Home / الرومانسية / أنياب القمر / الفصل العشرون:الغيره

Share

الفصل العشرون:الغيره

last update publish date: 2026-07-07 06:55:12

الفصل العشرون

الغيرة

الغيرة شعور لا يستأذن ولا يطرق الباب قبل الدخول. يدخل مباشرةً ويجلس في صدرك وكأنه كان هناك دائمًا ينتظر اللحظة المناسبة فقط.

هذا ما أدركته ليلى في اليوم التالي للحفل حين رأت سارة لأول مرة بهذه الطريقة التي جعلت شيئًا ما ينقبض في داخلها دون إذن.

سارة كانت ذئبة من القبيلة في الثامنة والعشرين من عمرها، جميلة بطريقة تعرف نفسها جيدًا وتعرف أثرها على من حولها تمامًا. طويلة القامة بشعر أسود قصير يُناسب ملامحها الحادة الجميلة، وعيون عسلية دافئة تبدو دائمًا كأنها تعرف شيئًا إضافيًا عمّا تقوله. وقفت بجانب راكان في الممر الرئيسي تتحدث إليه بأريحية لافتة تدل على صداقة قديمة راسخة اختبرتها السنوات الطويلة، يدها لمست ذراعه للحظة خفيفة طبيعية تمامًا، ابتسامتها موجّهة إليه بطريقة تعرف تأثيرها.

مرّت ليلى من الممر المقابل بخطوات عادية لا تتغير في سرعتها أو إيقاعها. لم تتوقف. لم تتباطأ. لم تنظر أكثر من اللازم بأي شكل من الأشكال.

لكن شيئًا في صدرها احترق بطريقة مفاجئة لم تكن تتوقعها ولم تكن مستعدة لها في تلك اللحظة على الإطلاق.

جلست في غرفتها بعد ذلك مباشرةً وأمضت عشر دقائق كاملة تُقنع نفسها بأن ما شعرت به لم يكن ما تظنه. وأمضت عشر دقائق أخرى تعترف لنفسها بهدوء صادق بأنه كان بالضبط ما تظنه.

الغيرة. من رجل لا تملكه ولا يملكها بأي معنى رسمي أو معلن بينهما. من رجل قال أشياء تقترب وتلمح لكنها لا تصل بالضبط لحد الاعتراف الكامل المباشر. من رجل عيناه الذهبيتان تقولان ما لا يقوله لسانه في معظم الأوقات، كأنه يؤمن بأن اللسان كلمة والعيون هي الحقيقة الحقيقية.

جلست وأدارت الأمر في رأسها بعقل يحاول أن يكون موضوعيًا. ما الذي تعرفه عن سارة؟ لا شيء تقريبًا. رأتها مرتين أو ثلاث مرات من قبل في الممرات والحديقة الداخلية. لا كلام بينهما. لا تعارف حقيقي. لا سبب منطقي يجعلها تحكم على أي شيء بناءً على لحظة واحدة رأتها فيها تتحدث مع راكان بطريقة طبيعية تمامًا.

لكن القلب لا يعمل بالمنطق دائمًا. وهذا بالضبط ما يُزعج ليلى أكثر من أي شيء آخر. أنها تشعر بشيء لم تقرر أن تشعر به.

* * *

صوت نادر من باب الغرفة المفتوح أنقذها من دوامة أفكارها الدائرة في حلقات لا تنتهي: ما بكِ يا ليلى؟

قالت بسرعة: لا شيء.

قال بهدوء: وجهكِ يقول خلاف ذلك بوضوح لا يحتاج ترجمة من أحد.

قالت بحزم أكبر: وجهي شأني وحدي.

دخل ببطء ووقف بهدوء دون أن يجلس. قال مباشرةً دون مقدمات: سارة. رأيتِها معه في الممر الرئيسي.

لم يكن سؤالاً. كان ملاحظة هادئة لشخص يعرف ما رآه وما يعنيه.

قالت إنها لا تهتم بمن يتحدث إليه راكان في يومه.

قال حسنًا بنبرة لا تُصدّق ولا تُكذّب. ثم جلس. وقال إن سارة صديقة قديمة تربطها وراكان صداقة حقيقية من طفولة مشتركة في هذا المجمع لا أكثر من ذلك ولا أقل منه. وهي منذ سنتين خطيبة شاب من قبيلة حليفة تسكن في المجمع المجاور. زفافها بعد شهر واحد فقط.

كرّرت ليلى بإصرار: قلت إنني لا أهتم بهذه التفاصيل.

ابتسم نادر ابتسامته المحسوبة التي لا تُعطي أكثر مما يريد. وقال إنه تمامًا وأنه لم يقل له أهمية خاصة. كان فقط يُعطيها معلومة بلا طلب منها. عادته أحيانًا حين يرى ضرورة لذلك.

