LOGINوقفت في مكاني أحدق في الجهة التي ركضت إليها.
اختفت. تنهدت بضيق وأنا أمرر يدي بين شعري. ما الذي كان يجري معها؟ قبل لحظات كانت تتحدث معي ببرود، ثم فجأة بدأت تنظر حولها وكأنها رأت شيئًا أخافها، وبعدها ركضت دون أن تلتفت خلفها. هززت رأسي محاولًا طرد الفكرة. ربما كانت تعاني فعلًا من اضطراب نفسي. لكن... "اذا صمد لاسبوع واحد سيكون بخير." ترددت كلماتها في رأسي مرة اخرى. ضغطت على مقود السيارة بقوة. الطبيب اكد ان حالة ايثان مستقرة، ولا يوجد ما يدعو للقلق. اذا لماذا شعرت بالخوف عندما قالت تلك الجملة؟ تنفست بعمق. لا يجب ان اصدق كلام فتاة غريبة بالكاد اعرفها. ادرت محرك السيارة وانطلقت عائدا الى المشفى. وأثناء القيادة، لمحتهـا من بعيد. كانت تركض بين الأرصفة وتلتفت حولها باستمرار، وكأنها تبحث عن شخص ضاع منها، أو تطارد شيئًا لا يراه أحد غيرها. كادت تصطدم بأحد المارة لكنها تجاوزته في آخر لحظة، ثم توقفت فجأة ونظرت إلى الشارع المقابل وكأنها رأت شيئًا جعلها تتجمد في مكانها. قطبت حاجبي. ما الذي تفعله؟ منذ لقائنا وهي تتصرف بطريقة غريبة. مرة تتحدث ببرود، ومرة تختفي فجأة، والآن تركض وحدها في منتصف الشارع وكأن العالم من حولها غير موجود. تنهدت بضيق. حتى الآن ما زالت تبحث... لكنها لم تكن تنظر إلى الناس، بل كانت تحدق في أماكن فارغة، وكأن هناك شخصًا يقف أمامها ولا يستطيع أحد غيرها رؤيته. هززت رأسي وأبعدت نظري عنها. ليس هذا وقت التفكير بالمجانين. كل ما يهمني الآن هو أخي. ضغطت على دواسة الوقود قليلًا، وواصلت طريقي نحو المشفى، محاولًا إبعاد صورتها وكلماتها عن رأسي، لكن الغريب ، عادت ملامحها لتظهر أمامي من جديد. طوال الطريق كنت احاول اقناع نفسي ان كل ما قالته مجرد هراء، لكنني كلما حاولت نسيان كلماتها عادت لتتردد في رأسي من جديد. وصلت الى المشفى بسرعة وصعدت الى غرفة ايثان. فتحت الباب بهدوء. كان ايثان نائما بسلام، بينما كانت امي تغط في نوم عميق وهي جالسة بجانبه بعدما انهكها القلق طوال اليوم. ابتسمت بخفة. يبدو انني كنت ابالغ في التفكير. اقتربت من السرير ونظرت الى ايثان. كانت اجهزة المراقبة تعمل بشكل طبيعي وانفاسه هادئة. جلست على الاريكة واخرجت هاتفي. كانت هناك عشرات الرسائل من مارون يسألني عن حالة ايثان. اخبرته باختصار ان كل شيء بخير وانني ساشرح له لاحقا. وضعت الهاتف جانبا واسندت رأسي الى الخلف. كان اليومان الماضيان كابوسا حقيقيا. الحادث... الخوف... والفتاة الغريبة... كل شيء حدث بسرعة حتى انني لم استطع استيعابه. شعرت بثقل في جفوني. اغمضت عيني للحظات... ولم اشعر بنفسي الا وانا اغفو. لا اعلم كم مر من الوقت حتى استيقظت على صوت همسات خافتة. فتحت عيني بسرعة ونظرت نحو ايثان. كان يتقلب في نومه