登入الفصل التاسع والعشرون: القرار
اهتز القصر بعنف. أقوى من أي مرة سابقة. تشققت الجدران. وانفجرت أجزاء من السقف. وامتلأت القاعة بأصوات الانهيار. أما الطفل المضيء فكان يختفي أمام أعيننا. جسده يتحول إلى ذرات نور صغيرة. تتطاير في الهواء كأنها نجوم تموت ببطء. شعرت بالخوف. ليس على نفسي. بل على الجميع. على آدم. على كاسر. على يونس. وعلى كل الأرواح التي انتظرت الخلاص قرنًا كاملًا. قال الطفل بصوت أضعف من السابق: "الوقت ينفد." ثم نظر إلي مباشرة. "اختاري." ساد الصمت. أما قلبي فكان يخفق بقوة. لم أكن أريد هذا القرار. لم أطلبه. لم أدخل القصر بحثًا عن مصير عظيم. كنت فقط أبحث عن الحقيقة. لكن الحقيقة قادتني إلى هنا. إلى هذه اللحظة. إلى هذا الاختيار. قال آدم بسرعة: "لا تستمعي إليه." التفت نحوه. كانت عيناه مليئتين بالخوف. الخوف الذي حاول إخفاءه طويلًا. ثم اقترب مني. وأمسك بيدي. وقال: "سنجد طريقة أخرى." ابتسم الطفل بحزن. وقال: "لا توجد." أغلق آدم عينيه للحظة. ثم صاح بغضب: "إذن سأبقى أنا!" تجمد الجميع. أما الطفل فهز رأسه. "لقد انتهى دورك." نظر إليه آدم بغضب. لكن الطفل تابع: "عشت مئة عام لأن القصر أبقاك." "أما الآن..." ابتسم ابتسامة هادئة. "...فحان وقت حريتك." ساد الصمت. أما ليان الأولى فكانت تنظر إلى آدم بعينين دامعتين. وكأنها توافق على كلام الطفل. لكن آدم لم يكن مستعدًا لسماع ذلك. قال بصوت مكسور: "لا أريد الحرية." ثم نظر إلي. وأضاف: "أريدها." شعرت بقلبي يرتجف. أما هو فتابع: "لأول مرة منذ مئة عام..." ابتلع ريقه بصعوبة. "...أشعر أنني أريد أن أعيش." انهمرت دمعة من عيني. أما ليان الأولى فأغلقت عينيها. وكأن تلك الكلمات كانت أجمل وأقسى ما سمعته. قال الطفل بهدوء: "وهذا هو السبب." ثم نظر نحوي. "القلب اختارك لأنك تستطيعين الحب دون أن تملكي." لم أفهم. لكن ليان الأولى فهمت. فابتسمت. وقالت: "لأنها مستعدة للتضحية." شعرت بالاختناق. لم أكن أريد التضحية. كنت خائفة. خائفة جدًا. لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا. إذا لم أفعل شيئًا... فسيموت الجميع. وفجأة... تذكرت كل شيء. أول ليلة دخلت فيها القصر. الخوف. الأسرار. الذكريات. الحب. والأشخاص الذين قابلتهم. ثم نظرت إلى آدم. كان ينظر إلي وكأنه يقرأ قراري. وقبل أن أتكلم... هز رأسه. "لا." ابتسمت وسط دموعي. وقلت: "لقد تعبت من الهروب." تجمد في مكانه. أما أنا فاقتربت من الطفل. خطوة. ثم أخرى. حتى وقفت أمامه. كان الضوء الخارج منه دافئًا. مطمئنًا. كضوء شمس بعد شتاء طويل. قال بصوت هادئ: "هل تقبلين؟" أغمضت عيني. وأخذت نفسًا عميقًا. ثم... فتحت عيني. لكن قبل أن أجيب... حدث شيء لم يتوقعه أحد. صدر صوت قوي من أعلى القاعة. ثم انفتح شق هائل في السقف. وتجمد الجميع. لأن شيئًا ما كان يسقط من الأعلى. شيئًا ضخمًا. مغطى بالضوء. وفي اللحظة التي اصطدم فيها بالأرض... انفجر الهواء حولنا. وأجبرنا على التراجع. أما أنا فشهقت بقوة. لأن الشيء الذي سقط أمامنا... كان ساعة. ساعة عملاقة. نفس الساعة التي كانت متوقفة عند الثامنة والنصف منذ بداية اللعنة. لكنها الآن... بدأت تتحرك. تك... تك... تك... ارتفع الصوت داخل القاعة. ثم ظهر رقم غريب فوق الساعة. رقم لم أره من قبل. 100 تجمد يونس. أما كاسر فشحب وجهه. حتى الطفل بدا مصدومًا. قلت بسرعة: "ما هذا؟" لكن يونس همس بصوت مرتجف: "لا..." نظرت إليه. فأكمل: "هذا مستحيل." ثم رفع رأسه نحو الساعة. وقال الجملة التي جمدت الدم في عروقي: "هناك مئة ثانية فقط قبل النهاية الحقيقية." وفي اللحظة نفسها... تحرك العقرب مرة أخرى. وأصبح الرقم: 99 نهاية الفصل التاسع والعشرين.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.