Masuk
لطالما شعرتُ أنني وُلدتُ في المكان الخطأ.
منذ اللحظة التي فتحتُ فيها عيني على هذا العالم، كان هناك شعور غريب يرافقني… شعور بأنني لا أنتمي إلى الصورة التي رسمها الجميع من حولي. في كل القصص التي قرأتها، كانت البطلة دائمًا الشخص الذي يلتف حوله الجميع. فتاة تملك عائلة تحميها، وأصدقاء يقفون بجانبها، وشخصًا مستعدًا للتضحية بكل شيء من أجلها. أما أنا؟ كنتُ دائمًا الشخص الذي يُشار إليه باسم واحد فقط… "الشريرة". لم أكن أعرف في البداية لماذا اختاروا هذا الدور لي. لم أفهم لماذا كان وجودي مختلفًا عن وجود الآخرين، ولماذا كانت نظرات الحب التي تمنحها عائلتي لشخص آخر لا تصل إليّ أبدًا. لكنني تعلمت الحقيقة مبكرًا. بعض العائلات لا تمنحك الدفء الذي تحتاجه… بل تعلمك كيف تعيش وسط البرد. حين كنتُ في السادسة من عمري، كان من المفترض أن أكون طفلة صغيرة تبحث عن حضن والدها، أو ابتسامة والدتها، أو اهتمام إخوتها. لكن كل تلك الأشياء كانت تذهب لشخص آخر. إيلينا. الفتاة التي أحبها الجميع. كانت هي الضوء في عيونهم، والابتسامة التي لا تفارق وجوههم، والاسم الذي يُذكر دائمًا بالفخر. أما أنا… فكنتُ أقف في الخلف. أشاهد. أنتظر. وأحاول أن أفهم لماذا لا أستحق الشيء نفسه. في البداية حاولتُ كثيرًا. حاولتُ أن أكون أفضل، أن أبتسم أكثر، أن أقترب منهم أكثر… لكن مع مرور الوقت أدركتُ أن بعض الأبواب لا تُفتح مهما طرقت عليها. لذلك توقفت. توقفت عن انتظار حبهم. وتوقفت عن محاولة إثبات أنني أستحق مكانًا بينهم. منذ ذلك اليوم، قررتُ أن أختار مكاني بنفسي. حتى لو كان ذلك المكان هو الهامش. --- في الوقت الحاضر… نظرتُ إلى ورقة اختبار قبول الثانوية بين يدي، وارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة. النتيجة كانت واضحة. كان بإمكاني الحصول على الدرجة الكاملة بسهولة. لكنني اخترتُ العكس تمامًا. خفضتُ درجاتي عمدًا. ليس لأنني لم أستطع النجاح… بل لأنني لم أرد النجاح في المكان نفسه الذي سيكون فيه إخوتي. لم أكن أريد أن أعيش معهم تحت سقف واحد مرة أخرى، ولا أن أُجبر على ارتداء قناع الأخت المثالية أمامهم. يكفيني ما أفعله في العطلات عندما أعود إلى القصر. هناك فقط أحتاج إلى التظاهر. أما هنا… فأردتُ حياة بعيدة عنهم. حياة لا يعرف فيها أحد أنني مجرد "مارس" التي لا تشبه بقية أفراد عائلتها. قطع أفكاري صوت أنثوي حاد: — "هل أنتِ مارس؟" رفعتُ عيني بهدوء. كانت امرأة تقف أمامي بملابس أنيقة وابتسامة مرتبة بعناية، لكنها بدت مصطنعة أكثر من اللازم. — "نعم… أنا هي." ابتسمت وقالت: — "دعيني أعرفك بنفسي. أنا الآنسة ماي، وسأكون معلمتك هنا. آمل أن نتوافق معًا." — "تشرفتُ بمعرفتكِ، آنسة ماي." بدأتُ أتأمل ملامحها دون قصد. ابتسامتها ثابتة. لكن عينيها؟ كان هناك شيء مختلف. شيء حاولت إخفاءه. احتقار. اشمئزاز. وكأن وجودي أمامها أمر مزعج. إذاً… هي أيضًا. ابتسمتُ داخليًا بسخرية. حتى الأشخاص الذين يرونني للمرة الأولى يستطيعون كره وجودي. — "إذاً سيدة ماي… هل هناك شيء آخر تريدين قوله؟" تغيرت ملامحها للحظة، وكأنها لم تتوقع أن ألاحظ نظراتها. ثم قالت ببرود: — "لا، شكرًا لكِ. اذهبي إلى الفصل بسرعة، الدرس سيبدأ قريبًا." أومأتُ برأسي وغادرت دون كلمة أخرى. لم أعد أهتم كثيرًا. فقد اعتدتُ على هذه النظرات. --- وصلتُ إلى الفصل وجلست في المقعد الأخير كعادتي. مكان بعيد عن الجميع. مكان يناسبني. لكن المفاجأة الوحيدة كانت وجود جيسيكا بجانبي. جيسيكا… الشخص الوحيد الذي لم أفهم حتى الآن لماذا بقي معي طوال هذه السنوات. فجأة شعرتُ بقرصة مؤلمة في خصري. — "آه!" التفتُ إليها، فوجدتها تبتسم بانتصار. — "تبًا لكِ يا مارس! لولا أنني اكتشفت خطتكِ لما عرفت أنكِ هنا! هل كنتِ تحاولين التخلص مني؟" نظرتُ إليها بلا تعبير. — "لم أحاول التخلص منكِ." — "كاذبة!" ثم بدأت تضحك وهي تدغدغني دون رحمة. حاولتُ مقاومتها، لكنني فشلت. لأول مرة منذ وقت طويل… خرجت ضحكة حقيقية مني. — "جيسيكا… توقفي!" قالت بثقة: — "مستحيل، هذه عقوبة الخيانة!" في تلك اللحظة، رن جرس الحصة. توقفت جيسيكا فورًا وعادت إلى مكانها، لكنها لم تنسَ أن تركل قدمي تحت الطاولة وهي تبتسم بخبث. بدأ الدرس مع السيد أورلاندو. كان يتحدث عن الأسرة، الاحترام، الوفاء، والروابط التي تجمع أفراد العائلة. كلمات كثيرة. لكنها بالنسبة لي كانت مجرد أصوات بعيدة. كأنها تأتي من مكان لا أستطيع الوصول إليه. حتى ضرب المعلم الطاولة بغضب. — "انتبهي أيتها الطالبة! وإلا ستكون العواقب وخيمة!" رفعتُ رأسي. كنت أعرف أنه يقصدني. عدلتُ جلستي وبدأت أستمع… أو حاولت على الأقل. --- بعد انتهاء اليوم الدراسي، خرجتُ مع جيسيكا في الممر الرئيسي. كانت تتحدث بحماس عن المدرسة، وعن كل شيء أعجبها. أما أنا فكنت أستمع بصمت. (من منظور جيسيكا) كنت أحاول دائمًا إخراج مارس من قوقعتها. أعرفها منذ الطفولة. أعرف كم عانت. وأعرف أن وراء برودها قلبًا يخاف فقط من أن يُجرح مرة أخرى. كانت تثق بي بطريقة لم أستحقها أحيانًا. لذلك كنت أريد أن أريها أن هناك أشخاصًا يمكنها الاعتماد عليهم. توقفت فجأة وناديتها: — "مارس!" التفتت إليّ. — "ماذا بكِ؟" نظرت إلى عينيها وقلت: — "أريد منكِ شيئًا واحدًا فقط… ثقي بي." صمتت. ثم تابعت: — "دعينا نستمتع بهذه الحياة. لا تفكري دائمًا في الماضي. ابقي معي… حسنًا؟" رمشت مارس بهدوء. وللحظة قصيرة جدًا… رأيت ابتسامة صغيرة تظهر على وجهها. — "أمم… حسنًا." ثم أضافت بنبرتها الجافة المعتادة: — "أنتِ تبالغين يا جيسيكا." ابتسمتُ. لكنني لم أكن أعلم حينها… أن تلك الابتسامة الصغيرة ستكون آخر لحظة هادئة قبل أن يبدأ كل شيء بالانهيار.كانت أضواء القصر قد خفتت تدريجياً، وانزوت زوايا الممرات الطويلة خلف ستائر العتمة الثقيلة، لكن عقل مارس كان في أقصى درجات اليقظة والانتباه. في هدوء غرفتها، كانت تجلس أمام منضدة صغيرة، تسحب ببطء الضمادة الطبية عن معصمها الأيسر الذي تورّم قليلاً نتيجة الضغط القاسي الذي تعرضت له خلال ترويض "صاعقة" وضربه في ملعب الجولف. كان الألم حارقاً ومستمراً، لكنه لم يكن شيئاً مقارنة بالحرارة التي تشتعل في صدرها. كتمت أنينها، ووضعت كمادة باردة بحذر، وهي تدرك تماماً أن معصمها هذا لن يمنحها ترف الضعف. إن إظهار أي أثر للوجع أمام عائلة فان أستور يعني تقديم صك الهزيمة على طبق من ذهب. لكن البقاء في الغرفة وانتظار الخطوة القادمة من راينر أو كاترينا لم يكن خياراً مجدياً. الفخوخ تحيط بها من كل جانب، والملف الجلدي الذي لم تستطع إكمال قراءته ليلة دخولي مكتب أخيها لا يزال يطن في ذهنها كألغاز مفتوحة. من يكون المستهدف الحقيقي؟ وما علاقة جوليان بكل هذه التحركات المشبوهة؟ والأهم من ذلك كله... أين تقف إيلينا في هذه المعادلة المعقدة؟ تلك الأخت التي كانت دا