نظرت إليه بعيون تسأل الحقيقة المباشرة. سألته لماذا يُخبرها بهذا كله تحديدًا.

نظر إليها بعيون تزن ما ستقوله بدقة حقيقية. ثم قال ببطء مقصود: لأنكِ تُهمّين له بطريقة لا يقولها بسهولة لأي أحد. وهو لن يقول ذلك بسهولة لأن هذا ليس أسلوبه المعتاد في الحياة أبدًا. فأحيانًا يحتاج شخص آخر يملأ الفجوات الصغيرة قبل أن تكبر وتتحوّل إلى مسافات كبيرة لا يمكن تجاوزها.

صمت في الغرفة ثقيل وطويل. ثم قالت ليلى بصوت أهدأ وأصدق: هو لا يُهمّني بالطريقة التي تقصدها أنت.

قال نادر بهدوء: حسنًا. وأنا لم أقل بأي طريقة تحديدًا في حديثي كله.

خرج وتركها مع أفكارها وحدها.

* * *

في المساء وهي تمشي في الممر نحو غرفتها، قابلت راكان بالصدفة الحقيقية غير المدبّرة. توقفا في نفس اللحظة بشكل طبيعي.

قال إنه سمع أن التدريب اليوم مع طارق كان جيدًا ومثمرًا.

سألته مباشرةً: وهل أنت تتابع تقارير عن تدريب كل شخص في المجمع بهذا الاهتمام الشخصي الكبير؟

قال ببساطة: لا.

قالت: إذن.

صمت راكان صمتًا ليس من نوع التهرّب والمراوغة. بل صمت من يُرتّب الكلمات بعناية حقيقية لأنها مهمة ويريدها صحيحة ودقيقة.

قال بصوت منخفض هادئ: ليلى. بعض الأشياء تحتاج وقتها الصحيح والمناسب لتُقال بشكل صحيح. لكن كلمة غير مهمة ليست كلمة دقيقة أبدًا لوصف ما أنتِ عليه بالنسبة لي.

قالها وانتظر ما سيأتي دون أي ضغط أو استعجال أو توقع محدد.

لم تقل ليلى شيئًا لثانية طويلة وثقيلة. ثم قالت ببطء مقصود واضح: هذا بداية جيدة. لكنه ليس كافيًا وحده ولا يكفي.

قال: أعرف ذلك جيدًا. لهذا لم أقله في وقت سابق من قبل. لأنني أعرف أنه ليس كافيًا وحده وأحتاج أن أُتبعه بما يستحق الوقت والصدق والأفعال الحقيقية لا الكلمات الجميلة فقط.

مشت ليلى في طريقها ببطء محسوب. وخلفها لم تسمع صوت خطواته يبتعد إلا بعد لحظة طويلة. لحظة كان فيها لا يزال واقفًا في مكانه يفكّر فيما قاله وما لم يقله بعد ولا يزال ينتظر وقته.

* * *

في غرفتها تلك الليلة، جلست ليلى أمام النافذة وفكّرت في كل ما حدث خلال يوم واحد مليء بالأحداث الصغيرة الكبيرة. الغيرة التي جاءت دون إذن وكشفت شيئًا لم تكن مستعدة لرؤيته في نفسها. واعتراف نادر الذي جاء بدون طلب وملأ فجوة كانت تتجاهل وجودها. وكلمات راكان التي جاءت أخيرًا بحذر من رجل لا يُطلق الكلمات إلا حين يزنها جيدًا.

فتحت دفترها وكتبت: الغيرة تُخبرنا بأشياء نحن لا نريد الاعتراف بها. هي ليست ضعفًا مخجلاً. هي معلومة عن أنفسنا الحقيقية. ومن يتجاهل المعلومات لا يصبح أكثر قوةً. يصبح فقط أقل وضوحًا مع نفسه.

أضافت تحتها: وأنا لا أريد أن أكون غير واضحة مع نفسي في هذا المكان. هنا أكثر من أي مكان آخر في حياتي كلها.

أغلقت الدفتر ونظرت للقمر من النافذة. كان يكبر كل ليلة ببطء محسوب نحو اكتماله. ست أيام فقط. وكل يوم يمر كانت تشعر أنها أصبحت أقرب قليلاً لفهم من تكون حقًا في هذا العالم الجديد الذي وجدت نفسها فيه بالصدفة في ليلة مطر وضياع في الغابة. وأنها، لأول مرة في حياتها، لا تريد أن تعود لما كانت عليه قبل تلك الليلة.

في الصباح التالي استيقظت ليلى مبكرًا قبل أن يجيء نادر. أخرجت كاميرتها ونظرت إلى آخر الصور التي التقطتها في حفل البارحة. الضوء الذهبي المتراقص على وجوه الناس. الأشجار في الخلفية كأنها تراقب بعيون قديمة صامتة.