وملامحه مشوهة بالخوف. كان يتمتم بصوت مرتجف. "ارجوك... انقذني..." "لا تتركني..." "انا اتألم..." ثم انحدرت دمعة ببطء من عينه المغلقة. نهضت من مكاني واقتربت منه بسرعة. وضعت يدي على كتفه برفق حتى فتح عينيه ونظر الي. سيان - ايثان... هل انت بخير بقي ينظر الي للحظات وهو يحاول التقاط انفاسه. ايثان - سيان... هل تاذى احد بسبب الحادث عقدت حاجبي باستغراب. سيان - لماذا تسأل خفض نظره وقال بصوت متردد. ايثان - لا اعلم... رايت شخصا في حلمي وكان يتألم كثيرا... شعرت وكأنني السبب. حاولت ان ابتسم حتى لا ازيده قلقا. سيان - لا تقلق. الشرطة اخبرتني انه لم يتاذ احد. ربما مجرد كابوس بسبب الحادث. ظل صامتا لثوان قبل ان يتنهد. ايثان - غريب... كان الالم حقيقيا جدا... شعرت به وكأنه يحدث لي انا. ربت على كتفه. سيان - ارتح قليلا ولا تفكر بالامر كثيرا. الطبيب قال ان هذا طبيعي بعد الحوادث. هز رأسه بهدوء لكنه لم يبد مقتنعا. بقي ينظر الى السقف بشرود، وكأنه يحاول تذكر شيء يختبئ في اعماق ذاكرته، بينما كنت انا احاول اقناع نفسي ان كل ما يحدث مجرد مصادفات... رغم ان شعورا غريبا في داخلي كان يخبرني ان هذه ليست سوى البداية.- من منظور أليس -مرت ساعات قليلة منذ استيقظت على ذلك الصباح الهادئ.بعد أن انتهيت من شرب قهوتي، شعرت برغبة غريبة في الخروج.أردت أن أركض قليلًا.أن أتنفس الهواء.أن أعيش هذا الهدوء ما دمت أستطيع.خرجت من غرفتي بهدوء.وقبل أن أغادر المنزل، ألقيت نظرة نحو الأريكة.كانت شيرا نائمة بعمق، وقد بدا عليها الإرهاق بعد الأيام الماضية.ابتسمت بخفة.لم أشأ أن أوقظها.أخذت مفاتيحي، ثم خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفي.في الخارج...كانت المدينة تستيقظ ببطء.أشعة الشمس تغمر الشوارع.المحال بدأت تفتح أبوابها.وأصوات الناس امتزجت بضحكات الأطفال وزقزقة العصافير.بدأت أركض بخطوات هادئة.كان الهواء البارد يلامس وجهي، ويملأ صدري براحة لم أعرفها منذ سنوات.لم أفكر بالأرواح.ولم أفكر بالماضي.كنت أركض فقط...وأبتسم دون أن أشعر.بعد قرابة ساعة...خففت سرعتي، وبدأت أعود سيرًا نحو المنزل.تنفست بعمق.ثم أغمضت عيني للحظة قصيرة.لكن...في اللحظة التالية...سمعت ذلك الصوت."وشش..."كان خافتًا في البداية.كأنه نسمة هواء مرت بجوار أذني.توقفت في مكاني.فتحت عيني بسرعة.اختفى الصوت.ظننت أنني توهمته.أكملت السير.لكن ب