لم تنتهِ حكاية ذلك اليوم بانتهاء ضربة الجولف الأخيرة ولا بتفرق تجمع النخبة على العشب الأخضر؛ فخلف الأبواب المغلقة، وفي عقول أولئك الذين راقبوا تحركات مارس عن قرب طوال اليوم، كانت الأفكار تغلي بصمت، والأسئلة تتكاثر كشرارات تحيط ببرميل بارود على وشك الانفجار في وجه الإمبراطورية بأسرها.أولاً: منظور جوليان — اللعبة الكبرى وخطأ الحسابات الاستراتيجيةداخل جناحه المؤقت الفاخر، كان جوليان يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، يرتشف كطساً من القهوة الداكنة ويهز برفق سائلها الداكن بينما يطيل النظر إلى الحدائق المظلمة للقصر. لم يكن وجوده في قصر فان أستور مجرد زيارة صدفة أو مجاملة اجتماعية روتينية بين عائلات النخبة؛ بل كان جزءاً من استراتيجية دقيقة ومدروسة لتقييم قوة هذه الإمبراطورية العريقة من الداخل، وبحث الثغرات التي يمكن استغلالها. وكان يدرك تماماً أن تفكيك كيان بحجم فان أستور يتطلب البحث عن الشقوق الصغيرة التي تبدأ عادة من الخلافات بين الأشقاء والطموحات المتصارعة.لكن... مارس لم تكن شقاً عابراً في الجدار كما تصور في البداية. تذكر نظراتها الحادة، وطريقة
وقفت مارس في مكانها، تتنفس هواء الصباح البارد الذي لم يفلح في تبريد النيران المشتعلة في عروقها. كانت متجاهلة الوخز النابض في معصمها بحرقة، ذلك الألم الذي يشبه شفرات صغيرة تمزق أوتار يدها مع كل حركة طفيفة. تقدمت بخطوات ثابتة ومدروسة كأنها تسير على حبل مشدود فوق هاوية سحيقة، لتأخذ دورها في التسديد أمام أعين تترقب سقوطها بشغف. الكرة البيضاء الصغيرة كانت مستقرة على العشب الأخضر القصير، تبدو وكأنها مجرد نقطة مضيئة في محيط شاسع من المساحات الخضراء الممتدة. لكن بالنسبة لمارس، لم تكن مجرد كرة؛ بل كانت بمثابة قلب الصراع الدائر في قصر عائلة فان أستور، حيث الهدف البعيد يبعد مسافة طويلة تتطلب ضربة قوية، متزنة، ومحسوبة بدقة متناهية لا تقبل الخطأ أو التردد. كل نظرة في الملعب كانت مسلطة عليها، وكل همسة كانت تُحسب كجزء من حرب نفسية لا تقل قسوة عن الألم الجسدي الذي تكابده بصمت.رفعت مارس المضرب الفضي ببطء وحذر، محاولة توزيع ثقل الحركة على عضلات ذراعها لتخفيف العبء عن المنطقة المصابة. ولكن، وحين قبضت عليه بإحكام شديد لتجهيز ضربتها الفاصلة، سرى تيار من الألم الحارق في معصمها الأيسر، موجة كهرب
