Masukكانت ساعات الصباح الأولى في هذا اليوم الدراسي الجديد تحمل شعورًا غريبًا لا يشبه أي يوم عشته من قبل.
مزيج من التوتر والفضول كان يرافق خطواتي، وكأنني أقف على حدود عالم جديد لا أعرف قوانينه بعد. أصوات الطلاب تملأ الممرات الواسعة، ضحكات هنا، أحاديث هناك، ووجوه كثيرة تمر بجانبي دون أن تعرف شيئًا عن الماضي الذي أحمله خلف هدوئي. لأول مرة منذ سنوات… لم أكن ابنة عائلة عظيمة. لم أكن فردًا من عائلة تحمل اسمًا يجعل الجميع ينظرون إليّ بطريقة مختلفة. هنا فقط… كنتُ مارس. طالبة عادية اختارت أن تختفي بين الآخرين. كانت جيسيكا تسير بجانبي بخطواتها المعتادة، تحمل ذلك الدفء الغريب الذي لم أعتد عليه. لم تكن تخاف من برودي، ولم تحاول كسر صمتي بالقوة، بل كانت موجودة فقط… وكأن وجودها وحده يقول لي إنني لست وحدي. بالنسبة لي، كانت جيسيكا أشبه بشعاع صغير اخترق سنوات الظلام الطويلة التي عشتها. توقفنا في منتصف الممر للحظات. لم أجد الكلمات المناسبة للرد على ما قالته سابقًا، لذلك اكتفيت بهز رأسي قليلًا، وأنا أخفض نظري نحو الأرض. كان الأمر غريبًا. أن تجد شخصًا يهتم بك دون مقابل. أن تسمع كلمات صادقة دون أن تبحث خلفها عن سبب مخفي. فأنا لم أعتد ذلك. طوال طفولتي، كنت أعيش على بقايا اهتمام عائلتي، أنتظر نظرة رضا أو كلمة حنان، لكنني في النهاية تعلمت أن الانتظار الطويل لا يغير شيئًا. لذلك بنيت جدارًا حول قلبي. جدارًا جعلني لا أحتاج أحدًا. أو هكذا كنت أعتقد. أخذت نفسًا عميقًا وأنا أتأمل المكان من حولي. مدرسة سينت بول الثانوية. كل شيء هنا مختلف. هادئ. بعيد. لا يشبه أبدًا أكاديمية نوبل الملكية التي يدرس بها إخوتي. تلك الأكاديمية التي لم تكن مجرد مدرسة، بل عالمًا آخر مليئًا بالنفوذ والكبرياء، عالمًا كنت أشعر فيه دائمًا أنني الشخص الخطأ. هناك… كان اسمي مرتبطًا بالمقارنات. بالفشل. وبإيلينا. إيلينا التي كان الجميع يراها مثالية. أما أنا فكنت دائمًا الشخص الذي يثبت وجوده بصعوبة. لكن هنا؟ أنا مجرد طالبة عادية. وهذا بالضبط ما أردته. لقد تعمدت خفض درجاتي في اختبار القبول. تعمدت أن أبتعد. ليس لأنني غير قادرة على النجاح، بل لأنني كنت أبحث عن مكان لا تصل إليه عيون عائلتي. مكان لا أضطر فيه إلى ارتداء قناع الابنة الجيدة. توقفنا أمام لوحة الإعلانات المعلقة على الجدار. كانت تحتوي على جداول الحصص والأنشطة، لكن عيني لم تكن تقرأ الكلمات حقًا. كان عقلي مشغولًا بسؤال واحد: ماذا سيحدث لو اكتشفوا الأمر؟ ماذا لو عرفت عائلتي أنني اخترت بنفسي الابتعاد عن عالمهم؟ هل سيغضبون؟ هل سيهتمون أصلًا؟ أم أنهم سيرون الأمر كفرصة للتخلص من الابنة التي لطالما اعتبروها عبئًا؟ قطعت جيسيكا أفكاري وهي تنظر إليّ بابتسامة خفيفة: — "إذاً يا مارس… هل تعتقدين أن إخوتك في أكاديمية نوبل اكتشفوا أمر مدرستك الجديدة؟ أم أنهم ما زالوا يظنون أنكِ تبكين في غرفتك بالقصر بسبب درجاتك المتدنية؟" ارتسمت على وجهي ابتسامة ساخرة قصيرة. — "لا يهمني ما يظنونه." نظرت أمامي وأكملت ببرود: — "هم مشغولون الآن بإيلينا كعادتهم. غيابي بالنسبة لهم ليس خسارة… بل راحة من وجود الابنة السيئة." ساد الصمت للحظات. لم تقل جيسيكا شيئًا. كانت تعرف. تعرف أن هناك جروحًا لا تحتاج إلى أسئلة، بل تحتاج فقط إلى شخص يبقى بجانبك. لذلك اكتفت بوضع يدها على كتفي بحنان. ثم واصلنا السير نحو الفناء الخارجي. --- عند البوابة الرئيسية، كان الحارس الأمني السيد بروس يقف في مكانه المعتاد. عيناه تراقبان الطلاب الجدد بدقة، بينما كان يسجل بعض الملاحظات في دفتره. عندما مررتُ أمامه، توقفت عيناه عليّ للحظة. (من منظور الحارس بروس) راقبت الطالبة الجديدة ذات النظرات الباردة. كان هناك شيء مختلف فيها. معظم الطلاب الجدد يظهر عليهم القلق والخوف في يومهم الأول. لكن هذه الفتاة؟ كانت تسير وكأنها لا تخشى شيئًا. وكأنها لا تنتمي لهذا المكان… أو ربما تنتمي أكثر مما ينبغي. زفرت بهدوء وتمتمت: — "طالبة جديدة تحمل المتاعب معها… يبدو أن الأيام القادمة لن تكون هادئة." --- لو سمعت كلماته، ربما كنت سأبتسم بسخرية. فهو لم يكن مخطئًا تمامًا. أنا لم أكن فتاة عادية تبحث عن بداية جديدة فقط. كنت فتاة تهرب. تهرب من قصر فاخر كان يشبه السجن. ومن عائلة جعلتني أتعلم كيف أعيش دون انتظار الحب. ابتعدنا عن البوابة الرئيسية، حتى وصلنا إلى الساحة الخلفية التي تحيط بها الأشجار. هناك فقط… وجدت الهدوء. جلست على أحد المقاعد الحجرية، وأسندت رأسي إلى الجدار، وأغمضت عيني. الهواء هنا مختلف. لا أوامر. لا مقارنات. لا نظرات تشعرني بأنني أقل من غيري. فقط أنا… والسماء. جلست جيسيكا بجانبي، ثم قالت بابتسامة هادئة: — "تبدين مرتاحة هنا يا مارس." فتحت عيني ببطء ونظرت إلى السماء الصافية. لأول مرة، لم أشعر بالحاجة إلى إخفاء الحقيقة. قلت بهدوء: — "أنا لست مرتاحة فقط يا جيسيكا…" توقفت للحظة. ثم تابعت: — "أنا أشعر ولأول مرة منذ سنوات… أنني أتنفس بحرية." ظلت الرياح تداعب أطراف شعري، بينما كانت أوراق الأشجار تسقط بهدوء فوق العشب. كانت لحظة بسيطة. لكنها كانت أغلى من كل الذهب والزخارف التي أحاطت بها غرفتي في القصر. لأنني أدركت أخيرًا… أن ترك ذلك العالم لم يكن هروبًا. بل كان محاولة لإنقاذ آخر جزء مني. لكنني لم أكن أعلم… أن الماضي الذي حاولت الهروب منه، كان قد بدأ بالفعل في البحث عني.بقي كاين جالساً مكانه على المقعد الخشبي، عيناه الداكنتان مثبتتان بوجه جيسيكا وكأنهما تتوهجان بنور غريب، نقيض تام لما كان عليه قبل ساعات من جنون دامٍ وهستيريا مدمرة. كان يبدو بهيئته تلك، بعد كل ذلك الصراع، كجرو صغير مكسور الجناحين، تعرض لعواصف الشتاء القاسية، وجلس بصمت ذليل وصبر مرير، ينتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تلتفت فيها إليه لتمنحه إشارة رضا تروي ظمأ روحه المعذبة. لم يكن يطلب ملكاً ولا سلطاناً، بل كان يترقب بصمت مغموس بالهوس أبسط مكافأة تثبت له أنه ليس منبوذاً تماماً.تأملت جيسيكا حاله بعينين تحوطهما حيرة عميقة وصدمة لم تندمل بعد. لقد أخضعت الوحش، نعم، ووضعت القيود في يديه عبر كلماتها البسيطة، لكنها الآن تواجه سؤالاً معلقاً في الهواء كثقل الجبال: ما هي المكافأة التي ينتظرها هذا الكائن المكسور؟ هل أقصى ما يطمح إليه هو تواصل هزيل عبر مكالمة هاتفية عابرة تطمئن قلبه؟ أم أنه ينتظر منها نظرة قبول موهومة، أو وعداً بلقاء قريب يعيد تزيين عالمه المظلم بالضوء؟استمر كاين في الصمت لبرهة، وشفتيْه المرتجفتين تفرّان بابتسامة صغيرة، باهتة، ومكسورة، كأنه يخشى أن يتنفس بقوة فيفسد سحر
