LOGINلم يكن الباب هذه المرة مخيفًا…بل كان مألوفًا بشكل غريب.
وقفت ليان أمامه، تتأمله بصمت، وكأنها تحاول أن تتذكر شيئًا ضاع منها، لا شيئًا تجهله. مدّت يدها ببطء…ثم توقفت. شعرت بشيء مختلف. هذه المرة… لم يكن الخوف من الدخول بل من التذكّر. أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما. وضغطت على الباب انفتح. تسلل الضوء أولًا، ثم الصوت، ثم المشهد. كانت في الشارع نهار مشمس، حركة خفيفة، ضجيج بعيد كل شيء… طبيعي بشكل مريب خطت خطوة ثم أخرى حتى رأته كانت تمشي بجانبه نسخة منها… أهدأ، أخف، وأقل تعقيدًا. تبتسم أحيانًا، وتستمع أكثر مما تتكلم. أما هو…كان يتحدث بحماس يحاول أن يكون لطيفًا، قريبًا، مهتمًا. "لم أكن أتوقع أن نتفق بهذا الشكل." قال وهو يبتسم. ابتسمت ليان القديمة بخفة "أنا أيضًا." وقفت ليان الحالية خلفهما، تراقب لم يكن هناك شيء خاطئ. وهذا ما أربكها. "أين المشكلة…؟" تابعت المشي خلفهما تراقب التفاصيل الصغيرة الطريقة التي ينظر بها إليها الطريقة التي ترد بها عليه ذلك التوازن الغريب…ليس مريحًا بالكامل لكن ليس مزعجًا أيضًا شيء بينهما المشهد تغيّر. جلسا في مقهى نفس المكان الذي رأته سابقًا لكن هذه المرة…الجو أخف. "أحب الحديث معك." قال وهو ينظر إليها. نظرت إليه، ثم ابتسمت "وأنا أيضًا." قالتها بسهولة لكن ليان الحالية… لم تقتنع اقتربت أكثر نظرت إلى عينيها. هناك شيء صغير...تردد خفيف. كأنه سؤال لم يُطرح. "هل أنتِ مرتاحة؟" سألها فجأة. تجمدت للحظة ثم أجابت بسرعة: "نعم." سريعة جدًا. ليان الحالية همست: "لم تفكري حتى…" لكن المشهد استمر ضحك، حديث، تفاصيل بسيطة، أشياء عادية، جميلة حتى. ثم لحظة صغيرة لكنها كانت كافية. "أشعر أنكِ مختلفة عن البقية." قال وهو ينظر إليها بتركيز. سكتت "كيف؟" "هادئة… لا تعقدين الأمور… وهذا مريح." تجمدت ليان الحالية هذه الجملة…مرت بسهولة آنذاك لكن الآن…كانت ثقيلة. "لا تعقدين الأمور." نظرت إلى نفسها في المشهد هل كانت فعلاً هكذا؟ أم…تحاول أن تكون كذلك؟ المشهد تغيّر من جديد. رسائل. "صباح الخير " "أتمنى لك يومًا جميلًا." ابتسمت ليان القديمة وهي تقرأ. ردّت ببساطة. ليان الحالية راقبت لا شيء خاطئ، لا شيء واضح، لكن…كان هناك شيء يُبنى ببطء. مشهد آخر. "لماذا لم تردّي بسرعة اليوم؟" سألها. نظرت إليه "كنت مشغولة قليلًا." ابتسم "أعلم… فقط اشتقت للحديث معك." ابتسمت "وأنا أيضًا." لكن هذه المرة…ليان الحالية شعرت بها تلك الجملة…لم تكن صادقة بالكامل وضعت يدها على صدرها. "بدأت هنا…" ليس الكذب الكبير بل الصغير المشهد تباطأ كأن الزمن نفسه يريد أن يلفت انتباهها تلك اللحظات التي كانت تمر دون تفكير… أصبحت الآن واضحة. "هل أنتِ بخير؟" سألها في مشهد آخر. "نعم." "هل أنتِ متأكدة؟" ترددت ثم قالت: "نعم… أنا بخير." لكنها لم تكن كذلك. ليان الحالية أغمضت عينيها "كنت أختار السهولة…" المشهد بدأ يختفي ببطء ثم…عاد كل شيء إلى الغرفة جلست ليان على الكرسي هذه المرة…لم تكن منهكة بل…مفكرة. ظهر السطر أمامها: "البدايات لا تكون خاطئة… لكنها تكشف الاتجاه." رفعت نظرها "الاتجاه…" فهمت لم يكن الخطأ في كل شيء بل في… ما تجاهلته. "كنت أرى… لكنني لم أتوقف." صمت. ثم ظهر سطر آخر: "لأنكِ لم تري ما يكفي بعد." نظرت إلى الباب عاد من جديد. شعرت به. "هذا… ليس بداية." "لا." "ماذا إذن؟" صمت. ثم "التحوّل." تسارعت دقات قلبها. إذا كانت البداية… هكذا عادية فماذا عن… ما بعدها؟ اقتربت ببطء مدّت يدها لكن هذه المرة… لم تكن نفس ليان. لم تعد تلك التي تقول "لا بأس"، بل… تلك التي بدأت ترى وضعت يدها على الباب لكن هذه المرة… لم تفتحه مباشرة بقيت واقفة تفكر، شيء ما تغيّر فيها لم تعد ترى المشاهد فقط…بل بدأت تفهم ما بينها. "الاتجاه…" همست. أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول أن تسترجع إحساس تلك الفترة، لا فقط صورها ثم فتحت الباب. عاد المشهد لم يكن استمرارًا بل تفصيلًا كانت في نفس المقهى لكن هذه المرة، جلست بعيدًا قليلًا، تراقب من زاوية مختلفة. ليان القديمة كانت تضحك ضحكة خفيفة، عفوية. "أخبرني عن نفسك أكثر." قالت له. ابتسم، وبدأ يتحدث، عن يومه، عن أصدقائه، عن أشياء بسيطة. وكانت تستمع باهتمام لكن ليان الحالية لاحظت شيئًا صغيرًا. حين توقف عن الكلام…لم تتكلم مباشرة ترددت كأنها تبحث عن الجملة المناسبة. ليس الجملة التي تريد قولها…بل الجملة التي يجب أن تُقال. "وأنتِ؟" سألها. رفعت رأسها ثم قالت:"لا شيء مميز… يوم عادي." تجمدت ليان الحالية. "لماذا لم تقولي الحقيقة؟" لأنها كانت تملك ما تقوله لكنها…اختارت البساطة. اختارت أن لا تُظهر نفسها بالكامل. المشهد تحرك ببطء كأن الزمن يُعيد نفسه. "هل تحبين الخروج كثيرًا؟" سألها. سكتت ثم قالت: "ليس كثيرًا… أفضل الهدوء." نظرت ليان الحالية إليها بتركيز هذا ليس خطأ. لكن…هل كان هذا كامل الحقيقة؟ لا. كانت تحب الخروج أحيانًا، تحب التغيير لكنها قالت ما…يبدو مناسبًا. وضعت يدها على صدرها المشهد استمر، تفاصيل صغيرة. "أنا لا أحب التعقيد." قال. ابتسمت "وأنا أيضًا." لكن داخلها…كان هناك تعقيد، أسئلة، تردد، لكنها لم تقل شيئًا. مشهد آخر. كانت تمشي معه الحديث أقل هذه المرة، الصمت أطول. "هل كل شيء بخير؟" سألها. نظرت إليه ثم ابتسمت "نعم." نفس الجواب. ليان الحالية شعرت بشيء يتكرر ليس الحدث…بل الرد. "نعم." "لا بأس." "عادي." كلمات صغيرة…لكنها كانت تخفي أشياء أكبر. المشهد تباطأ مرة أخرى. "أشعر أنك سهلة التعامل." قال لها فجأة. ابتسمت "هذا جيد، أليس كذلك؟" "نعم… يجعل الأمور أبسط." ساد صمت خفيف. ليان الحالية شعرت بشيء غريب هذه الجملة…بدت كمدح لكنها لم تكن كذلك تمامًا. "أبسط… لمن؟" نظرت إلى نفسها. هل كانت تبسّط الأمور…أم تختصر نفسها؟ اختفى المشهد ببطء. لكن هذه المرة…لم تعد إلى الغرفة فورًا بقيت واقفة في مساحة فارغة بين المشاهد. صوت خافت ظهر: "ما الذي كنتِ تحاولين الحفاظ عليه؟" أغلقت عينيها ثم قالت: "الراحة…" صمت ثم أضافت: "وصورتي أمامه…" ظهر السطر: "وماذا فقدتِ؟" سكتت لم تجب بسرعة هذه المرة ثم قالت بصوت منخفض: "نفسي… بالتدريج." في تلك اللحظة…عاد كل شيء الغرفة، الكرسي، الصمت. جلست ببطء لم تكن حزينة لكنها...