اقترب مني المشرف بعدما انتهيت من تسجيل آخر ملاحظة في دفتري.المشرف -هل انتهيت من معاينة المكان؟أغلقت الدفتر، ثم أومأت برأسي.سيان -نعم، أعتقد أنني كوّنت فكرة واضحة عن حجم العمل.بقيت أنظر إلى الكنيسة للحظات.كان هناك سؤال يدور في ذهني منذ أن دخلتها.التفت إليه وسألته:سيان -بالمناسبة...لماذا تحتاج هذه الكنيسة إلى كل هذا الترميم؟تنهد المشرف، ثم نظر إلى المبنى القديم.المشرف -لها سنوات طويلة وهي على هذه الحال.قبل أعوام اندلع فيها حريق كبير.لم يبقَ منها سوى الجدران، ومنذ ذلك الوقت هجرها الجميع.لم يعد أحد يرغب في زيارتها أو حتى الاقتراب منها.استمعت إليه بصمت.ثم سألته:سيان -ولماذا تقرر ترميمها الآن؟ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.المشرف -صاحبها الحالي ورثها عن جدته قبل فترة قصيرة.ويريد أن يعيد بناءها من جديد.يقول إنها كانت تعني لها الكثير، لذلك لا يريد أن يتركها مهجورة أكثر من ذلك.أعدت النظر إلى المبنى مرة أخرى.الآن فهمت سبب حالته المزرية.سيان -إذن...سنحتاج إلى الكثير من العمل.ابتسم المشرف وهو يربت على كتفي.المشرف -لهذا السبب أحضرناك.غادرنا المكان معًا، بينما بقيت الك
- من منظور سيان -استيقظت باكرًا على صوت هاتفي.مددت يدي وأجبته بنعاس.كان صديقي.بعد حديث قصير، طلب مني معروفًا.كانت هناك ورشة بناء بحاجة إلى مهندس يعاين الموقع قبل بدء العمل، ولم يستطع الحضور بنفسه، لذلك طلب مني أن أذهب بدلًا عنه.وافقت دون تردد.بعد أن انتهيت من ارتداء ملابسي، غادرت المنزل متجهًا إلى العنوان الذي أرسله لي.استغرقت الطريق بعض الوقت.وحين وصلت...توقفت أمام مبنى قديم بدا وكأنه هُجر منذ سنوات طويلة.رفعت رأسي أتأمله.كانت كنيسة.لكنها لم تعد تشبه الكنائس التي اعتدت رؤيتها.الأبواب الخشبية مهترئة، والنوافذ الزجاجية محطمة، بينما غطى الغبار معظم الجدران الحجرية.بدت وكأن الزمن نسي وجودها.تقدمت إلى الداخل، وبدأت أتفقد المكان بهدوء.الجدران لا تزال متماسكة.لكن السقف وبعض الأعمدة يحتاجان إلى الكثير من العمل.لم تمضِ دقائق حتى اقترب مني أحد المسؤولين عن المشروع.المسؤول -أنت المهندس سيان، صحيح؟أومأت برأسي.سيان -نعم.نظر إلى المبنى ثم عاد إليّ.المسؤول -برأيك...هل يمكن إصلاحها؟ألقيت نظرة أخيرة حول المكان، ثم أجبته بهدوء.سيان -يمكن ذلك.لكنها تحتاج إلى وقت، وجهد، و
- من منظور أليس -عدنا إلى المبنى بعد غروب الشمس بقليل.ما إن دخلنا إلى البهو حتى أوقفتني شيرا.شيرا -اصعدي أنتِ أولًا.سأحضر بعض الأغراض من السيارة ثم ألحق بك.أومأت برأسي بهدوء.أليس -حسنًا.اتجهت نحو المصعد، وضغطت زر الاستدعاء.لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى فُتح الباب.لكنني لم أكن وحدي.كان سيان يقف هناك، يبدو أنه ينتظر المصعد منذ لحظات.التقت أعيننا لثانية قصيرة.ثم أشحت بنظري ودخلت دون أن أنطق بكلمة.دخل خلفي، وأغلق الباب.ساد الصمت.لم يكن مزعجًا...لكنه كان غريبًا.شعرت بعد لحظات بأنه ينظر إليّ.التفت نحوه.كان قد أشاح بنظره بسرعة، وكأنه لم يكن يحدق بي أصلًا.عدت أنظر إلى الأرقام المضيئة فوق الباب.لكن بعد ثوانٍ...شعرت بنظراته مرة أخرى.تنهدت بخفة.ثم التفت إليه.أليس -هل تريد شيئًا؟ارتبك قليلًا.ثم هز رأسه.سيان -لا...أبدًا.عقدت حاجبي.أليس -إذن لماذا تنظر إليّ؟حك مؤخرة عنقه بإحراج.ثم قال بتردد:سيان -لا أعرف...لكن...أشعر أنكِ تغيرتِ.نظرت إليه باستغراب.أليس -تغيرت؟كيف؟ظل يتأمل ملامحي للحظة، ثم قال:سيان -ملامحك...أصبحت أكثر هدوءًا.وكأن شيئًا كان يرهقك...ثم اختف