مرت الساعات التالية لذلك الليل المرعب بطقل بطيء وكأنها الدهر بأسره، تتقاطع فيها ظلال الخوف القديم مع واقع جديد لم تكن جيسيكا تتخيل يوماً أنها ستجد نفسها متربعة على عرشه. كانت جيسيكا مستلقية بهدوء على سريرها الأبيض في الغرفة الفردية المعقمة، وعيناها الواسعتان مثبتتان بسقف الغرفة البارد، تتابعان انعكاسات ضوء الفجر الخافت وهو يتسلل ببطء عبر الزجاج.في المقابل، كان كاين جالساً على المقعد الخشبي المجاور للسرير، بهيئة تشبه الحارس الأمين أو الجندي الخاضع أمام عرش مليكته. لم يكن يجرؤ على التحرك بحرية أو إصدار أي صوت يزعج سكون المكان، وكانت عيناه اللتان غادرتهما أمارات الجنون الصاخب تحومان حول وجه جيسيكا باستمرار، مفعمتين بولع أعمى وطاعة مطلقة تخطت حدود المعقول والمنطقي. لم يعد ذلك المعتدي الذي يقتحم الخلوات عنوة، بل تحول بقرار منها إلى مخلوق أسير لكل حرف ينطق به لسانها.حين اقترب طلوع النهار وبدأت حركة المستشفى تدب ببطء في الممرات الخارجية، أدركت جيسيكا أن الوقت قد حان لاختبار هذه القوة الجديدة والمرعبة التي أصبحت بين يديها. لقد أصبحت تملك زمام هذا المارد المجنون بحرف واحد، وبات كاي
ساد صمت ثقيل، مخيف، ومطبق أرجاء الغرفة البيضاء، لم يقطعه سوى أنفاس كاين المتهدجة والمتسارعة واهتزازات جسده الباكي الذي استكان أخيرًا بين طيات أذرع الطمأنينة الوهمية التي منحتها إياه. كان يعتصم بخصرها وكأن الكون بأسره سينهار ويزول لو تجرأ على أرخاء قبضته عنها ولو لثانية واحدة من الزمن. رفعت جيسيكا بصرها الفارغ نحو سقف الغرفة، بينما كان كاين يرفع وجهه الباكي، المحمر، والمغطى بآثار الانهيار، وكانت عيناه اللتان تتلألأن ببريق جنوني ومظلم تحومان حول وجه جيسيكا شاحب الملامح وكأنه يرى فيها مقدساته الوحيدة.وبحركة بطيئة ومتعمدة، مد يده الملطخة بدماء المعركة الوهمية التي خاضها باسم هوسه، فرفع يدي جيسيكا الباردتين والمرتجفتين برفق شديد إلى وجهه. ضغط بقبلات عميقة، ملتهبة، محمومة، ومتكررة على راحتي يديها مراراً وتكراراً، وكأنه يقدس إنسانة نزلت لتوها من السماوات، قبل أن يهمس بصوت أبح، متحشرج، ومثقل بولع مريض ومخيف:— "سوف أحمل عنكِ كل ثقل، وكل همّ، وكل ألم في هذه الحياة يا جيسيكا... كل الأشخاص الذين ترغبين بوجودهم، وكل من تحبينهم بصدق، لن يمسهم أي سوء أبداً ما دمت أنا حياً. حتى مارس... تل
تجمّدت في عيني جيسيكا كل معاني الحياة والحركة لثوانٍ معدودة كادت أن تفصل بين الوجود والعدم. كان انعكاس نصل السكين الفضي اللامع على جلد رقبة كاين يبرق ببرودة مميتة ومرعبة، بينما كانت أنفاسه المتقطعة والساخنة تخترق صمت الغرفة البيضاء المعقمة وكأنها طبول حرب وشيكة تفصل بين الحياة والموت. كانت تعلم جيداً، وبكل ذرة خوف ورعب حقيقي يشكّل خلايا جسدها المرتجف، أن كاين لم يكن يلوّث التهديدات بالانتحار للتلاعب بمشاعرها أو إجبارها على الخضوع فقط؛ بل كان جاداً لدرجة مطلقة، ومستعداً لإزهاق روحه البائسة في تلك اللحظة لو شعرت حواسه بأنه خسرها نهائياً وإلى الأبد.كانت الغرفة غارقة في صمت مطبق لا يقطعه سوى صوت نبضات قلبها الذي يكاد يخترق قفصها الصدر، ورائحة الدم القرمزية الجافة التي تنبعث من معطفه كشاهد صامت على هوسه.— "كاين... أرجوك... أرجوك توقف حالا!" صرخت جيسيكا بصوت مبحوح، ممزق، ومخترق تماماً بالدموع التي تفجرت بلا توقف من عينيها، ومدت يدها المرتجفة ببطء شديد وتوتر لا يصفه كلام نحو يده التي تحمل السكين، محاولة بكل ما أوتيت من قوة هادئة وحذرة أن تبعد النصل القاتل عن رقبته المعرضة للخطر.
