ログインكانوا يصفونه بالنرجسي المتلاعب، والخائن عديم الرحمة، والرجل الذي يخفي خلف ابتسامته الساحرة قلبًا شيطانيًا.
وبصراحة، لم يكن لديّ أي سبب يدفعني إلى التشكيك في تلك الأوصاف.
“ماذا تريد مني؟”
سألت بصوت خافت.
في تلك اللحظة، هبّت نسمة باردة، فارتجفت دون إرادة مني.
كان فستان زفافي، بطبقاته السميكة، قد ابتل تمامًا تحت المطر، والتصق بجسدي حتى شعرت بأن البرد يتسلل من جلدي إلى عظامي.
ألقى جواد نظرة سريعة على حالتي، ثم أشار برأسه نحو سيارة سوداء فاخرة متوقفة على الجانب الآخر من الشارع.
“لنذهب إلى سيارتي. ستكونين أكثر دفئًا هناك، كما أننا سنحتمي من المطر.”
“لا!”
خرجت الكلمة مني بحدة جعلته يتوقف.
نظرت إليه، وشعرت بأن كل ما حاولت كبته منذ خروجي من الكنيسة يندفع إلى السطح دفعة واحدة.
“أريد أن أعرف ماذا تريد مني! هل جئت لتسخر مني؟ هل تريد أن تهينني لأنني كنت غبية بما يكفي لأصدق أن خطيبي
يحبني؟ أم أنك تريد أن تضحك على مأساتي، مثلما فعلت عائلتك وعائلتي؟”
ارتجف صوتي، وامتلأت عيناي بالدموع.
“حسنًا، تفضل, اضحك كما تشاء! لقد حدث بالفعل أسوأ ما يمكن أن يحدث لي اليوم، ولم يعد لديّ شيء أخشى خسارته!”
ظل جواد صامتًا للحظات.
ثم تبدلت نظرته.
اختفت منها السخرية، وحلّ مكانها شيء لم أتوقع رؤيته في عيني رجل مثله.
الشفقة؟
لا، لم تكن شفقة تمامًا.
كانت أقرب إلى الغضب، لكنه لم يكن موجهًا إليّ.
“لن أفعل ذلك بكِ أبدًا.”
جاء صوته أكثر هدوءًا هذه المرة.
“أنتِ لا تستحقين ما حدث لكِ يا ميرا. وفي الحقيقة، لم تستحقي يومًا أيًا من الأشياء التي فعلوها بكِ.”
توقفت أنفاسي للحظة.
لم أكن مستعدة لسماع تلك الكلمات.
ليس منه، ولا من أي شخص آخر.
خلع جواد معطفه الطويل، ثم وضعه حول كتفيّ دون أن ينتظر موافقتي.
أحاطني دفء المعطف، واختلطت رائحته الرجولية المميزة برائحة المطر. وللمرة الأولى منذ ساعات، شعرت بأنني لا أرتجف من البرد وحده.
نظرت إليه بحيرة.
“أنت... تعتقد حقًا أنني لم أكن أستحق ذلك؟”
خرج السؤال مني بصوت خافت، وكأنني أخشى أن أسمع الإجابة.
طوال حياتي، أخبرني أبي بأن كل ما يحدث لي هو نتيجة أخطائي. كلما تألمت، كان يطالبني بتحمل الأمر بصمت، ويكرر العبارة نفسها:
“هذا ما يصنع الشخصية.”
كنت أصدقه.
كنت أعتقد أنني بحاجة إلى أن أكون أفضل، وأكثر طاعة، وأقل إزعاجًا، حتى أستحق شيئًا من حبه.
لكن جواد لم يتردد.
“بالطبع لا. عائلتك وعائلتي مجموعة من القساة عديمي الرحمة، الذين لا يعرفون كيف يعاملون الآخرين إلا بازدراء.”
ثم رفع يده، ومرر أصابعه برفق على خدي المبلل.
تصلب جسدي للحظة، وشعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجنتيّ رغم البرد.
