ログインعاد الحاكم ألدريان من ذكرياته ببطء، وكأن شيئًا انتزعه قسرًا من أعماق الماضي وأعاده إلى الحاضر. فتح عينيه، فوجد نفسه ما يزال جالسًا داخل العربة التي كانت تشق طريقها بثبات نحو منطقة السجون في مملكة الربيع، بينما كانت عجلاتها تصطدم بالحجارة بين حين وآخر، فيصدر عنها صوت منتظم يتردد داخل المقصورة. ظل للحظات ينظر من النافذة دون أن يرى الطريق أمامه حقًا؛ كانت عيناه معلقتين في الفراغ، وكأن جزءًا منه ما يزال عالقًا في تلك السنوات البعيدة، في وجه إيفاريا، وفي اليوم الذي اختفت فيه من أمامه دون أن تترك خلفها أثرًا واحدًا.أما سيروس، فكان يجلس قبالته، يراقبه بصمت.لم يكن المستشار الأول من الرجال الذين يكثرون الأسئلة في الأوقات الخاطئة، وكان يعرف ألدريان أكثر مما يعرفه معظم من حوله. كان يعلم أن صمت الحاكم في تلك اللحظة لم يكن صمت رجل شارد فحسب، بل صمت رجل يحمل في داخله أمرًا لم يستطع دفنه رغم مرور السنوات.انتظر سيروس.مرت لحظات طويلة.ثم لحظات أطول.لكن ألدريان لم يتحدث.ظل يحدق من النافذة، بينما راحت الأشجار والمباني تمر خلف الزجاج دون أن تلفت انتباهه.وأخيرًا، تنحنح سيروس بهدوء وقال:«ألدريان...
تقدم سيروس خطوة، ثم قال بحدة لم يعتد أن يخاطب بها حاكمه:«كيف فعلت ذلك يا ألدريان؟!»لم يغضب ألدريان من نبرته.بل ظل ينظر إليه بصمت.تابع سيروس:«أنت تعلم أن هذه التعويذة لا يجوز أن يعرفها أحد! هذه ليست تعويذة عادية، إنها سر يتوارثه حكام مملكة الربيع وحدهم! حتى كبار الحكماء لا يملكون حق معرفتها إلا في أضيق الحدود!»قال ألدريان:«أعلم.»«إذن لماذا؟»صمت ألدريان.ثم قال:«لم أكن أفكر في العواقب.»ضحك سيروس ضحكة قصيرة خالية من الفرح.«لم تكن تفكر؟ أنت؟»رفع ألدريان عينيه إليه.قال سيروس:«أنت أكثر شخص أعرفه حسابًا لكل خطوة. كيف استطعت أن تفعل شيئًا كهذا دون أن تفكر؟»خفض ألدريان رأسه قليلًا.ثم قال:«كنت أريدها أن تشعر بأنها مختلفة.»سكت سيروس.تابع ألدريان:«كنت أريدها أن تعرف أنها ليست مثل أي شخص آخر بالنسبة إليّ. أردت أن تشعر أنني أثق بها إلى درجة أنني مستعد لأن أضع بين يديها أعظم أسراري.»تنهد.«كنت أريدها أن تحبني.»كانت تلك الكلمات أكثر صدقًا مما اعتاد ألدريان أن يعترف به.قال:«كنت أريد أن تشعر أنني أميزها عن الجميع. وأنها أصبحت جزءًا مني... جزءًا من مملكتي.»ظل سيروس يحدق فيه.ثم
مرّت الأيام، ثم الأسابيع، ثم تحولت الأسابيع إلى أشهر طويلة، ومع ذلك لم يتغير شيء.ظل البحث عن الأميرة إيفاريا مستمرًا، وكأن المملكة بأكملها قد تحولت إلى عين واحدة تبحث عنها في كل مكان، في الطرقات، والغابات، والقرى، والقصور، وحتى في أكثر الأماكن التي لم يكن من المنطقي أن تختبئ فيها أميرة من مملكة الشتاء.لكن إيفاريا لم تكن هناك.لم يكن لها أثر.وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.كان حاكم مملكة الشتاء، زيراك، يعيش منذ اختفائها في حالة لم يعرفها عنه أحد من قبل. لم يكن يتحدث كثيرًا عن الأمر، ولم يسمح لأحد بأن يرى مقدار خوفه وقلقه، لكنه في أعماقه كان يموت كل يوم ألف مرة وهو يتساءل عن المكان الذي ذهبت إليه ابنته.والأسوأ من ذلك كله...أنه كان يحمل سرًا ثقيلًا لم يجرؤ على إخراجه من صدره.لم يخبر الحاكم ألدريان أن إيفاريا لم تكن تريد الزواج منه.لم يخبره أنها أخبرته مرارًا أنها لا تشعر تجاهه بشيء، وأنها لا تريد أن تُجبر على الزواج من رجل لم تختره بنفسها.ولم يخبره أنه هو، والدها، من أجبرها على القبول.كان زيراك يعرف جيدًا أن اعترافه بهذه الحقيقة سيضعه في موقف لا يستطيع الدفاع عنه.فكيف سيبرر إجباره
