ログインبدأ الطريق هادئًا، والسيارة تنساب بين الطرق الممتدة بعيدًا عن أضواء المنتجع. كانت سيرين تجلس في المقعد الأمامي إلى جوار يوسف، على غير عادتها، بينما بقيت يداها متشابكتين فوق حجرها، وعيناها تتنقلان بين الطريق والنافذة، ثم تعودان إليه بخجل كلما ظنت أنه لا ينتبه. أما يوسف، فكان يقود بصمتٍ في البداية، وقد بدا أكثر هدوءًا مما شعرت به سيرين في داخله. وبعد لحظات، قطع الصمت أخيرًا، وقال وهو يركز عينيه على الطريق: "هل تشعرين بتحسن الآن؟" أومأت سيرين، ثم أجابت بابتسامةٍ صغيرة: "نعم، أفضل بكثير." التفت إليها للحظة، قبل أن يعيد نظره إلى الطريق، وقال بنبرةٍ هادئة: "هذا جيد، لقد كنت قلقًا عليكِ عندما اتصلتِ." خفضت سيرين عينيها، وشعرت بوخزةٍ من تأنيب الضمير، ثم قالت بخجل: "لم أكن مريضةً فعلًا." تباطأت ابتسامة يوسف قليلًا، لكنه لم يعلّق فورًا، واكتفى بأن نظر إليها للحظةٍ أخرى، وكأن الجملة لم تصل إليه كاملة، ثم سألها: "ماذا تقصدين؟" أخذت سيرين نفسًا عميقًا، وراحت تعبث بأصابعها قبل أن تجيب: "أقصد أنني لم أخرج لأنني متعبة فقط." ساد الصمت داخل السيارة. ظل يوسف ينظر إلى الطريق، لكن قبضته على الم
أما سيرين، فقد جلست بالقرب من أمها سلمى، تضم يديها فوق حجرها، بينما انشغلت عيناها بهاتفها الذي لم تفارقه منذ دقائق. كانت تفتحه بين الحين والآخر، تتنقل بين التطبيقات بلا هدفٍ حقيقي، ثم تعود إلى الشاشة نفسها، حيث تستقر محادثتها مع يوسف. يوسف. مجرد قراءة اسمه كانت كافيةً لتجعل قلبها يخفق بخفة، وترسم على شفتيها ابتسامةً صغيرة سرعان ما تحاول إخفاءها. كانت تتمنى لو أنه هنا، قريبًا منها، ولو لدقائق قليلة فقط. لم تكن تريد شيئًا محددًا، أو ربما كانت تريد أشياء كثيرة لا تعرف كيف تعترف بها حتى لنفسها؛ أن تسمع صوته، أن تراه أمامها، وأن تطمئن إلى أنه بخير، ثم تتظاهر بأن كل ذلك لا يعني لها شيئًا. فتحت محادثته، وظلت تحدق في مربع الكتابة طويلًا، قبل أن تحرك أصابعها بتردد وتكتب: "هل يمكنك المجيء؟" توقفت أنفاسها للحظة، واتسعت عيناها وهي تقرأ الكلمات التي كتبتها للتو. بدت لها الرسالة جريئةً أكثر مما ينبغي، وكأنها ألقت بنفسها من أعلى مكانٍ دون أن تعرف إن كان هناك من سيلتقطها في الأسفل. مسحت الرسالة فورًا، ثم أغلقت المحادثة وأعادت فتحها، قبل أن تهمس لنفسها بخجلٍ شديد: "لا، لا... ماذ
"أيوب رجلٌ طيب، أليس كذلك يا ياسمين؟" رفعت ياسمين عينيها إليها، ثم أجابت بسرعةٍ أربكتها هي نفسها: "بلى، طبعًا! إنه رجلٌ طيب جدًا." ابتسمت لالا رحمة ابتسامةً عريضة. "وأنيق أيضًا، أليس كذلك؟" "نـ... نعم." "ومحترم؟" "بالتأكيد." "ويعرف كيف يعامل المرأة؟" هنا توقفت ياسمين عن الإجابة. لم يكن السؤال صعبًا، لكنها شعرت بأن أي كلمةٍ ستقولها قد تتحول إلى اعترافٍ لا تستطيع التراجع عنه، وحين أدركت أنها تأخرت أكثر مما ينبغي، رفعت عينيها نحو لالا رحمة لتجدها تراقبها بفرحٍ مكتوم، وكأنها حصلت للتو على إجابةٍ كاملة دون أن تنطق الفتاة بكلمة. غطّت ياسمين وجهها بكفّيها، وتمتمت بخجل: "يا لالا رحمة، أرجوكِ!" ضحكت المرأة العجوز، وربتت على ركبتها بحنان. "حسنًا، حسنًا، لن أضغط عليكِ أكثر... الآن." رفعت ياسمين رأسها فورًا، وحدّقت فيها بصدمة. "الآن؟!" "طبعًا يا ابنتي. هل تظنين أنني سأترك الموضوع بهذه السهولة؟" لم تعرف ياسمين بماذا تجيب، فاكتفت بإخفاء وجهها مجددًا، بينما راحت لالا رحمة تضحك من قلبها، مستمتعةً بارتباك الفتاة التي بدأت تحبها أكثر مع كل دقيقةٍ تمر. --- على مقربةٍ منهما
