LOGINمرت عدة أيام منذ أن وطئت قدماي مدرسة «سينت بول الثانوية».
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة… بدأت أشعر أنني أعيش حياة تخصني أنا. كان سكن الطالبات الملحق بالمدرسة هادئًا بطريقة لم أعتد عليها. لا أصوات خادمات يوقظنني في الصباح، ولا أوامر صارمة تلاحق كل خطوة أخطوها، ولا تلك النظرات التي تجعلني أشعر بأنني دائمًا تحت الاختبار. هنا… لم يكن أحد يهتم بمن أكون. لم يكن أحد يعرف اسم عائلتي أو يقارنني بإيلينا. كنت فقط مارس. طالبة تعيش يومها بشكل طبيعي. كانت أشعة الشمس الصباحية تتسلل عبر نافذة غرفتي البسيطة، تنعكس على الأثاث الهادئ وتملأ المكان بدفء خفيف. وقفت للحظات أتأمل هذا المشهد البسيط، وأدركت كم كانت الأشياء الصغيرة محرمة عليّ في الماضي. غرفة بلا فخامة. صباح بلا أوامر. وحياة بلا تمثيل. رغم بساطة كل شيء هنا، إلا أنه كان يشبه الحلم. حلمًا أخاف أن أستيقظ منه. كان إخوتي يعيشون في سكن أكاديمية نوبل الملكية، بعيدين عني كما أردت تمامًا. لن أضطر لرؤية وجوههم، أو سماع اسم إيلينا يتردد أمامي، حتى تأتي العطلة الكبيرة. وهذا وحده كان كافيًا لأشعر بالراحة. --- في صباح يوم الأربعاء، كانت الحافلة المدرسية الخاصة بالسكن تتجه بنا نحو مبنى الفصول الرئيسي. نزلت برفقة جيسيكا وأنا أعدل حقيبتي على كتفي بتكاسل، بينما كانت رائحة الأشجار المبللة بندى الصباح تملأ الهواء من حولنا. كانت جيسيكا كعادتها تسير بجانبي بطاقة لا تنتهي. نظرت إليّ بابتسامة وقالت: — "مارس... هل تعلمين؟ ما زلت غير مصدقة أننا هنا بعيدًا عن الجميع!" ثم اقتربت قليلًا وأضافت بنبرة فضولية: — "ألا تعتقدين أن إخوتك يتساءلون الآن عن سبب عدم وجودك معهم في أكاديمية نوبل؟" تنهدت بهدوء. كان هذا السؤال يتكرر كثيرًا. لكن الإجابة لم تتغير. — "ولماذا سيتساءلون؟" نظرت أمامي وأكملت: — "هم يظنون أنني غاضبة بسبب درجاتي، وأنني اخترت العزلة بنفسي. وطالما أن إيلينا تحصل على كل اهتمامهم، فلن يفكر أحد بالبحث عني." ابتسمت بسخرية خفيفة. — "وهذا أفضل بالنسبة لي." لم تكن جيسيكا تحتاج إلى شرح أكثر. كانت تعرف أن خلف هذه الكلمات الباردة يوجد شيء أعمق. جرح قديم لم يلتئم. لكن وجودها بجانبي جعل الأمر أقل ألمًا. فقد كان غريبًا أن تجد شخصًا يستمع إليك دون أن يحاول تغييرك. --- بينما كنا نسير في الممر المؤدي إلى القاعة الدراسية، توقفت خطواتنا بسبب صوت ضربة قوية. "طاخ!" نظرنا إلى مصدر الصوت. كانت هناك فتاة تقف أمام إحدى الخزائن، تحاول فتحها بكل قوتها. شعرها كان متمردًا، وحركاتها مليئة بالحيوية، وكأنها في معركة حقيقية. لم تكن سوى زوي. ضربت زوي باب الخزانة بقدمها وقالت بغضب: — "تبًا لهذه الخزانة! هل صُنعت لتُفتح أم لاختبار صبري؟!" بقيت أنا وجيسيكا نراقب المشهد بصمت. كان هناك شيء مضحك في طريقة تعاملها مع خزانة جامدة وكأنها عدو شخصي. بعد لحظات، التفتت زوي نحونا. وعندما رأتني تحديدًا، اتجهت نحوي دون تردد. — "أنتِ!" رفعت حاجبي باستغراب. أشارت إليّ وقالت: — "يا ذات العينين الباردتين... هل يمكنك مساعدتي في ضرب هذا القفل برجلك؟" نظرت إليها للحظات. هل طلبت مني للتو تحطيم خزانتها أمام الجميع؟ أما جيسيكا، فلم تستطع منع دهشتها. — "عفوًا؟ هل تطلبين منها ضرب خزانة في وسط الممر بكل هذه البساطة؟" رفعت زوي كتفيها وكأن الأمر طبيعي جدًا. — "وما المشكلة؟" ثم ابتسمت بثقة. — "أنا زوي من الصف المجاور. وبما أنكما وقفتما تشاهدان معركتي مع هذه الخزانة، فأعتقد أننا سنصبح صديقات جيدات!" رمشت جيسيكا باستغراب. أما أنا… فلأول مرة منذ وقت طويل، شعرت برغبة حقيقية في الضحك. كانت مختلفة. مباشرة. فوضوية. ولا تخاف من شيء. اقتربت من الخزانة بهدوء. لم أضربها كما طلبت. بل وضعت يدي على القفل، وأدرت المزلاج بزاوية بسيطة. "تِك." انفتح الباب. بهذه السهولة. ساد الصمت للحظة. اتسعت عينا زوي وكأنها رأت معجزة. — "ماذا؟!" اقتربت من الخزانة ثم نظرت إليّ بإعجاب شديد. — "كيف فعلتِ ذلك؟! لقد حاولت فتحها طوال الصباح!" نظرت إليها بهدوء وقلت: — "مجرد معرفة مكان الضغط." ابتسمت زوي بحماس. — "رائع!" ثم أشارت إليّ: — "ما اسمك؟" — "مارس." كررت الاسم وكأنها تختبره. ثم ابتسمت ابتسامة واسعة. — "مارس... اسم غامض يناسب شخصًا مثلك." وضعت يديها على خصرها وقالت بحسم: — "من اليوم، أنتِ ضمن قائمتي المقربة. ولا أقبل أي اعتراض!" ضحكت جيسيكا وهي تنظر إليها. — "بهذه السرعة؟ نحن من أنقذنا خزانتك للتو، على الأقل اشكرينا أولًا!" ضحكت زوي. وللمرة الأولى… وجدت نفسي وسط ضحكات لا تحمل أي ضغط أو خوف. ضحكات بسيطة. حقيقية. مشينا معًا نحو الفصل، وأنا أشعر بشيء غريب يتغير بداخلي. في الماضي، كنت أظن أن الاقتراب من الناس يعني الألم. لكن ربما… ربما لم تكن كل العلاقات تنتهي بالخيانة. وربما كانت هذه البداية الصغيرة لصداقة ستغير حياتي بالكامل. لكنني لم أكن أعلم أن دخول زوي إلى حياتي… لن يكون الشيء الوحيد الجديد الذي سيحدث في هذا اليوم.ظلت يد مارس معلقة على بعد بوصات قليلة من ذلك الملف الجلدي الداكن، وكأن الزمن بأسره قد جمّد أنفاسه عند تلك اللحظة بالضبط. صوت خطواته الملتفة في الممر المظلم لم يكن مجرد صدى عابر، بل كان نذيراً حتمياً بأنها سقطت فعلاً في الشرك الذي نصبه أخيها بعناية فائقة. رائحة الحبر القديم والجلود الفاخرة التي كانت تملأ المكتب امزجت ببرودة مفاجئة سرت في أوصالها، لكنها لم تنفجر بالذعر، ولم تحاول الركض أو اختلاق الأعذار الواهية؛ فعقلها كان يعمل بسرعة فائقة لتدارك الموقف وحماية ما تبقى من هدوئها.استدارت ببطء شديد، ودمها يرتطم بصدرها بقوة طبل حربي، لتلتقي عيناها مباشرة بنظرات راينر الحادة التي كانت تخترق عتمة الغرفة ببرود مرعب.خطa راينر بخطوات ثابتة وواثقة إلى داخل المكتب المظلم، ولم يكشف ملامحه الصارمة سوى ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة الكبيرة المطلة على الحدائق الخلفية. وقف على مسافة قريبة منها، وذرع الغرفة بنظرة سريعة وساخرة إلى الملف المفتوح، قبل أن يعود ليثبت عينيه القاسييتين عليها، وكأنه يدرس تأثير الرعب في وجهها.قال بصوته الهادئ الذي يحمل طابع السخرية المبطنة والتهديد المتجذر