حلّ ليل اليوم قبل الأخير في المستشفى بثقل غريب ومريب. كان السكون يلف الممر الطويل تماماً، وكأن أجهزة المراقبة الطبية قد خفضت أصواتها لتفسح المجال لكابوس جديد على وشك أن يتجسد. كانت جيسيكا تستلقي على سريرها الأبيض، تغط في هدوء نسبي بعد يوم متعب من جلسات العلاج الطبيعي، وتتطلع باطمئنان إلى نافذة الغرفة المفتوحة قليلاً لدخول الهواء البارد.وفجأة، لم تكن هناك أصوات خطوات منتظمة أو إنذارات مسبقة. انفتح باب الغرفة الفردية ببطء شديد، وانزلق ظل طويل ومظلم إلى داخل الغرفة.تجمّد دم جيسيكا في عروقها حين ألقت نظرة نحو الوافد الجديد.كان كاين. لكنه لم يكن ذلك الشاب الأنيق والهادئ الذي اعتادت رؤيته بملابسه المرتبة ومعطفه الأسود الفاخر. كان منظره هذه المرة صادماً ومرعباً إلى أبعد حدود التصور؛ فملابسه البيضاء والداكنة كانت ملطخة بالكامل ببقع دم قرمزية داكنة وجافة، وتحديداً عند منطقة الكتفين والصدر، وشعره الداكن المبعثر كان مبللاً بعرق بارد، وعيناه المحمرتان كانتا زائغتين ولامعتين ببريق محموم يمزج بين الجنون المطلق، الإنهاك التام، وطفل صغير ضائع يبحث عن ملجأ.أما جيسيكا، فقد شحب وجه
مرت الأيام المتبقية من الأسبوع بسلام غريب وغير متوقع على جيسيكا داخل غرفتها الفردية في المستشفى. بعد زيارة مارس وزوي، وكأن حاجزاً من الخوف المطلق قد انكسر، واستبدل بسكينة هادئة جعلتها تتنفس بعمق لأول مرة منذ أسابيع طويلة. لم يعد شبح كاين يلاحقها في كل ثانية، وبدأت تتقبل فترة الراحة الإجبارية هذه كفرصة ذهبية لتصفية ذهنها، وترتيب أفكارها، والابتعاد عن صخب المدرسة وضغوط الحياة اليومية.كانت الصباحات تبدأ بهدوء مع أشعة الشمس الباهتة التي تتسلل عبر زجاج النافذة، يتبعها دخول الممرضة بخطوات منتظمة لتقديم الفطور وجلسات العلاج الطبيعي الخفيفة لساقها التي بدأت بالتعافي تدريجياً وتجاوز مرحلة التورم الحاد. كانت جيسيكا تقرأ بعض الكتب الرواية الهادئة، أو ترسم بقلم الرصاص خطوطاً عشوائية على دفاتر ملاحظاتها، مستمتعة بهذا الانعزال المؤقت الذي جعلها تشعر أنها تحت حماية غير مخفية، وبأن عقل مارس الرزين وكلماتها الداعمة تظلان ترفعان معنوياتها حتى من بعيد.وفي منتصف الأسبوع، تكررت زيارات زوي ومارس المسائية القصيرة بعد انتهاء الدوام المدرسي. كانت زوي تدخل دائماً بصخبها الجميل وحيويتها ال







