ANMELDENانتهى اليوم الدراسي الأول، لكن بالنسبة لمريم ويوسف، كان كل شيء قد بدأ للتو.
خرج الطلاب من الفصول وسط أصوات الضحكات والحديث، بينما وقفت مريم أمام الخزانة تحاول ترتيب كتبها. اقتربت منها ميليس بابتسامة. — هتروحوا على طول؟ — أيوه، أحمد مستنينا. تدخل يوسف وهو يغلق حقيبته: — يلا يا مريم، اتأخرنا. وقبل أن يتحركا، ظهر برك بجوارهم. — استنوا، لو عايزين أوريكم مكان الباصات. قال يوسف: — لا، أخويا جاي ياخدنا. ابتسم برك. — تمام. ثم غادر. لكن مريم لاحظت أن يوسف لم يكن يستمع إليها أصلًا، بل كان ينظر إلى نهاية الممر. — إنت بتبص على إيه؟ — الشاب اللي هناك. نظرت مريم، فلم تجد أحدًا. — مفيش حد. — كان هنا من شوية. تنهدت مريم. — يمكن بتتخيل. — أنا مش بتخيل! خرج الاثنان من المدرسة، فوجدوا أحمد ينتظرهما أمام البوابة. ركضا نحوه. — أحمد! ابتسم وهو يفتح ذراعيه. — اليوم كان عامل إيه؟ قالت مريم بحماس: — حلو! اتعرفنا على ميليس وبرك. أما يوسف فظل صامتًا. لاحظ أحمد ذلك فورًا. — مالك؟ — مفيش. اقترب أحمد منه. — يوسف، أنا عارفك. لما تقول مفيش، بيكون في حاجة. تردد يوسف قليلًا، ثم قال: — في واحد كان بيراقبني. اختفت الابتسامة من وجه أحمد. — مين؟ — معرفش. نظر أحمد حوله، لكن البوابة كانت مزدحمة بالطلاب. — وصفهولي. بدأ يوسف يشرح شكله، وفجأة شعر أحمد بقلق شديد. كان الوصف مألوفًا بشكل مخيف. لكن قبل أن يسأل أكثر، وصلت سيارة سوداء وتوقفت أمامهم. نزل منها رجل في منتصف العمر، ونظر مباشرة إلى أحمد. كان أورهان، عمهم. اقترب منهم وقال: — يلا، اركبوا. لازم نتكلم. نظر أحمد إليه باستغراب. — في إيه يا عمي؟ لم يجب أورهان، واكتفى بالنظر إلى مريم ويوسف. في السيارة، ظل الصمت مسيطرًا. بعد دقائق، قال أورهان: — المدرسة دي مش زي أي مدرسة. ضحك يوسف بسخرية. — يعني إيه؟ نظر أورهان إلى أحمد في المرآة. — فيها ناس لازم تبعدوا عنهم. سألته مريم: — مين؟ صمت أورهان. ثم قال: — عائلة أرسلان. تغير وجه أحمد. — أرسلان؟ ليه؟ لم يجب العم. وعندما وصلوا إلى البيت، نزل أحمد خلفه بسرعة. — عمي، إنت عارف حاجة وأنا لأ. توقف أورهان. — أحمد... في حاجات حصلت من سنين، ومش وقته تعرفها. — إمتى وقتها؟ نظر إليه أورهان طويلًا. — لما تكون مستعد تخسر كل حاجة كنت فاكر إنها حقيقة. ثم دخل وترك أحمد واقفًا في مكانه. في تلك اللحظة، رن هاتف أحمد برسالة جديدة من الرقم المجهول. فتحها. كانت تحتوي على صورة قديمة. صورة لعائلة يلماز... لكن في الصورة كان يقف بجانبهم رجل من عائلة أرسلان. وتحت الصورة جملة واحدة: "اسأل عمك... مين قتل والدك؟" تجمد أحمد مكانه. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن كل ما يعرفه عن عائلته ربما كان كذبة. ظل أحمد واقفًا أمام هاتفه، وعيناه مثبتتان على الصورة القديمة. والده. الرجل الذي قيل له منذ سنوات إنه مات في حادث، وأن الأمر انتهى عند هذا الحد. لكن الجملة الموجودة أسفل الصورة جعلت قلبه يرتجف. "اسأل عمك... مين قتل والدك؟" رفع أحمد عينيه نحو باب المنزل، حيث اختفى أورهان منذ لحظات. — لا... مستحيل. دخل البيت بسرعة، لكنه توقف عندما وجد عمه يقف في الصالة. كان أورهان يعرف من نظرة أحمد أن شيئًا قد حدث. — إنت شفت الرسالة؟ رفع أحمد الهاتف أمامه. — دي إيه؟ تغير وجه أورهان، وكأن الماضي الذي حاول دفنه عاد أمامه فجأة. — مين بعتلك الصورة دي؟ — جاوبني الأول! ارتفع صوت أحمد لأول مرة. — أبويا مات في حادث، صح؟ لم يرد أورهان. اقترب أحمد منه. — صح ولا لأ؟ خفض أورهان عينيه. — أنا قلتلك اللي كنت محتاج تعرفه. — يعني كنت بتكدب عليا؟ خرج صوت أحمد مكسورًا. من خلف باب الغرفة، كانت مريم تقف تستمع إلى الحديث، بينما يوسف يقف بجانبها دون أن يفهم كل شيء. همست مريم: — يوسف، ادخل الأوضة. — بس... — من فضلك. أخذت يده وأبعدته. في الصالة، قال أورهان بصوت منخفض: — والدك ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت لك. تجمد أحمد. — إيه؟ — كان في ناس بتطارده قبل الحادث. — مين؟ صمت أورهان للحظات. ثم قال: — عائلة أرسلان. شعر أحمد بالغضب. — وليه؟ — لأن والدك كان يعرف سرًا خطيرًا عنهم. — إيه السر؟ قبل أن يجيب أورهان، سُمع صوت طرق قوي على الباب. التفت الاثنان. اقترب أحمد من الباب وفتحه بحذر. كان رجلًا غريبًا يقف أمامه. نظر إليه لثوانٍ، ثم قال: — أحمد يلماز؟ — أيوه. — لازم تيجي معايا. ضحك أحمد بسخرية. — إنت مين أصلًا؟ أخرج الرجل بطاقة من جيبه. — أنا محامي. نظر أحمد إلى البطاقة، ثم رفع عينيه. — وعايز مني إيه؟ — والدك ترك لك شيئًا قبل موته. اتسعت عينا أحمد. — إيه هو؟ ابتسم الرجل ابتسامة غامضة. — لما تشوفه هتفهم ليه ناس كتير كانت بتحاول تمنعك من معرفة الحقيقة. وقبل أن يكمل، ظهر أورهان خلف أحمد. — امشي من هنا. نظر الرجل إلى أورهان بثبات. — عارف إنك كنت مستني اليوم ده. ثم استدار وغادر. أغلق أحمد الباب، والتفت إلى عمه. — مين الراجل ده؟ لم يرد أورهان. — عمي! قال أورهان أخيرًا: — لو عايز تحمي إخواتك، انسَ الموضوع. لكن أحمد لم يعد يستطيع التراجع. في اليوم التالي، عادت مريم ويوسف إلى المدرسة. كانت مريم تتحدث مع ميليس في الساحة، بينما جلس يوسف مع برك وتولغا. فجأة اقترب شاب جديد منهم. — إنت يوسف يلماز؟ رفع يوسف رأسه. — أيوه. مد الشاب يده. — أنا بورا أرسلان. تغيرت ملامح يوسف فورًا. تذكر كلام عمه. عائلة أرسلان. أما بورا، فلم يكن يعرف أن اسم عائلته وحده سيجعل بداية صداقتهما أصعب مما توقع. ومن بعيد، كانت فتاة تراقب المشهد باهتمام. كانت تعرف بورا جيدًا... وتعرف أيضًا سرًا عن عائلة يلماز. سرًا لو انكشف، لن تبقى المدرسة كما كانت أبدًا.كان الدخان يملأ المكان، وصوت النيران يعلو فوق كل شيء.صرخ كنعان:— بسرعة! افتحوا الباب!اندفع رجال الشرطة نحو المدخل، بينما كانت مريم تسعل بشدة خلف أحد الأعمدة.— أحمد!لم تجد ردًا.حاولت الوقوف، لكن الدخان جعل رؤيتها شبه مستحيلة.— يوسف!جاءها صوت ضعيف من الجهة الأخرى:— مريم!ركضت نحوه، فوجدت يوسف يحاول فك الحبل حول يديه.— يوسف!احتضنته بقوة.— إنت كويس؟— أيوه... بس أحمد وبورا لسه جوه.تجمدت مريم.— فين؟— آخر مرة شفتهم كانوا عند الدرج.بدأت تبحث وسط الدخان.وفجأة ظهر بورا وهو يسند أحمد.كان أحمد ينزف من جبهته، وذراعه مصابة.— مريم!ركضت نحوهما.