في طاولةٍ أخرى، بعيدًا قليلًا عن ضجيج الرجال وأحاديثهم التي لا تنتهي، جلست الحاجة خديجة مستندةً إلى ظهر مقعدها، بينما كانت أميرة تجلس إلى جوارها ورأسها مستقرٌ فوق كتفها، في مشهدٍ يعكس مقدار الألفة التي تجمعهما. كانت أميرة تبدو شاردةً على غير عادتها، تعبث بأصابعها في طرف كمّها، فيما راحت الحاجة خديجة تربّت على يدها بحنان، وكأنها تعرف أن الفتاة تحتاج إلى شيءٍ من الطمأنينة أكثر مما تحتاج إلى الكلام. مالت خديجة نحوها قليلًا وسألتها بصوتٍ خافت: "ما بكِ يا بنتي؟ أراكِ ساكتةً منذ مدة. هل أنتِ متعبة؟" هزّت أميرة رأسها نافيةً، ثم تمتمت وهي تزيد من التصاقها بكتفها: "لا شيء يا جدتي، أنا فقط أريد أن أبقى هكذا قليلًا." ابتسمت المرأة العجوز، وقبّلت جانب رأسها، ثم أجابتها: "ابقَي كما تشائين يا روحي. كتفي ليس عليه إيجار، ولن أطردكِ منه." ضحكت أميرة بخفوت، ورفعت رأسها لتطبع قبلةً على خدّها، ثم عادت إلى مكانها، بينما راحت خديجة تتأملها بحنانٍ بالغ، وكأنها تتمنى لو تستطيع أن تزيح عنها كل ما يثقل قلبها بلمسةٍ واحدة. لم يكن عقل أميرة يتوقف عن التفكير في آدم، مهما حاولت أن تشغل نفسها عنه أو تت
ما إن عادت عائشة وليلى إلى حيث تجتمع العائلة حتى كان منير لا يزال يطوّق ليلى بذراعيه، معانقًا إياها بإصرارٍ جعل الفتاة تتحرك بين ذراعيه في محاولة يائسة للإفلات منه، بينما اكتفت هي بتوجيه نظرات استغاثة إلى الحاضرين، وقد احمرّ وجهها من شدة الخجل. ضحكت بلقيس، وهي تراقب ابنها الذي بدا وكأنه عثر أخيرًا على شيءٍ يرفض العالم كله أن ينتزعه منه، ثم قالت بمكرٍ أمومي: "منير، يا بني، اترك الفتاة تتنفس قليلًا! أقسم إنك ستخنقها بين ذراعيك قبل أن ينتهي الحفل." رفع منير رأسه نحو أمه دون أن يرخّي ذراعيه، وأجاب بكل جدية: "أنا أتركها تتنفس، أمي. إنها تتنفس الآن." انفجرت عائشة ضاحكة، بينما أغمضت ليلى عينيها للحظة، وكأنها تستسلم لمصيبتها العاطفية، قبل أن تتمتم: "بل أتنفس بصعوبة، لكن يبدو أن أحدًا هنا لا يهتم." ابتسمت بلقيس بحنان، ثم أضافت وهي تشير إلى ابنها: "هذا الولد كان هادئًا إلى درجة أنني كنت أظن أنني أنجبت تمثالًا، والآن صار لا يعرف كيف يترك فتاةً وشأنها!" "لقد تغيرت أولويات الحياة يا أمي." أجابها منير، ثم انحنى نحو أذن ليلى وهمس بما جعلها تتوقف عن مقاومته لثانية واحدة، قبل أن تعود إلى دفع صدره
حول مائدة مستديرة في أحد أركان المنتجع، جلست بلقيس بهدوء وهي تحمل حفيدتها الصغيرة ألماس بين ذراعيها. كانت الطفلة نائمة بسلام، ورأسها الصغير مستندًا إلى صدر جدتها، بينما راحت بلقيس تربت على ظهرها بحنان بين لحظة وأخرى.إلى جانبها جلست فاطمة الزهراء، منشغلة بهاتفها وهي تلعب إحدى الألعاب عليه، غير عابئة بما يدور حولها من أحاديث وضحكات.كانت فاطمة الزهراء ذات طبع طفولي بريء رغم كل ما مرت به، فهي لم تتجاوز التاسعة عشرة بعد، وكان من السهل أن تنسى للحظات أنها أم شابة حين تراها مندمجة في لعبة على هاتفها بهذه العفوية.وبالقرب منهما كانت بلقيس تتبادل الحديث بهدوء مع جميلة، قبل أن تتطرق هذه الأخيرة إلى سبب غياب أمل عن المنتجع.قالت بلقيس وهي تبتسم بأسف: "كنت أتمنى أن تكون معنا اليوم، لكنني سمعت أن أمين لديه بعض الأعمال لإتمامها في فرنسا." أومأت جميلة، ثم أجابت وهي تتنهد بخفة: "نعم، أمين لديه بعض الأعمال هناك، واضطرت أمل إلى الذهاب معه، لذلك تعذر عليها الحضور."ابتسمت بلقيس بتفهم، ثم قالت بنبرة ودودة: "لقد افتقدتها كثيرا، وأنا أعرف أنها لن تفوت مناسبة كهذه لو لم يكن الأمر ضروريًا خصوصا أن الأمر