كان قصر مملكة الشتاء قد تحول منذ وصول الجنود إلى حالة من الاضطراب لم يشهدها منذ سنوات، فقد كان خبر اختفاء الأميرة إيفاريا قد وصل إلى والدها قبل وقت قصير، ولم يكن الحاكم زيراك بحاجة إلى سماع القصة أكثر من مرة حتى يدرك أن الأمر أخطر بكثير من مجرد اختفاء عابر في الطريق. وقف أمام جنوده وعيناه مثبتتان على قائد الموكب الذي كان لا يزال يحاول استيعاب ما حدث، ثم قال بصوت قاسٍ: «قلها مرة أخرى.» ارتبك القائد وقال: «مولاي... عندما قطعنا جزءًا كبيرًا من الطريق، قررنا أن نطمئن على الأميرة، فتوجهنا إلى عربتها ونادينا عليها، لكن لم يصلنا أي رد. وعندما فتحنا باب العربة... لم نجدها بالداخل.» ظل زيراك ينظر إليه دون أن يرمش، ثم قال: «وهل حدث هجوم؟» «لا يا مولاي.» «هل رأيتم أي شخص غريب؟» «لا.» «هل تعرضتم لأي تعويذة؟» «لم نشعر بأي سحر.» «هل توقفت العربات؟» «لا، مولاي، كانت تسير بصورة طبيعية.» قبض زيراك يده ببطء، ثم قال: «إذن ابنتي اختفت من داخل عربة مغلقة، وسط موكب كامل، دون أن يراها أحد، ودون أن يحدث أي شيء؟» لم يجد القائد ما يقوله، فاكتفى بخفض رأسه. ظل زيراك صامتًا للحظات، ثم استدار فجأة وقال: «أرسلوا في
اتسعت ابتسامة الدريان، وقال: «هل أنت متأكدة؟» أجابت: «نعم، لا أريد العودة الآن.» لم يستطع إخفاء سعادته، فقد اعتبر طلبها دليلًا واضحًا على نجاح ما أراده. لقد أرادها أن تحب مملكته، وها هي تطلب بنفسها البقاء فيها. أرادها أن تتقبل فكرة الزواج، وها هي تختار البقاء بالقرب منه بدلًا من العودة إلى مملكة الشتاء. ومع مرور الأيام أصبحت إيفاريا تقضي وقتًا أطول في مملكة الربيع، وكانت تخرج وحدها كما طلبت، ثم تعود في كل مرة بوجه أكثر إشراقًا. وفي إحدى المرات كان الدريان قد أنهى أعماله مبكرًا، فقال لها: «أنا متفرغ اليوم، هل تريدين أن نخرج معًا؟» ارتبكت للحظة، ثم أجابت بسرعة: «لا، أريد أن أخرج وحدي.» نظر إليها باستغراب وقال: «ألا تريدين أن أرافقك؟» ابتسمت وقالت: «أنا أحب أن أتحرك وحدي، أحب السير بين الناس، وشعب المملكة أصبح يعرفني، وهم يحبونني، وأريد أن أتعامل معهم بنفسي.» صمت الدريان للحظة، ثم قال: «حسنًا، كما تريدين.» لم يفكر في الأمر طويلًا. كان يرى في إصرارها على الخروج وحدها دليلًا على أنها أصبحت مرتاحة في المملكة، وربما بدأت تعتبرها وطنها الجديد بالفعل. لكن الأيام مرت، واقترب الموعد الذي كان يع
لم تكن كلمات الدريان الأخيرة مجرد اعتراف عابر بالنسبة إلى إيفاريا، بل كانت المفتاح الذي فتح أمامها بابًا لم يكن الدريان يعلم أنه سيغير كل شيء بينهما. فمنذ اللحظة التي أخبرها فيها بسر تعويذة الحاجز السحري، ومنحها القدرة على معرفة موقعه والعبور من خلاله، تبدلت معاملتها معه بصورة واضحة، حتى إن الدريان نفسه لم يستطع أن يمنع الدهشة من الظهور على وجهه في الأيام الأولى. لم تعد إيفاريا تلك الأميرة الباردة التي كانت تستقبله بصمت، ولا تلك المرأة التي كانت تنظر إليه وكأن وجوده إلى جوارها عبء تحاول احتماله حتى ينتهي، بل أصبحت أكثر انفتاحًا، وأكثر استعدادًا للحديث معه، وكانت تضحك أحيانًا على كلماته، وتبادله الحديث دون أن يضطر إلى جر الكلمات منها جرًا كما كان يحدث في السابق. وفي إحدى المرات كانا يسيران معًا في إحدى حدائق القصر، فقال لها الدريان شيئًا ساخرًا عن أحد مسؤولي المملكة، فضحكت إيفاريا ضحكة صافية لم يسمعها منها من قبل، فتوقف للحظة ونظر إليها بدهشة، ثم ابتسم هو الآخر وقال: «وأخيرًا... رأيت هذه الابتسامة.» نظرت إليه إيفاريا وقالت: «أي ابتسامة؟» أجابها: «ابتسامتك الحقيقية.» رفعت حاجبها وقالت: «