— أحمد!قال بورا:— لازم نخرج بسرعة.— إنتوا كويسين؟أجاب أحمد بصعوبة:— يوسف؟— معايا.— ونجاة؟— في البيت.تنفس أحمد براحة.في تلك اللحظة وصل كنعان ورجاله.— الكل يخرج حالًا!أمسك أحد الضباط بيد يوسف، بينما ساعد كنعان بورا في إخراج أحمد.خرجوا من المصنع، وبعد لحظات انهار جزء من المبنى خلفهم.وقفت مريم تراقب المكان وهي ترتجف.— كمال...قال كنعان:— مش موجود.رفع أحمد رأسه.— وطارق؟— اختفى هو كمان.نظر بورا إلى عاكان، الذي وصل إلى المكان
ساد الصمت داخل المنزل بعد كلمات فاطمة.كانت مريم تحدق فيها غير مصدقة، بينما وقف أحمد أمامها وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه.— إنتِ بتقولي إيه؟رفعت فاطمة عينيها إليه.— بقول الحقيقة اللي اتدفنت سنين طويلة.اقترب أحمد منها.— إنتِ السبب في موت أبويا؟أغمضت عينيها لحظة.— أنا كنت السبب في بداية كل شيء... لكني ما كنتش اللي قتله.تنفس أحمد ببطء.— أمال مين؟نظرت فاطمة إلى أورهان.— أخوك.تجمد أحمد.— كمال؟هزت رأسها.— أيوه.قال أورهان بغضب:— أمي، كفاية!— لا يا أورهان. كفاية كذب.تراجعت فاطمة خطوة.— أنا فضلت ساكتة سنين عشان أحميكم، لكن سكوتي خلى أولادي وأحفادي يدفعوا الثمن.سأل أحمد:— إيه اللي حصل؟جلست فاطمة على الكرسي، وبدأت تحكي.— والدك كان اكتشف إن في فلوس بتختفي من شركات العيلة. بدأ يدور، ولما وصل للحقيقة عرف إن كمال كان بيستخدم اسم العيلة في صفقات مشبوهة.قال أحمد:— وعائلة أرسلان؟— كانوا جزء من القصة، لكن مش كلهم.تدخل أورهان:— والدك حاول يواجه كمال.— وبعدين؟أجابته فاطمة:— حصلت مواجهة بينهم ليلة وفاته.توقف أحمد.— وإنتِ كنتِ هناك؟— أيوه.— وشوفتي مين قتله؟صمتت فاطمة طويلً
كان كنعان واقفًا أمام باب المخزن، يقرأ الرسالة للمرة الثانية."لو دخلت، أحمد هيموت."رفع عينيه نحو المبنى، ثم نظر إلى رجاله.— محدش يدخل.قال أحدهم:— لكن يا فندم، أحمد وبورا جوه.— عارف.— ممكن يكونوا في خطر.أجابه كنعان بحدة:— عشان كده لازم نفكر قبل ما نتحرك.وفي الداخل، كان أحمد يحدق في الرجل الذي ظهر أمامه.لم يستطع تصديق ما تراه عيناه.— إنت؟ابتسم الرجل.— أيوه، أنا.كان نائل يلماز يقف أمامهم، أحد أفراد العائلة الذين لم يتوقع أحمد يومًا أن يكون لهم علاقة بكل ما يحدث.صرخ أحمد:— إنت اللي بعت الرسائل؟— بعضها.— وإنت اللي كنت بتراقبنا؟— أيوه.تقدم بورا خطوة.— ليه؟نظر نائل إليه.— لأن والدك كان لازم يدفع ثمن اللي عمله.غضب بورا.— أبويا عمل إيه؟ضحك نائل.— دي مش قصة أبوك وحده.تدخل أحمد:— عايز إيه مني؟اقترب نائل منه.— الدفتر.أمسك أحمد بالدفتر بقوة.— مش هتاخده.— إذن هارون هيموت.نظر أحمد إلى هارون المقيد.كان وجهه متعبًا، لكنه قال:— متديلوش حاجة.اقترب نائل منه.— لسه عندك شجاعة؟رد هارون:— أكتر منك.غضب نائل، لكنه تراجع.قال أحمد:— إنت بتدور على إيه في الدفتر؟صمت نا