لم تعد غافلة، نظرت إلى الباب، كان هناك ينتظر لكن لم يكن مجرد باب كان استمرارًا. ظهر السطر الأخير: "ما بدأ بصمت… يتغير بصمت." تنفست بعمق "لكن النهاية…" صمت. ثم "لا تكون صامتة." نظرت إلى الباب. لم يكن لديها نفس الفضول فقط. بل…استعداد.حين فتحت ليان الباب الأخير، لم تنتقل بشكل مفاجئ كان الانتقال تدريجيًا كأن الغرفة البيضاء تذوب ببطء وتتحول إلى مكان مألوف. أرضية خشبية رائحة قهوة ضوء نهاري يتسرب من نافذة على اليسار. المركز. كانت في نفس الغرفة الأمامية الطاولة القريبة من الباب الكرسي القديم وعلى بجانب النافذة على الأريكة كان آدم جالسًا ينتظر. حين رآها، نهض ببطء لم يبتسم ابتسامته المعتادة الواثقة بدا مختلفًا أكثر حضورًا كأن الوقت الذي كانت فيه داخل المرحلة الثانية لم يكن وقتًا عاديًا بالنسبة له أيضًا. "عُدتِ" قال. "عدتُ" أجابت. جلست على الكرسي وجلس هو أمامها. لم يكن هناك سارة. لم يكن هناك أحد آخر في الغرفة. فقط هما قالت ليان: "كنتُ أعرفك من قبل." "نعم." "مقهى أنا كنتُ أكتب أنت انتظرتَ أحدًا." أومأ "أنا انتظرتُك." توقفت "ماذا تقصد؟" قال آدم ببطء: "في ذلك اليوم… لم أكن أنتظر أحدًا جلستُ بجانبك لأنني رأيتُكِ تكتبين." "لماذا؟" "لأنني في ذلك الوقت كنتُ في مرحلة ما بعد نظامي الخاص وكانت سارة تطلب مني أن أُلاحظ أن أرى من في محيطي قد يحتاج إلى ما مررتُ به." "إذن… رصدتَني؟" "لاحظتُكِ" أصحّح "هناك فرق" "وماذا
بعد محادثة سارة، لم تكن ليان تتوقع أن تعود إلى الغرف مجددًا. ظنت أنها ربما دخلت مرحلة مختلفة. مرحلة الفهم لا الرؤية. لكن النظام لم ينته منها بعد. كان هناك ما لم يُرَ. الباب ظهر بهدوء. ليس بشكل درامي. فقط ظهر. في الجدار الذي كان صمتًا. كأنه كان ينتظر أن تكون جاهزة قبل أن يُعلن عن نفسه. فتحته. كانت في غرفة كانت تعرفها جيدًا. غرفتها في الجامعة. في السنة الثانية. الساعة متأخرة. الكتب مفتوحة. على الشاشة مستند فارغ. وليان الصغيرة جالسة. لكنها لا تكتب. لا تقرأ. كانت تنظر إلى الشاشة. وتعبير وجهها كان من النوع الذي لا اسم له. ليس حزنًا. وليس ملًلًا. بل شيء يشبه البُعد. كأنها حاضرة في الجسد فقط. فاقتربت ليان الكبيرة وجلست بجانبها في الهواء. تذكرت تلك الليلة. كانت ليلة قبل امتحان مهم. وكان يفترض أن تُراجع. لكنها عجزت عن التركيز. ما لم تتذكره جيدًا هو السبب. فتحت ليان الصغيرة دفترًا صغيرًا كان مخبأً تحت الكتاب الأكبر. وبدأت تكتب. ليس مراجعةً. بل كلمات عشوائية. "أشعر أنني في المكان الخطأ. لا أقصد هذه الغرفة. أقصد… كل شيء." "أحيانًا أتساءل لو أنني لم أختر الصحافة. لو أنني فعلتُ ما أريد
