تسجيل الدخولخطفت بصره ما أن رآها أتية نحوه مطرقة رأسها منشغلة برفع ذيل فستانها الطويل بضحر دون أن تراه بعد، ابتسم وهو يراقب عبوس وجهها وكأنها تتعارك مع ثوبها، أبهرته طلتها من أول وشاحها الأبيض المزين بتاج فضي أنيق، وثوب عرسها المحتشم الذي أضفي عليها مظهر ملائكي شديد البراءة، يدعوا الله أن يكون في عونه ويلهمه الصبر إلي أن يختلي بها وهي زوجته وحلاله. حان وقت رفع وجهها إليه لتراه للمرة الأولى، رعدة خفية أصابت قلبها وهي تتقابل مع عيناه المصوبة نحوها بنظرة متخمة بعاطفة جياشة، لفت نظرها هيئته التي لا تنكر جاذبيتها الشديدة، وذقنه الحليق المرسوم بحرفية، وبشرته الصافية وبذلته السوداء وقميصه ناصع البياض، لوهلة قارنته في خيالها بعزت فربحت كفة رضا وأضحى بالنسبة له گ الأمير، أكثر وسامه وأصغر عمرا وأقوي تأثيرا، نفضت عنها تأثرها وهي تستعيد ثباتها وهي تقترب منه، ليلتقط كفها برقة واضحة ويعلق ذراعها الرفيع بذراعه ويميل عليها هامسا: زي القمر وتجنني يا أشرقت، ربنا يخليكي ليا. كل مرة يلقي عليها إطراءه بهذا الصوت وتلك النظرث الدافئة يترك أثرا قويا بروحها، رغبته بها واضحة لا تحتاج دليل، هو يريدها، لكن ماذا بعد أ
في المساء. "ماما أنا هروح اشتري حاجات مهمة لأشرقت عشان الفرح، عايزة حاجة اجيبها وانا جاية؟" تسائلت بدهشة: هتروحي لوحدك؟ مش تاخدي العروسة معاكي؟ سارة باستياء: ما انتي عارفة دماغها الناشفة يا ماما، مش رضيت تيجي، هروح انا اجيب اللي ناقصها وخلاص. أومأت والدتها بتفهم: ماشي يابنتي، اللي ناقصها كله هاتيه يا سارة، معلش استحمليها واتعبي عشانها شوية، بكرة حالها ينعدل وتعرف اننا كنا بنعمل لمصلحتها. ثم قرصت وجنتها بحنان: وعقبال ما أفرح بيكي يا نور عيني. لثمتها بقبلة خاطفة: حبيبتي يا مامتي، سلام بقا عشان اجي بسرعة. من إحدي المحلات المتخصصة بالمساحيق التجميلية، تسوقت سارة وابتاعت كل ما يمكن أن تحتاجه أشرقت كي تتزين لزوجها، هي تعلم ان الأخيرة لن تقبل مجرد فكرة ان تشتري تلك الأمور وهي تراها تتعامل مع كل ما يحدث بعدم اكتراث، انتهت من كل شيء ثم وقفت تنتظر الحافلة التي ستقلها للبيت. ومن جديد يصنع القدر لها مع ذاك الشاب مصادفة أخري، في نفس المكان التي تقف به سارة وقف حاملا حقيبة ما متحدثا عبر هاتفه، لمحته لكنها تجاهلته وأدارت وجهها للجهة الأخري كي لا يحدثها گ المرة السابقة، أتت الحافلة وأسرع
تعج الطرقات هنا وهناك بأُناس وجوه أصحابها تحمل الكثير من المآسي وكذلك المسرات، لتكون الأولي من نصيب ذاك الشاب الذي يسير شاردا بلا هدى دون أن ينتبه لموضع خطاويه أين تأخذه، كلمات أحدهم القاسية تدوي بأذنيه گأنها تطارده وتنخر قلبه الموجوع بأثرها في نفسه، لا يزال الحذر غائب عن خطاواته ليداهمه صياح أجفله. "حاسب يا أستاذ" صوت فتاة تصرخ اقتحم شروده ليتفاجأ بسيارة نقل تُسرع نحوه وعلى وشك أن تصدمه، من فرط ذهوله تيبست قدماه دون إرادة ولم يستطع تحريكها مستسلما لمصيره، لكن دون تردد دفعته الفتاة بعيدا عن مرماها ليقع أرضا وهي جواره تتلقى سقطة مماثلة، غبر الثرى ملابسها والشاب يطالعها بذهول مأخوذا بما حدث، او بالأحري الكارثة التي كادت أن تحدث لولا عناية الله ثم تلك الفتاة الباسلة. _ في حد يعدي الطريق السريع بالاستهتار ده يا استاذ؟ انت كنت بتنتحر حضرتك ولا ايه؟ أنا لولا اخدت بالي منك في الوقت المناسب كان زمانك لاسمح الله يعني. غمغم بخجل متفهما ثورتها: أنا أسف جدا، اظاهر كنت سرحان وفعلا مأخدتش بالي خالص من الطريق. ثم نهض وبتلقائية مد كفه كي يساعدها في النهوض، لكن تجاهلت الفتاة كفه الممدودة وهي ت