“أشفق عليكِ يا ميرا. لقد ألقت بكِ الحياة وسط الذئاب، وتركتهم ينهشونكِ قطعة بعد أخرى، ولم تمنحكِ في المقابل سوى المزيد من الإهانات.”
توقفت أصابعه قرب أثر الصفعة، فاشتدّ شيء غامض في عينيه.
ثم تابع:
“لكن ليس عليكِ أن تسمحي لهم بمواصلة ذلك. يمكنكِ أن تجعليهم يدفعون ثمن كل ما فعلوه بكِ.”
تراجعتُ قليلًا، وحدقت فيه.
“يدفعون الثمن؟”
“نعم.”
“هل تتحدث عن الانتقام؟”
خرج السؤال متقطعًا، وكأن مجرد التفكير في الأمر يخيفني.
أومأ جواد.
“بالضبط.”
“لا!”
ابتعدت عن لمسته، وتعثرت قدماي فوق طرف الفستان المبلل.
“لا أستطيع فعل ذلك. أنت لا تعرف مدى نفوذهم. عائلتي وعائلة المنصور تملكان علاقات وأموالًا كافية لتدميري قبل أن أتمكن حتى من الدفاع عن نفسي.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واثقة.
“ليس إذا كنتِ تملكينني إلى جانبكِ.”
كنت أضع اللمسات الأخيرة على أحمر شفاهي أمام المرآة عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.“ادخل.”فُتح الباب، وظهر جواد.التقت عيناه بعينيّ في المرآة، ثم أخذ يتأملني بصمت.استدرت نحوه، وشعرت بتوتر مفاجئ.“كيف أبدو؟”لم أعرف لماذا كان رأيه مهمًا بالنسبة إليّ إلى هذا الحد، لكنني وجدت نفسي أنتظر إجابته بقلق.اقترب جواد ببطء، ولمعت عيناه بإعجاب واضح.“فاتنة.”توقف أمامي، ثم أضاف بصوت منخفض:“تخطفين الأنفاس حقًا.”احمرّ وجهي، وخفضت عينيّ نحو فستاني الزمردي الجميل.“شكرًا، لكن الفضل يعود إلى الفستان. أشعر بصراحة بأنه أجمل مني بكثير.”مررت يدي على القماش الناعم، متأملة لمعانه تحت أضواء الغرفة.كان الفستان أنيقًا، بقصّة أبرزت قوامي دون مبالغة، ولون زمردي عميق جعل عينيّ تبدوان أكثر إشراقًا.لم أكن أتخيل أنني سأرتدي يومًا شيئًا كهذا.لكن جواد أطلق ضحكة قصيرة، وكأنه سمع أكثر ما يمكن أن يثير استياءه.“هراء.”رفع ذقني برفق حتى أنظر إليه.“حتى لو ارتديتِ كيس قمامة، فستظلين تنافسين جمال الآلهة.”اتسعت عيناي، وشعرت بأن قلبي يقفز في صدري.وقبل أن أجد ردًا، أمسك بيدي وقبّلها.يا إلهي!هل كان يتعمد إحراجي؟
“من الغريب حقًا أن أرى المدير واقعًا في الحب إلى هذه الدرجة.”جاء صوت بانا من خلفي، فالتفتُّ إليها بسرعة.كانت تبتسم ابتسامة عريضة، بينما تبادلت بقية السيدات نظرات ذات مغزى.ضحكت إحداهن وقالت:“كنت أعتقد أن السيد المنصور لا يعرف سوى البرود والتسلط.”عقدت حاجبيّ باستغراب.“البرود؟ لا أظن أن هذا الوصف ينطبق على جواد.”ولسوء حظي، سمعتني بانا بوضوح.رفعت حاجبيها بدهشة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة.“صدقيني، يا آنسة المنصور، أنتِ لا تعرفينه جيدًا بعد. السيد المنصور بارد إلى درجة مخيفة. الجميع يخشاه لأنه يتصرفوكأنه قادر على قراءة ما يدور في أعماق روحك، ثم يستغل أظلم أسرارك ضدك إذا اضطر إلى ذلك.”تبادلت السيدات النظرات، قبل أن ترفع إحداهن فستانًا مرصعًا بالترتر وتقول:“هذه أول مرة أراه يبتسم ابتسامة حقيقية. صحيح أنه كثيرًا ما يبتسم بسخرية، لكن أن يبتسم بهذه الطريقة؟ الأمر مخيفبعض الشيء.”أومأت فتاة أخرى موافقة.“أتفق معكِ. أفضّل مظهره المعتاد، باردًا وخاليًا من المشاعر، وكأنه يخطط لشيء طوال الوقت. هذه النسخة منه تبدوغريبة تمامًا.”ضحكت فتاة ثالثة بخفة، ثم قالت:“أما أنا، فأفضّل هذه النسخة. لا يمكن
إنه يتظاهر فقط بأنه زوج جيد لأننا سنظهر معًا أمام عائلتينا هذا المساء.كان من المستحيل أن يكون رجل مثله مهتمًا حقًا بما أرتديه أو بما أريده.ومع ذلك، شعرت بمعدتي ترتجف بخفة، وكأن كلماته وجدت طريقها إلى جزء مني لم أستطع السيطرة عليه.ربما لم يكن يقصد شيئًا.وربما كان مجرد رجل اعتاد شراء كل ما يريده، ولم يفكر في أن الأمر قد يعني لي الكثير.لكنني أردت أن أصدقه.ولو لمرة واحدة.“حسنًا...” تمتمت أخيرًا.“إذا كنت متأكدًا من ذلك، فأنا موافقة.”اتسعت ابتسامة جواد.“جيد.”ثم التفت نحو بانا، التي كانت تنتظر تعليماته بصبر.“أترك زوجتي بين يديكِ يا بانا. أريدكِ أن تعتني بها جيدًا.”أومأت المصممة بثقة.لكن جواد رفع إصبعه محذرًا، وأضاف بنبرة جادة على نحو مبالغ فيه:“وهناك أمر آخر. إذا بدأت زوجتي بالشكوى من كثرة الملابس، فلا تستمعي إليها. لا تسمحي لها بأن تتصرف بتواضع أكثرمن اللازم.”اتسعت عيناي.كيف استطاع أن يتوقع ذلك بهذه السهولة؟التفت إليه باعتراض.“أنا لا أتصرف بتواضع أكثر من اللازم!”نظر إليّ جواد، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة.“بالطبع لا يا عزيزتي.”كانت نبرته كافية لإخباري بأنه لا يصد
ما إن وصلنا إلى القصر حتى أدركت أن جواد لم يكن يبالغ.كان عدد من الأشخاص يدخلون من البوابة، يدفعون حوامل طويلة مكدسة بالملابس، ويحمل آخرون صناديق كبيرةوحقائب أنيقة. توقفت عند المدخل، وحدقت في المشهد بدهشة.فساتين سهرة، وبدلات أنيقة، وقطع ملابس بألوان وتصاميم مختلفة، وأحذية وحقائب بدت وكأنها خرجت للتو من عروضالأزياء. كان هناك ما يكفي لملء متجر كامل، وربما متجرين!اقتربت منا امرأة شقراء ترتدي ملابس أنيقة، وعلى وجهها ابتسامة مهنية ودودة.“سيد المنصور، لقد أحضرنا كل ما طلبته. هذه أحدث التصاميم وأفضل القطع من الشركة، كما طلبت.”ثم انتقلت عيناها إليّ، واتسعت ابتسامتها.“لا بد أنكِ السيدة المنصور الجديدة تشرفت بلقائكِ. أنا بانا الخطيب ، مصممتكِ الشخصية ومنسقة إطلالاتكِ.”تجمدت للحظة.“منسقة إطلالاتي؟”استدرت نحو جواد، وعقدت حاجبيّ في حيرة.“ما الذي يحدث هنا؟ هل نستعد للمشاركة في عرض أزياء؟ ظننت أن لدينا عشاءً مع عائلتينا هذا المساء، وليس عرضًاللأزياء!”ضحك جواد، ثم وضع يده على ظهري وقادني إلى الداخل.“لدينا عشاء بالفعل. لكن يبدو أنكِ نسيتِ أمرًا مهمًا.”نظرت إليه باستفهام.فأجابني بنبرة ه