الكتابة كانت خامًا غير مصقولة لكنها كانت حيّة. ثم دخل شخص إلى المقهى طلب قهوته وبينما ينتظر، نظر حوله ووقع نظره على ليان. اقترب "هل هذا الكرسي شاغر؟" رفعت ليان رأسها. نظرت إليه. "نعم." جلس طلب منها بنظرة خفيفة أن تتابع ما كانت تفعله. فتابعت. لكن بعد دقائق، قال: "تكتبين؟" "أحاول." "ما الذي تكتبينه؟" لم تقل "لا شيء مهم" كما كانت دائمًا تقول, قالت: "قصة عن فتاة لا تعرف ما تبحث عنه." "مثيرة للاهتمام." قال, "وأنتِ؟ هل تعرفين ما تبحثين عنه؟" رفعت عينيها. وقفت أمام السؤال لحظة. ثم قالت: "أحيانًا." ابتسم "اسمي آدم." تجمّدت ليان الكبيرة. كانت تعرف هذا الوجه الآن. كانت تعرف هذه الابتسامة. لكنها لم تربطه بآدم المركز لأن ما حدث بعد ذلك اليوم طمر هذه الذكرى تحت طبقات. في المشهد، قالت ليان: "ليان." "هل تمانعين إن جلستُ معك قليلًا؟ أنا أيضًا بانتظار أحد." "تفضّل." جلسا وتكلّما ليس طويلًا لكن تلك المحادثة القصيرة كانت مختلفة عن أي محادثة خاضتها في ذلك الوقت. لأنه لم يسألها عن تخصصها أو عن مستقبلها أو عن خططها. سألها: "ما الكلمة التي تحبين أن تكتبيها أكثر من غيرها؟" وتوقفت. وفكّ
لم تتوقع ليان أن تعود إلى المركز بهذه الطريقة. لم يكن دخولها إليه من باب المرحلة الثانية هذه المرة بل فجأة، دون مقدمات، كأن المشاهد انتهت وأُعيدت إلى نقطة البداية. الغرفة البيضاء الطاولة الكرسي ولا أبواب مرئية. وبعد لحظات، فُتح الباب من الجدار. ودخل آدم. لم يكن كما اعتادت أن تراه, ليس بتلك النظرة الواثقة الهادئة التي كان يعطيها في المركز, لم يكن متسرعًا ولا متوترًا. كان يبدو كمن يعرف أنه سيُسأل أسئلة لم يستعد لها كاملًا. جلس على الكرسي المقابل لها بيده كوبان من الشاي وضع أحدهما أمامها دون أن يقول شيئًا. نظرت إليه. ثم نظرت إلى الكوب, ثم قالت: "من أنت فعلًا؟" لم يُجب فورًا أمسك كوبه بكلتا يديه نظر إليها بصدق لم تعرف كيف تُصنّفه. "سؤال مباشر." قال. "بعد كل ما رأيتُه… أظن أنني أستحق إجابة مباشرة." أومأ ببطء "تستحقين." سكت لحظة. ثم قال: "اسمي آدم. وقبل أن أكون هنا… كنتُ حالة." تجمّدت ليان. "حالة؟ تقصد" "نعم كنتُ مثلك جلستُ في نفس هذه الغرفة رأيتُ نفس المشاهد دخلتُ نفس الأبواب." بقيت صامتة تحاول أن تهضم ذلك. "ومتى؟" "قبل أربع سنوات." "وسارة؟ هل كانت هي من يديرك؟" "نعم كان
الصورة السادسة كانت أثقل. كانت ليان تتحدث مع صديقتها نور عبر الهاتف. نور تسأ ل: "كيف حلك؟ لم نرك منذ فترة." تقول ليان: "أنا بحال جيد، فقط مشغولة قليلا." "مشغولة بماذا؟" توقفت ثم: "بكذا وكذا." لم تذكر اسمه. لم تذكر أنها قضت معظم وقتها الحر في الشهرين الأخيرين إما معه أو في انتظار رسائله أو في التعافي من يوم صعب معه. نور تضحك. "أشغال خاصة إذا. حسنا بالتوفيق إنشاء الله." ضحكت ليان معها. ثم أغلقت الخط. و جلست في صمت. وأدركت للمرة الأولى أنها لا تتذكر متى كانت آخر مرة تحدثت مع نور بصدق. الصورة السابعة: ليان أمام المرآة في الصباح. تنظر إلى نفسها. تسأل نفسها السؤال الذي يسأله كل إنسان يوميًا دون أن يسمعه: "كيف أنا؟" لا تعرف الجواب. وهذه المرة، لا تخترع جوابًا. فقط تنظر. وتمشي. انتهت الخارطة عند هذه الصورة. وقفت ليان الكبيرة ببطء. لم تقل شيئًا لفترة طويلة. ثم قالت: "لم يكن يعرف أنه كان يؤذيني." ظهر السطر:« وهذا لا يعني أنه لم يُؤذِكِ. » هضمت الجملة. "ولكن كنتُ أعرف؟" « كنتِ تشعرين. لكنكِ لم تُسمّي ما تشعرين به. » سكتت. ثم قالت بهدوء كاسر:"كنتُ أسمّيه حبًا." ليان جلست بهد