أسبوعان فقط وترحل من بيت خالتها لبيت جديد، لا تدري ماذا ستلاقي بين جدرانه؟ جحيم أخر او نعيم؟ هل ستحب حياتها معه ام تكرهه وتكرها نفسها أكثر، مازالت لا تريده، داخلها يأبى التقيد من جديد لحكم رجل بأسم الزواج، ليتها رجلا ما كانت تهاب شيء ولا يؤثر بها حديث الناس وطعنات حكاويهم في أخلاقها التي أجبرتها لتقبل ما يصير لها بخنوع. _ أشرقت لسه مش عارفة تنامي ؟ استدارت قليلا لسارة هاتفة بخفوت بعد تنهيدة: لسه، مش عارفة. اعتدلت فوق فراشها تهتف بمشاكسة طفيفة غامزة بعيناها: بتفكري في رضا؟ حدجتها باستياء ثم عادت تتأمل الفراغ بشخوص، لتغمغم سارة بنبرة جادة: تعرفي يا أشرقت الحب ده غريب أوي، مالوش قواعد ولا حدود، القلب لو حب حد، مابيشوفش فيه غير الحلو وبس، لما قالو مراية الحب عامية يمكن قالوا كده لأن محدش بيشوف في اللي بيحبه عيب أو علة. التفتت لها أشرقت بنظرة مرتابة: بت يا سارة أنتي بتحبي حد ولا ايه؟ قهقت قبل ان تهتف: لا والله ده لحظة تمعن كده وهتروح لحالها ماتقلقيش. لتستطرد بحماس مفاجيء: أنا متحمسة أوي لبكرة، أخيرا هنروح نشوف فستان الفرح بتاعك، في كام أتيليه أذواقه تحفة أكيد هيعجبنا حاجة م
توجه لشرفته يفكر بما فعلته اليوم، والذي لفت نظره لتلك البقعة البيضاء داخلها، صدق رفعت حين أخبره انها تتقمص شخصية لا تشبه حقيقتها، ويوما ما ستعود لها روحها الطيبة، وهو ينتظر عودتها ولن يمل انتظاره حتي ينال قلبها بالأخير. هذا ظنه في الله دائما. __________ الشرود الذي يبتلعها وهي تُجلي الصحون والطناجر الكثيرة التي تعبيء حوض الغسيل، لم تمكث هنا غير بضعة أيام معدودة لكن لاقت بها الكثير مما كانت تخافه، نفور زوجة أخيها ومعاملتها الفظة وتلميحاتها التي تحرق الأعصاب يزيد الضغط عليها مع كل ما حدث معها، أعباء البيت التي صارت علي كاهلها وحدها جعلها تتذكر ما كانت تفعله مع أشرقت، كأن القدر يرد لها نفس بضاعتها وظلمها يعود عليها بالمثل! هكذا تماما كانت تعاملها وتظلمها وتجبرها بالمكر أن تقوم بكل شيء، كأنها تمن عليها بلقمتها، وهكذا أيضًا تعاملها "ميس"، الكره يشتعل بعيناها كلما بصرتها، لم تنسى ما كان بينهما، وربما لن تنسى قط. عقلها المغيب بطيات شرودها جعلها تفقد السيطرة علي ما تحمله، لتسقط أكواب الشاي من يديها دون أن تنتبه، تهشمت كل الأقداح وتناثرت أرضًا لتفزع وهي تهم بتجميعها قبل أن يراها أحدهم
"خلاص رايحين تشوفوا العفش انهاردة يا رضا؟" تسائل رفعت عبر الهاتف ليجيبه الأخير: أيوة إن شاء الله، وجلال هيكون معانا، تحب تيجي؟ _ لا طبعا دي أمور خاصة ماليش فيها، أنا هحضر في الليلة الكبيرة إن شاء الله يا صاحبي. ثم تنحنح من قوله: رضا، أنا عارف طبعا الير وغطاه، ممكن اساعدك بأي مبلغ تحتاجه وماتحملش هم السداد. ابتسم رضا ممتنا: ربنا يخليك يا رفعت مستورة الحمد لله ماتقلقش. _ يعني هتقدر تغير كل عفش بيتك مرة واحدة زي ما طلبت أشرقت؟ ازاي يا رضا ده مستحيل. تنهد بقلة حيلة: هعمل ايه مضطر، أشرقت عايزة تعجزني وأنا طبعا مش هديها فرصة، هجيب اللي اقدر عليه والباقي قسط وخلاص. ليهمس بعدها: كله يهون بس أكسب قلبها في الأخر. _ أنا واثق لما أشرقت تقرب منك هتحبك، أديها بس وقتها واتحملها، صدقني مغيرش شخصيتها غير اللي عاشته، بس محدش بيقدر يعيش بحقيقة غير حقيقته طول الوقت، في يوم من الأيام هترجع لطبيعتها الطيبة الراضية، بس الصبر. غمغم بتسليم تام لما يحدث راجيا الخير بأخر الطريق: وأنا حيلتي ايه معاها غير الصبر يا صاحبي. ليختم قوله بتنهيدة: ربك المعين. ……… اصطحبها هي وخالتها والعم سلامة وشقي







