فقد كانت الكلمات الجارحة أثقل عليها من أي شيء آخر.لكن بيلا بقيت هادئة تمامًا وهي تقول بنبرة عملية:"باستثناء الحمامات وغرف الاستحمام وتبديل ملابس الموظفين، جميع مناطق الفندق مزودة بكاميرات مراقبة عالية الدقة."ثم تابعت وهي تنظر مباشرة إلى بيثاني:"وبمجرد أن علمتُ باختفاء القلادة أصدرتُ تعليمات بمنع جميع موظفي
005وهكذا وجد كبار المديرين التنفيذيين أنفسهم في موقفٍ بالغ الحرج، وقد أُخذوا على حين غرّة وهم يتنادون بالسوء عن مديرتهم الجديدة.— يا لهذا الهراء!اشتعل الغضب في صدر ستيفن لوفيت، سكرتير آشر، وهو يجلس في مقعد الراكب:— الآنسة طومسون هي الابنة الشرعية الوحيدة لعائلة طومسون! ماذا كان يدور في عقولهم؟
٤…..بعد خمسة أيام، وما إن انتهى الإفطار، حتى استدعى جاستن سكرتيره إيان هاريس إلى مكتبه.قال بلهجة مقتضبة لا تخلو من حدّة:— هل توصّلتَ إلى شيء جديد بشأن آنا؟كان يقف قبالة النافذة الزجاجية الممتدّة من الأرض إلى السقف، متأمّلًا أفق مدينة سافرو. قامته الطويلة وبنيته الصلبة كانتا تضفيان على حضوره هال
٢……كانت روزاليند، بوصفها ابنة أخت السيدة سلفادور، موضع ترحيبٍ دائم في القصر، فبقيت تلك الليلة وتناولت عشاءً عائليًّا هادئًا مع آل سلفادور. غير أن جو الألفة لم ينجح في إخفاء عبوسٍ واحدٍ شاذّ عن البقية؛ كان جاستن الجالس بينهم وحده، شارد النظرات، فاقد الشهية، مثقل الفكر برحيل آنا مع آشر طومسون.لم تأ
١…..تأملت آنا براون أوراق الطلاق الملقاة على الطاولة، وقد بدت التوقيعات عليها مكتملة، كأن القرار قد اتخذ دون أن يُمنح قلبها فرصة للاعتراض. أزاحت نظرها ببطء نحو النافذة، حيث تسللت دمعة خجلى إلى عينيها. هناك، في وهج شمس الظهيرة، كان جاستن سلفادور واقفًا في سكونٍ صارم، يبدو مثاليّ الملامح، باردًا كتم