وصورة واحدة التقطتها بالخطأ تقريبًا حين كانت الكاميرا في يدها ولم تقرر بعد: راكان واقف في طرف الساحة، وجهه ليس نحو الكاميرا. كان ينظر في اتجاه واحد فقط. في اتجاه المكان الذي كانت فيه هي بالضبط في تلك اللحظة.

نظرت إلى الصورة طويلاً دون أن تتحرك. ثم أعادت الكاميرا إلى حقيبتها بهدوء. بعض الأدلة لا تحتاج تفسيرًا طويلاً. تحتاج فقط أن تتوقف وترى ما هو أمامك.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنياب القمر    الفصل الخمسون: تحت القمر المكتمل

    مرت أشهر عديدة منذ حفل التتويج، واستقرت الأوضاع في القبيلة بشكل ملحوظ تحت قيادة راكان وليلى المشتركة، التي أثبتت نفسها يومًا بعد يوم كملكة حكيمة وعادلة، تجمع بين قوة الذئبة البيضاء وحكمة حارسة الذاكرة في شخصية واحدة متكاملة أحبها أفراد القبيلة جميعًا دون استثناء تقريبًا، حتى أولئك الذين تحفظوا في البداية على رابطتها مع الملك بسبب دمها المزدوج.لم يظهر صاحب العينين الحمراوين مرة أخرى طوال هذه الأشهر، لكن راكان وليلى لم يتوقفا عن الحذر واليقظة، مدركين أن ظله قد يعود يومًا ما، ربما بعد سنوات، ربما في جيل قادم، تمامًا كما عاد بعد هروب فاطمة الأولى قبل ثلاثة وثلاثين عامًا. قررا معًا أن يوثقا كل تفاصيل هذه القصة في أرشيف الذاكرة بدقة متناهية، ليكون درسًا للأجيال القادمة، بدلًا من إخفاء الحقيقة كما فعلت الأجيال السابقة خوفًا من مواجهتها.في مساء أحد الأيام، تحت ضوء قمر مكتمل جديد أضاء سماء الوادي بأكمله، وقفت ليلى وراكان معًا على الشرفة نفسها التي شهدت الكثير من محادثاتهما المهمة عبر هذه الرحلة الطويلة. أخبرته ليلى بابتسامة مشرقة عن خبر جديد أثار فرحًا عارمًا بينهما: أنها تحمل الآن حياة جديد

  • أنياب القمر    الفصل التاسع و الاربعون : تتويج الملكه

    بعد أسابيع قليلة من استقرار الأوضاع الأمنية بشكل ملحوظ، قرر مجلس الحكماء أن الوقت حان أخيرًا لتنظيم حفل تتويج رسمي لليلى كملكة كاملة الصلاحيات للقبيلة، إلى جانب راكان، تكريمًا لدورها المحوري في حماية القبيلة خلال أحلك أوقاتها، ومكافأة لشجاعتها ونكرانها لذاتها التي أثبتتها مرارًا عبر هذه الرحلة الطويلة والشاقة منذ وصولها الأول إلى هذا العالم الغريب عليها في البداية.استقبلت ليلى هذا الخبر بمزيج من الفخر والتواضع الحقيقي، وقالت لراكان بصدق: «لا أشعر أنني أستحق لقب ملكة بقدر ما أشعر أنني جزء من عائلة كبيرة أحمي أفرادها بكل ما أملك من قوة وحب.» ابتسم راكان بحنان، وقال: «وهذا بالضبط ما يجعلك تستحقين هذا اللقب أكثر من أي شخص آخر، لأن القيادة الحقيقية تنبع من الحب والتواضع، لا من الرغبة في السلطة أو التفاخر بالمكانة.»تحضّرت القلعة لحفل التتويج بحماس متجدد، وشارك الجميع في الترتيبات: طارق تولى تنظيم عرض عسكري رمزي بمشاركة كل المحاربين الذين قاتلوا في المعركة الكبرى، بينما أشرفت سيرا على الجانب الروحي للطقس التتويجي التقليدي، الذي يتضمن وضع تاج فضي قديم توارثته الملكات السابقات عبر أجيال طويل