مرت الساعات الأولى من حفل العشاء وسط أجواء مشحونة بالتوتر الخفي، رغم الأحاديث السطحية والمجاملات الدبلوماسية التي كان يتبادلها ضيوف النخبة مع راينر. كانت سيلين تحاول طوال الوقت لفت الانتباه وتهميش حضور مارس، بينما كان جوليان يرمق مارس بين الحين والآخر بنظرات فضولية تحمل قدراً غير مألوف من الاهتمام، وكأنه يرى فيها شيئاً مختلفاً عن بقية أفراد عائلة فان أستور التقليدية.وسط ذلك الضجيج الخافت الصادر من صالون الاستقبال، كانت الحوارات تدور حول صفقات الأسهم الكبرى وأحدث الاستثمارات في البورصة العالمية، بينما ظل جوليان شارد الذهن، مأخوذاً بالتناقض الصارخ الذي تجسده مارس. لقد اعتاد في أكاديمية النوبل على رؤية الفتيات المتكلفات اللواتي يلهثن خلف الألقاب والمظاهر المزيفة، لكن جرأة مارس ونظراتها الجليدية التي لا تساومان أي أحد، صنعتا في نفسه هالة من الفضول العميق الذي يكاد يتحول إلى إعجاب خفي. كانت سيلين تلاحظ ذلك التشتت في نظراته، فيزداد غيظها وحنقها الدفين، محاولة بكل الطرق استمالة انتباهه مجدداً عبر أحاديث روتينية مكررة عن أناقة أزياء الموسم الجديد ومجتمعات المخملية الراقية.
كانت قاعة الطعام الكبرى تبدو في تلك الليلة وكأنها لوحة فنية صُممت خصيصاً لتعكس تفوق وثراء عائلة "فان أستور" المطلق. الثريات الكريستالية الضخمة تنشر ضوءاً أصفر هادئاً وفخماً يرتدّ عن الجدران الرخامية المصقولة، والأطباق الخزفية المذهبة تترتب بعناية فائقة أمام المقاعد، بينما تنتشر في الأرجاء رائحة العطور الفرنسية باهظة الثمن التي يضعها الضيوف.جلس راينر في رأس المائدة كعادته، بملامحه الصارمة وابتسامته الواثقة التي لا تصل إلى عينيه. وإلى جواره، كانت "سيلين" تجلس بتباهٍ واضح، مرتدية فستاناً استثنائياً يبرز مكانتها الاجتماعية، وتتبادل أطراف الحديث بضحكات رقيقة ومدروسة مع "جوليان" وبقية شباب النخبة القادمين من أكاديمية النوبل. أما إيلينا، فكانت تجلس بملامح مشحونة بالترقب والتشفي، بانتظار اللحظة التي تظهر فيها مارس لتراها في أسوأ حالاتها.انفتح الباب الخشبي الثقيل للقاعة ببطء، وتوقف الجميع عن الهمس للحظات.خطت مارس إلى داخل القاعة بخطوات متزنة، بطيئة، ومدروسة بعناية فائقة. ارتدت فستانها الأسود الطويل الذي زادها وقاراً وصرامة، ورفعت رأسها بشموخ لا ينكسر، ناظرة إلى