- من منظور أليس - لم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت السيارة أمام أحد الشوارع القريبة من منزلي. كنت أحدق من النافذة بصمت، حين وقعت عيناي على مطعم صغير تفوح منه رائحة البيتزا الطازجة. توقفت نظراتي عنده لثوانٍ. ثم التفت إلى شيرا. أليس - أوقفي السيارة. نظرت إليّ باستغراب. شيرا - هنا؟ أومأت برأسي. أليس - أريد أن آكل في هذا المكان. بدت الدهشة واضحة على وجهها. شيرا - لكن… أنتِ لا تحبين الأماكن المزدحمة. ارتسمت على شفتي ابتسامة خفيفة وأنا أعود للنظر إلى المطعم. أليس - لم أكن أكره الزحام. كنت أكره الضجيج الذي كان يملأ رأسي. أما الآن… فلم يعد يرافقني سوى حديث البشر. ولا أظن أنني سأشتكي منه. تأملتني شيرا للحظات، ثم اكتفت بابتسامة صامتة. أوقفت السيارة، ونزلنا معًا. كان المطعم يعج بالحياة. أطفال يضحكون. وعائلات تتبادل الأحاديث. وشباب يتجادلون حول أي بيتزا هي الأفضل. جلست أراقب تلك التفاصيل بهدوء. لم أشعر بالانزعاج… بل تسلل إلى داخلي دفء لم أعرفه منذ زمن. طلبنا بيتزا كبيرة، وما إن وصلت حتى تناولت أول قطعة. تذوقتها ببطء. ثم أغمضت عيني للحظة. ضحكت شيرا وهي تراقب تعابير و
- من منظور أليس -غادرت منزل أماندا أخيرًا.أغلقت باب السيارة بهدوء، ثم أسندت رأسي إلى المقعد، بينما انطلقت السيارة تشق طريقها خارج الغابة.لم أتحدث.ولم أشعر بالحاجة إلى ذلك.كانت عيناي معلقتين بالنافذة، أراقب الأشجار وهي تتراجع خلفنا شيئًا فشيئًا، حتى بدأت أضواء المدينة تلوح في الأفق.كان المساء قد حل.لكن المدينة لم تكن نائمة.على العكس...بدت أكثر حياة مما اعتدت رؤيته.انعكست أضواء المحال التجارية على الطرقات المبللة، وتداخلت ألوان اللوحات المضيئة مع أضواء السيارات، حتى بدا المكان وكأنه لوحة مرسومة بعناية.لم أكن أعلم...أن الليل جميل إلى هذا الحد.ربما لأنه لم تتح لي فرصة تأمله من قبل.لطالما خرجت في ساعات متأخرة من أجل الأرواح، لا من أجل نفسي.كانت عيناي تبحثان دائمًا عن الخطر.وعقلي منشغلًا بالصراخ الذي لا ينتهي.أما اليوم...فلم يكن هناك شيء.لا همسات.لا صرخات.لا أرواح تستغيث بي.رفعت يدي ببطء، ثم نزعت سماعات الأذن التي اعتدت حملها معي في كل مكان.تأملتها للحظات.كم مرة أنقذتني هذه السماعات من الجنون؟لا أذكر.لكنني لأول مرة لا أشعر أنني بحاجة إليها.وضعتها في حضني، ثم أعدت