  • أنياب القمر    الفصل الثامن و الأربعون: ظل يعود

    بعد أسبوع من احتفالات الاقتران التي امتدت بفرح متجدد عبر القبيلة بأكملها، وصل خبر مقلق كسر هذا الهدوء النسبي: رُصدت مجموعة صغيرة من أتباع صاحب العينين الحمراوين المتبقين تتجمع مرة أخرى قرب الحدود الشمالية، في محاولة يائسة أخيرة ربما، لكنها لا تزال تشكل تهديدًا حقيقيًا يجب التعامل معه بجدية تامة قبل أن يتفاقم إلى أزمة أخرى مماثلة لما سبق.جمع راكان قادته فورًا لمناقشة الموقف، وقرروا إرسال فريق صغير بقيادة نادر وطارق للتحقيق في الأمر عن كثب دون الدخول في مواجهة مباشرة إلا إذا كان ذلك ضروريًا تمامًا. طلبت ليلى المشاركة في هذه المهمة، مدركة أن خبرتها المتزايدة في التعامل مع أتباع هذا الرجل الغامض قد تكون حاسمة لفهم نواياهم الحقيقية ومنع أي تهديد مستقبلي محتمل ضد القبيلة وأمنها المستعاد بصعوبة بالغة.وافق راكان بتردد، مشترطًا مرافقته لها شخصيًا هذه المرة، غير مستعد لتحمل فكرة تعرضها لأي خطر إضافي بعد كل ما مرا به معًا. انطلق الفريق الصغير عند الفجر، متتبعين أثر المجموعة المشبوهة عبر تضاريس وعرة قرب الحدود، حتى وصلوا أخيرًا إلى معسكر صغير مؤقت مخفي بين الأشجار الكثيفة، حيث وجدوا عددًا قليلً

  • أنياب القمر    الفصل السابع و الأربعون: طقس الاقتران

    حلّت أخيرًا ليلة طقس الاقتران، تحت قمر مكتمل ثانٍ أضاء سماء القلعة بضوء فضي ساحر يشبه إلى حد كبير ذلك الذي رافق ليلة استيقاظ الذئبة البيضاء قبل أسابيع قليلة. تجمّع أفراد القبيلة بأكملهم في الساحة الكبرى، مرتدين أفضل ثيابهم، ينتظرون بترقب حقيقي بداية أعظم احتفال شهدته هذه الأسوار منذ سنوات طويلة مضت.ارتدت ليلى ثوبًا أبيض طويلًا مطرزًا برموز فضية دقيقة تشبه تلك الموجودة على علامتها، من تصميم سيرا نفسها التي أشرفت على كل تفصيلة بحب وعناية فائقة. وقفت أمها بجانبها تساعدها في اللمسات الأخيرة، ودموع الفخر تملأ عينيها وهي ترى ابنتها تستعد للحظة لم تكن تحلم يومًا أن تشهدها بأم عينيها بعد كل سنوات الغياب والخوف الطويلة.دخلت ليلى الساحة الكبرى وسط تصفيق حار وعواء جماعي مهيب، ووجدت راكان ينتظرها عند النصب الحجري القديم، مرتديًا زيًا ملكيًا فاخرًا يليق بهذه المناسبة التاريخية. تبادلا نظرة طويلة مليئة بكل ما مرا به معًا، من اللقاء الأول في الغابة إلى المعركة الكبرى، وشعرا كلاهما أن كل لحظة ألم سابقة كانت تستحق الوصول إلى هذه اللحظة بالذات.بدأت سيرا الطقس بتلاوة كلمات قديمة بلغة الحراس الأصلية،

  • أنياب القمر    الفصل السادس و الأربعون: التحضير لطقس الاقتران

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل الخامس و الأربعون: لقاء بعد غياب

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل العاشر : التحدي

    الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه

  • أنياب القمر    الفصل التاسع: الخيوط

    الفصل التاسعالخيوطجلسا على جانبي الطاولة الكبيرة في مكتب راكان والمفكّرة بينهما.الساعة كانت قبل الضحى بقليل، الضوء يدخل من النافذة الكبيرة بزاوية باردة، وكوبا قهوة يُبخّران في أطراف الطاولة لم يتجرّع منهما أحد بعد. قرّر راكان أن يقرأ بصوت عالٍ والمفكّرة في يده، وقرّرت ليلى أن تستمع وتكتب ما يلزم

  • أنياب القمر    الفصل الثامن: الكتاب

    الفصل الثامنالكتابوجدت المفكّرة بالصدفة.أو هكذا ظنّت.كانت تُرتّب غرفتها في الصباح، تلك العادة التي لا تتركها حتى في الظروف الغريبة، حين لاحظت أن لوح الخشب الصغير في أسفل الخزانة لا يتسق مع باقي الألواح. اللون نفسه، الخشب نفسه، لكن زاوية واحدة فيه مرفوعة بمقدار لا يكاد يُرى.ضغطت عليها.اللوح ان

  • أنياب القمر    الفصل السابع: الهروب الاول

    الفصل السابعالهروب الأولفي اليوم الرابع، قرّرت ليلى أنها ستهرب.ليس لأنها خائفة، وليس لأنها لا تريد معرفة الحقيقة. لكن لأنها أدركت شيئًا حين استيقظت في الصباح وشاهدت الحارس الذي يقف دائمًا في نهاية الممر: أنها تستطيع قبول البقاء في مكان باختيارها، لكنها لا تستطيع قبول البقاء بغير اختيارها. الفرق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status