جرت الإجراءات بسرعة لم أتوقعها.بعض الأوراق، وعدد من التوقيعات، وأسئلة رسمية أجبت عنها بصوت خافت، ثم وجدت نفسي بعد دقائق قليلة أحملشهادة زواجي بين يديّ.حدقت في الورقة طويلًا. كان اسمي مكتوبًا إلى جانب اسم جواد المنصور.ميرا الشامي.جواد المنصور.زوجان.لم أستطع منع نفسي من إطلاق تنهيدة طويلة.لقد فعلتها حقًا.لم يعد هناك مجال للتراجع بسهولة، ولم تعد هذه مجرد فكرة مجنونة راودتني تحت المطر.لقد أصبحت زوجة جواد المنصور رسميًا.“انتظريني في السيارة. أحتاج إلى مقابلة شخص لبضع ثوانٍ.”رفع جواد يده إلى كتفي، ثم أشار إلى موقف السيارات.أومأت برأسي، ووضعت شهادة الزواج داخل حقيبتي قبل أن أتجه إلى السيارة.لكنني لم أقطع سوى بضعة أمتار عندما دخلت سيارة مألوفة إلى الموقف.توقفت في مكاني.لا...لم أكن بحاجة إلى رؤية الوجوه حتى أعرف صاحبها.عرفت السيارة جيدًا، فقد ركبتها مع تَيم مرات لا تُحصى خلال فترة خطوبتنا.ومن دون أن أفكر، اندفعت نحو أقرب شجيرة وانحنيت خلفها، محاوِلة الاختباء قبل أن يلمحني أحد.فُتح باب السيارة.نزل تَيم أولًا، ثم دار حولها وفتح الباب لدانا، التي خرجت وهي تبتسم بسعادة.أمسك ب
“هذا عقد زواجنا. اقرئيه جيدًا، وأخبريني إن كان لديكِ أي اعتراض.”قال جواد ذلك وهو يناولني ملفًا أنيقًا، بينما كانت سيارته الفاخرة تشق طريقها نحو مبنى البلدية.أخذت الملف منه، وبدأت أقرأ بنود العقد بعناية شديدة. لم أكن مستعدة لأن أجد نفسي عالقة في اتفاق يحوّلني إلى مجردزوجة مطيعة لا تملك حق الاعتراض، أو ما هو أسوأ، إلى عبدة تحت رحمة رجل لا أعرفه.لكن كلما قلبت صفحة، ازداد شعوري بالدهشة.كانت الشروط واضحة، وحقوق الطرفين محددة، ولم يكن هناك ما يجبرني على التخلي عن حريتي أو استقلالي.بعد بضع دقائق، أغلقت الملف وأطلقت زفيرًا مرتجفًا.“قرأت العقد بالكامل، وأعتقد أن كل شيء عادل.”أومأ جواد برأسه، وكأنه لم يتوقع مني أن أجد أي مشكلة في الأساس.ترددت قليلًا، ثم عضضت شفتَي السفلى.“لكن لدي سؤال واحد.”التفت إليّ، ورفع حاجبه باهتمام.“ما هو؟”شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيّ.“هل سيتعين علينا... أمم... القيام بأمور الأزواج؟”ساد الصمت لثانية.ثم استدار جواد نحوي ببطء.“أمور الأزواج؟”بدت نبرة صوته بريئة إلى درجة جعلتني أشك في أنه يتعمد إحراجي.“أنت تعرف ما أقصده...” تمتمت بتوتر.“أعني... هل سيتعين