ظل هاتف أحمد يرن في يده، بينما كان أورهان يقف أمامه.نظر أحمد إلى شاشة الهاتف، ثم رفع عينيه نحو عمه.— إزاي رقمك بيتصل بيا وإنت واقف قدامي؟لم يجب أورهان فورًا.اقترب منه وأخذ الهاتف.— متردش.— ليه؟— لأن الشخص اللي بيتصل عايز يعرف إذا كنت اكتشفت الحقيقة ولا لأ.تدخلت مريم بقلق:— أحمد، في إيه؟نظر إليها ثم إلى يوسف.— خليكوا جنبي.توقف الهاتف عن الرنين.وبعد ثوانٍ، وصلت رسالة.فتحها أحمد."كويس إنك ما رديتش... لأن اللي واقف جنبك مش أورهان."تجمد أحمد.رفع عينيه ببطء نحو عمه.لاحظ أورهان نظراته.— صدقت الرسالة؟— معرفش.ظهر الغضب على وجه أورهان.— أحمد، أنا عمك.— وأنا مش عارف أثق في مين!ساد الصمت.تقدم كنعان دمير، الذي كان قد جاء إلى المدرسة بعد بلاغ جديد.— حصل إيه؟أعطاه أحمد الهاتف.قرأ كنعان الرسالة، ثم نظر إلى أورهان.— هل عندك أي تفسير؟قال أورهان:— حد بيحاول يوقعني.— وليه؟— عشان يعرف أحمد الحقيقة.رد أحمد:— أي حقيقة؟تدخل هارون الذي كان يقف بعيدًا:— الحقيقة اللي أبوك مات عشانها.التفت الجميع إليه.قال أحمد:— إنت عارف؟— أعرف جزءًا منها.— قولي.تنهد هارون.— والدك كان
ارتجّ المنزل من صوت الانفجار، وتناثرت قطع الزجاج من إحدى النوافذ.صرخت نجاة:— أحمد!ركض أحمد نحوها، وأمسك بها قبل أن تسقط.— متخافيش، أنا هنا.لكن عينيه كانتا تبحثان عن مريم ويوسف.— مريم! يوسف!— إحنا هنا!ظهر يوسف من خلف الباب، ممسكًا بيد مريم.كان أورهان يحاول إغلاق الستائر، بينما وقف عاكان أرسلان أمام النافذة ينظر إلى السيارة المشتعلة في الخارج.قال هارون:— لازم نخرج من هنا.التفت أحمد إليه.— ونسيب كل حاجة؟— لو فضلنا، مش هنقدر نخرج أصلًا.قال عاكان بهدوء:— هارون عنده حق.نظر إليه أحمد بغضب.— إنت آخر واحد هسمع كلامه.اقترب عاكان منه.— ممكن تكرهني زي ما تحب، لكن لو عايز تحمي إخواتك، لازم تسمع.في تلك اللحظة، سُمع صوت سيارات تقترب.قال أورهان:— الشرطة.نظر الجميع إليه.— مين اتصل؟لم يجب أحد.بعد ثوانٍ، دوّى طرق قوي على الباب.— شرطة! افتحوا الباب!تنفس أحمد براحة، لكن هارون أمسك ذراعه.— استنى.— ليه؟— إحنا ما نعرفش مين اللي بره.فتح أورهان الباب ببطء.دخل رجل يحمل بطاقة رسمية.— أنا المفتش كنعان دمير.نظر إلى هارون، ثم إلى عاكان.— واضح إن الليلة جمعت ناس كتير.قال أحمد:—
تجمد أحمد في مكانه.كان الصوت الذي سمعه منذ ثوانٍ لا يمكن أن يكون حقيقيًا.صوت والده.الصوت نفسه الذي لم يسمعه منذ سنوات، لكنه ظل محفوظًا في ذاكرته.— أحمد...التفت يوسف إلى أخيه، بينما أمسكت مريم بيد نجاة.قال يوسف بصوت مرتجف:— إنت سمعت؟لم يجب أحمد.اقترب أورهان منهم بسرعة.— محدش يتحرك.قال أحمد:— الصوت جاي من تحت.— عارف.— يعني إيه عارف؟نظر أحمد إلى عمه بغضب.— إنت عارف إن في حد تحت البيت؟تنهد أورهان.— مش حد.— أمال مين؟لم يجب.بدأ أحمد ينزل الدرج ببطء.أمسكه أورهان من ذراعه.— قلتلك محدش ينزل.— أنا مش هفضل واقف وأنا سامع صوت أبويا تحت رجلي!حرر أحمد ذراعه وصعد إلى نهاية الممر.كانت هناك غرفة قديمة مغلقة منذ سنوات.أخرج أورهان مفتاحًا من جيبه.نظر إليه أحمد.— إنت معاك مفتاح؟— أيوه.فتح أورهان الباب.كانت الغرفة مظلمة ومليئة بصناديق قديمة.دخل أحمد خلفه.في الزاوية، كان هناك دولاب خشبي ضخم.أشار أورهان إليه.— أبوك خبّى حاجته هنا.فتح أحمد الدولاب، فوجد خلفه بابًا صغيرًا في الحائط.تذكر المفتاح الذي أعطاه بورا له.أخرجه من جيبه.— ده هو.نظر أورهان إليه بصدمة.— المفتاح و