لم يكن الدخول إلى هذا الباب مريحًا. كان كأنها تضع قدمها في ماء بارد وتعرف أن الغطس الكامل لا مفر منه،،لكنها دخلت. الوقت تقدّم. ليان الآن في الثانية والعشرين. مرّ على تعرفها به أشهر. وما بدأ كلقاءات خفيفة وأسئلة مفاجئة ومريحة، تحوّل تدريجيًا إلى شيء آخر. ليس تحولًا مفاجئًا. لم يحدث شيء درامي واحد. بل كان تحولًا من النوع الذي يحدث مثل صعود منسوب الماء في حوض. ببطء. دون أن تلاحظي. حتى تجدي نفسك تصعّدين على أصابع قدميك لتتنفسيرأت ليان الكبيرة مشهدًا من صباح يوم عادي. ليان الصغيرة تُمسك هاتفها فور صحوها. ترسل رسالة. تنتظر. تنظر إلى الشاشة. ثم تضعه جانبًا. ثم تأخذه مرة أخرى. مرّت خمس عشرة دقيقة. لا رد. نهضت. غسلت وجهها. ارتدت ملابسها. أعدّت فطورها. لكن الهاتف كان يظل في متناول يدها دائمًا. كأنه حبل في حفرة. في النهاية جاء الرد: "صباح الخير. مشغول." ابتسمت ليان الصغيرة. ردّت: "هكذا إذن، يومك سعيد." لكن ليان الكبيرة رأت ما خلف الابتسامة. رأت إطار الكتفين وهي ترتخي قليلًا حين جاء الرد. رأت الزفرة الصغيرة. رأت الارتياح الذي لا يُفترض أن يحتاجه إنسان لمجرد أن شخصًا ردّ على رسالة صباحية
رفعت رأسها: "أنا فقط كنت خائفة عليك." ابتسم بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة مريحة: "دائمًا نفس الجملة." تجمدت: "وماذا تريدني أن أقول؟" رفع نظره إليها أخيرًا: "أن تكوني عادية." سكتت: "أنا لست عادية؟" تنهد: "أنتِ… كثيرة." الكلمة سقطت بثقل، "كثيرة في ماذا؟" "في التفكير، في القلق، في كل شيء."
حين وضعت ليان يدها عليه، شعرت بنبض خفيف… كأن ما خلفه ليس مجرد ذكرى، بل شيء حيّ، يتحرك، ينتظر. ترددت للحظة، لكنها لم تسحب يدها، دفعت الباب دخلت، لم يكن هناك انتقال مفاجئ، بل وجدت نفسها داخل المشهد مباشرة، كأنها لم تغادره أصلًا. غرفة، ضوء خافت هاتف موضوع على الطاولة، وصمت ثقيل. كانت ليان القديمة جا
لم يظهر الباب مباشرة. وقفت ليان في القاعة، ثابتة، و كأنها تنتظر شيئا تعرف أنه سيأتي قريبًا، ولكنه يتأخر عمدا. كان الهدوء هذه المرة مختلفًا… ليس فارغا ، بل مليئًا غير مرئي. شعرت به في صدرها. تغلب… مثل الآثار التي لم تُحسم. ثم ظهر السطر. "بعض القرارت… لا تكون أخطاء، بل تنازلات." رفعت ليان نظرها
كانت هي… نسخة أصغر منها. شعرها مربوط ببساطة، وعيناها مليئتان بالقلق… لكن فيهما شيء آخر: حلم. جلست ليان الصغيرة تمسك الورقة بقوة، ثم همست: "إلى متى سأبقى خائفة؟" شعرت ليان الحالية بشيء يتحرك داخلها… هذا الإحساس تعرفه جيدًا. اقتربت، ورأت ما في الورقة:"مباراة للالتحاق ببرنامج دراسي مميز" تجمدت… ن