مرت الأيام الثلاثة التالية في عزلة شبه مطلقة داخل الجناح الشرقي. لم تكن مجرد استراحة لتلتئم العظام المحطمة تحت الجبيرة السميكة، بل كانت فترة صمت مطبق وضعت فيها مارس كل خيوط اللعبة نصب عينيها. كانت تقضي ساعاتها الطويلة في تأمل الغابات المظلمة والكثيفة المحيطة بالقصر من خلف الزجاج السميك والمصفح، تفكر في جيسيكا وزوي اللتين تركتهما خلف أسوار "سينت بول"، وفي الهاتف المغلق الذي قطع ارتباطها بالعالم الخارجي، وفي تلك الرسالة التي تركها راينر والتي كانت بمثابة نبوءة تحققت بحذافيرها.لم تجلس يوماً لتندب حظها أو تبكي ذراعها المكسورة؛ فالضعف البشري لم يكن مسموحاً في قاموس عائلة فان أستور، ومارس كانت تعرف تماماً أن إظهار أي أثر للوجع أمام عائلتها هو بمثابة منحهم سلاحاً جديداً لتقييد حريتها. كانت تمارس تمارين التنفس الهادئة، وترتب أفكارها بدقة تسويقية حادة، وتنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه ضربتها المضادة، بغض النظر عن مدى قسوة الحصار المفروض حولها.لكن هذا الهدوء الجليدي انكسر صباح يوم الجمعة بصخب خفيف وأصوات محركات سيارات رياضية فارهة وباهظة الثمن، كانت تتواكب بانتظام وهي تخترق بوابات القص
في المساء، أُجبرت مارس على النزول لتناول العشاء في غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات الكريستال الضخمة، والفضيات تلمع ببريق مزعج، ورائحة الأطباق الفاخرة تمتزج بصمت مطبق لا يكسره سوى صوت اصطدام الشوكات بالصحون الخزفية ببطء مقصود وعناية بالغة.جلس راينر في رأس المائدة ببدلته الرسمية الأنيقة، وإيلينا إلى مقعدها القريب بملابسها المصممة بعناية، بينما جلست الأم في المنتصف كتمثال حريري صامت. لم يكن هناك أي نقاش عائلي دافئ؛ فالأحاديث، إن وجدت، كانت مقتصرة تماماً على شؤون الاستثمار، الميراث، والمظاهر الاجتماعية التي تضمن تفوق اسم فان أستور على الجميع، دون أي اعتبار للمشاعر الإنسانية أو الدفء العائلي المفقود وسط هذه الجدران الفارهة.قطعت إيلينا هذا الصمت المطبق بابتسامة صفراء ومستفزة للغاية، وهي تقطع قطعة اللحم ببطء أمامها لتلفت الأنظار نحو مارس:— "من المضحك حقاً، بل والمثير للشفقة، أن ترى شخصاً كان يتحدث طوال
كان الصباح في الجناح الشرقي لقصر "فان أستور" يأتي بطيئاً، كثيفاً، وخالياً تماماً من أي بهجة تخص شروق الشمس. النوافذ هنا لم تكن مجرد زجاج عادٍ، بل كانت مصفحة، معتمة بطبقة سميكة تحجب العالم الخارجي، وتترك الغرفة غارقة في رمادية باردة تشبه لون الرخام المصقول الذي يكسو الأرضيات الواسعة. لم يكن هناك صوت يخرق هذا السكون سوى دقات الساعة القديمة المعلقة على الجدار، والتي كانت تقيس الزمن ببطء مقصود، كأنها تحصي أنفاس مارس في قفصها الجديد.استيقظت مارس على نبضات ألم خفي وثقيل يتردد في ذراعها اليمنى. الجبيرة البيضاء السميكة كانت تحاصه كقيد إسمنتي، تمنع أي حركة عفوية وتذكرها كل ثانية بتلك اللحظة العنيفة على الطريق المقطوع. لم تصرخ، ولم تطلق أي تنهيدة شكوى؛ فالقاعدة الأولي التي تشربتها في هذا القصر منذ طفولتها هي أن الألم علامة ضعف، والضعف جريمة لا تُغفر في قاموس عائلة فان أستور.جلست على حافة السرير الفخم ببطء شديد. عيناها الداكنتان كانتا تستقران على الفراغ بهدوء تام، بينما كان عقلها يعمل بسرعة البرق. كانت تستعرض خياراتها، وتقارن بين حرية السكن الطلابي في "سينت بول" حيث كانت تضحك مع جيسي