لم تكن مساحات العشب الأخضر الممتدة في ملعب الجولف الخاص بعائلة فان أستور مجرد مكان للترفيه أو قضاء وقت فراق هادئ تحت أشعة الشمس الذهبية، بل كانت امتداداً طبيعياً لقاعات الصراع السياسي والاقتصادي في القصر؛ مسرحاً مفتوحاً محملأ بالدسائس، والنظرات المحسوبة، وحركات الجسد التي تزن كل خطوة بميزان دقيق لا يخطئ. كانت كل شفرة عشب قصيرة كأنها شفرة حلاقة تفصل بين النصر والسقوط، وكل زاوية في الملعب تخفي خلفها كواليس من الصراع الخفي على النفوذ والسيطرة بين أفراد هذه العائلة المرموقة التي لا تعرف الرحمة. بعد ساعات قليلة من المعركة الشرسة في الإسطبل وترويض الحصان الجامح المتمرد "صاعقة"، وجدت مارس نفسها مجبرة على الانتقال الفوري مع بقية أفراد النخبة إلى نادي الجولف الخاص بالعائلة لاستكمال طقوسهم الاجتماعية المفروضة. كانت يدها اليسرى، وتحديداً معصمها المصاب الذي تحمل الكثير من الضغط أثناء مقاومة الحصان، تضج بألم حارق ومكتوم يعتصره الوخز الحاد مع كل حركة بسيطة. ورغم رغبتها الجارفة في الانسحاب إلى مكان هادئ لتأمين راحة جسدها وإصلاح ما أفسده الترويض، إلا أن إظهار الوجع أو الشكوى أمام عائ
لم تكن مساحات العشب الأخضر الممتدة في ملعب الجولف الخاص بعائلة فان أستور مجرد مكان للترفيه أو قضاء وقت فراق هادئ تحت أشعة الشمس، بل كانت امتداداً طبيعياً لقاعات الصراع السياسي والاقتصادي في القصر؛ مسرحاً مفتوحاً محملأ بالدسائس، والنظرات المحسوبة، وحركات الجسد التي تزن كل خطوة بميزان دقيق لا يخطئ.بعد ساعات قليلة من صراع الإسطبل وترويض الحصان الجامح "صاعقة"، وجدت مارس نفسها مجبرة على الانتقال مع بقية أفراد النخبة إلى نادي الجولف الخاص بالعائلة. كانت الهواء المفتوح محملاً برائحة العشب الندّي ورائحة الأموال الطائلة والنفوس المتوجسة. كانت يدها اليسرى، وتحديداً معصمها المصاب، تضج بألم حارق ومكتوم يعتصره الوخز مع كل حركة بسيطة. ورغم رغبتها الملحة في الانسحاب لتأمين راحة جسدها وإخفاء جسدها عن هذه الأنظار المتطفلة، إلا أن إظهار الوجع أمام عائلة فان أستور كان بمثابة إعلان استسلام مباشر وكسر لهيبتها، وهو خيار لم يكن مطروحاً في قاموس مارس أبداً تحت أي ظرف مهما كانت التكاليف والأثمان.كانت الأجواء الخارجية مشحونة بالتوتر المكتوم وكأن عاصفة رعدية توشك على الانفجار في سماء صافية
تجاهلت مارس همسات سيلين المسمومة ونظرات إيلينا الحاقدة تماماً، وكأنها لم تسمع شيئاً ولم ترَ شيئاً من الأساس، والتفتت بخطوات هادئة وثابتة لتجد راينر يرمقها بنظرة حادة وفاحصة من بعيد، نظرة تحمل في طياتها الكثير من الاختبارات الخفية. لم تدم نظراته طويلاً حتى أشار برهة برأسه نحو الطرف الأقصى من الإسطبل الواسع، حيث كان يقف حصان ضخم، عربي السلالة ونقي الدم، أبيض كالثلج النقي وعيناه تقدحان شرراً وعنفواناً جباراً، وكأنه يرفض الانقياد لأي إنسان أو الخضوع لقوانين البشر والرواد.قال راينر بصوته الأجش والعميق الذي قطع المسافة بينهما بسهولة ودون أي انفعال ظاهر:— "بما أنكِ تبحثين عن إثبات جدارتكِ الحقيقية أمام الجميع، فهذا الحصان، (صاعقة)، وصل للتو من إحدى المزارع الإسكتلندية العريقة، ولم يستطع أحد حتى الآن ترويضه أو ركوبه دون أن يلقي به أرضاً بقسوة بالغة. هل ترين في نفسكِ القدرة على السيطرة عليه بمعصمكِ المصاب، أم أنكِ ستكتفين بمشاهدته من بعيد كبقية الحاضرين؟"ساد صمت مطبق ومفاجئ في الساحة الواسعة، توقف الجميع عن الحركة والتنفس وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة الفارقة. تفت