LOGINفي مكان بعيد عن القصر، خلف بابٍ فولاذي لا يعرف بوجوده سوى نفرٍ قليلٍ جدا من البشر، كان عالم آدم مختلفًا تمامًا.
نزل درجا ضيّقًا تحت الأرض. بخطوات هادئة.. ثابتة، حتى وصل إلى بابٍ أسود ضخم. فتحه، فانبعثت من الداخل رائحة العفن والدماء ولحم بشري محترق. كان ذلك المخبأ السري الخاص بآدم. مكانا لا تدخله الشرطة، ولا الحراس العاديون، ولا يعرف عنه أحدٌ من أفراد العائلة. مكانًا يحتفظ فيه آدم بالأشخاص الذين لا يستطيع تسليمهم للعدالة… لسببٍ واحد: لأنه كان يريد أن يعرف الحقيقة بنفسه. دخل آدم ببطء. ووجد رجلا في منتصف الأربعينيات جالس على كرسيّ مثبتٍ في الأرض بالمسامير. مقيد اليدين والصدر والكاحلين. وجهه شاحبٌ مليءٌ بالجروح والكدمات. يتنفّس بصعوبة في شهيقٍ وزفيرٍ مبلّلين متقطّعين، والدموع تشقّ خطوطًا نظيفة عبر الأوساخ على وجهه. رفع رأسه حين رأى آدم. ~ سيدي… لم يجبه آدم. اقترب ووضع ملفًّا أسود على الطاولة أمامه، ثم فتحه. صور. أسماء. تواريخ. ومعلومات عن قريةٍ صغيرة ظهرت فيها طفلةٌ مجهولة الهوية قبل سنواتٍ طويلة. رفع آدم إحدى الصور. — هذه القرية. حدّق الرجل فيها، ثم أشاح بنظره. ابتسم آدم ابتسامةً باردة. — إذن تعرفها. ~ لا أعرف شيئًا. وضع آدم الصورة على الطاولة. — لا أنصحك بالكذب عليّ. صمت الرجل. جلس آدم أمامه، وأراح ذراعه على مسند الكرسي. كان هادئًا بشكلٍ مخيف. — قبل سنوات، ظهرت طفلة في تلك القرية بعد حادث سيارة. لم يتحرّك الرجل. تابع آدم: — طفلة في الخامسة من عمرها، كانت مصابة، وكانت تنادي على والديها. بدأ الرجل يتنفّس بسرعة. لاحظ آدم ذلك، وظهرت تلك الابتسامة الصغيرة على وجهه. — أنت تعرفها. ~ قلت لك سيدي… أنا لا أعرف شيئًا. انحنى آدم قليلًا نحوه. — اسمها أميرة. تغيّر وجه الرجل فورًا، ولم يحتج آدم إلى إجابة أخرى. خفض الرجل رأسه. ~ لا أعرف أين هي الآن. — لم أسألك عن مكانها. رفع آدم عينيه إليه. — سألتك إن كنت تعرفها. ظلّ الرجل صامتًا. نهض آدم ومشى ببطء حوله. — قبل سنوات، اختفت طفلة من عائلة السالم. توقف خلفه. — وفي الوقت نفسه تقريبًا، ظهرت طفلة مجهولة في قرية بعيدة، شخصٌ ما أخذها إلى هناك. التفت آدم إليه. — وأنت كنت واحدًا من هؤلاء الأشخاص. اتسعت عينا الرجل. ~ لا… لست أنا… لم أكن منهم. — لا داعي للكذب. فتح آدم الملف مرة أخرى وأخرج ورقة. — وجدنا اسمك. تجمّد الرجل. اقترب آدم منه أكثر. — وأصبح السؤال بسيطًا جدًّا. صمت لحظة. — لماذا أخذتم أميرة؟ لم يجب الرجل. اقترب آدم أكثر، وكان صوته هادئًا، لكنه فقد آخر ذرّة من الدفء. — ومن أمركم بذلك؟ ظلّ الرجل صامتًا. فأشار آدم بيده. تقدّم أحد رجاله حاملًا صندوق أدوات معدنية. أخذ آدم الزردية وثبّت حوافها المعدنية تحت ظفر الرجل، وبدأ يهزّها ببطء ذهابًا وإيابًا. ارتفع الظفر بصوت تمزيقٍ مبلّل. اهتز الرجل في الكرسي ضدّ الأربطة، وبرزت العروق في رقبته، وخرج صوتٌ حيوانيٌّ خام من حلقه وسرعان ما تجمّع الدم حول الظفر المرتخي وسال على الإصبع في خيوط رفيعة داكنة. لم يتعجّل آدم لم يرفع صوته ولم يفقد أعصابه. كان أسوأ من ذلك. كان هادئًا… كأنّه يتعامل مع مسألة عادية في يوم عمل. وفي كلّ مرّة حاول الرجل فيها الكذب، لوى آدم الزردية أكثر، حتى تحرّر ظفر ٱخر وسقط على صينية معدنية صغيرة تضمّ بالفعل عدّة أظافر أخرى. ثم أخذ قضيبًا معدنيًّا رفيعًا، سخّن طرفه في لهب بروبان صغير حتى توهّج، وضغطه عمدًا على لحم طرف الإصبع الخام الغنيّ بالأعصاب. وامتلأت الغرفة برائحة اللحم المحترق في الجوّ. انحنى جسد الرجل بقوّة ضدّ القيود، وخرجت منه صرخة جديدة عالية يائسة. وفجأة تكلّم الرجل في نحيب مرير: ~ لم نكن نعرف أنّها من عائلة السالم… توقّف آدم. — ماذا قلت؟ ~ كنّا نعرف فقط أنّ علينا أخذها… اقترب آدم منه. — من طلب منكم ذلك؟ ارتجف الرجل. ~ لا أعرف اسمه، لكن كان هناك رجل آخر. توقّفت أنفاس آدم لحظة. — من؟ ~ لم أرَ وجهه جيّدًا، كان يأتي بسيّارة سوداء وكان يضع خاتما. — أيّ خاتم؟ فتح الرجل عينيه. ~ خاتم عليه شعار. تجمّد آدم. — أيّ شعار؟ ابتلع الرجل ريقه. ~ لم أستطع رؤيته بوضوح. ساد الصمت. ثم سأل آدم: وماذا فعلتم بالطفلة؟ خفض الرجل عينيه. — تركناها قرب القرية. تراجع ٱدم خطوة، ثم قال ببرود: ومن كان معكم في السيّارة؟ ارتبك الرجل. ~ ثلاثة رجال. — أين هم؟ ~ اثنان ماتا منذ سنوات. — والثالث؟ خفض الرجل رأسه. ~ لا أعرف. استدار آدم ومشى نحو الباب. لكن قبل أن يخرج، التفت إلى رجاله: — ابحثوا عنه... أريد اسمه، مكانه، عائلته، وكلّ شخص تواصل معه منذ ذلك الحادث. ثم نظر إلى الرجل المقيّد — وأريد معرفة من أعطاهم الأمر، مهما استغرق الأمر. فتح الباب، ثم خرج.في مكان بعيد عن القصر، خلف بابٍ فولاذي لا يعرف بوجوده سوى نفرٍ قليلٍ جدا من البشر، كان عالم آدم مختلفًا تمامًا. نزل درجا ضيّقًا تحت الأرض.بخطوات هادئة.. ثابتة، حتى وصل إلى بابٍ أسود ضخم. فتحه، فانبعثت من الداخل رائحة العفن والدماء ولحم بشري محترق. كان ذلك المخبأ السري الخاص بآدم. مكانا لا تدخله الشرطة، ولا الحراس العاديون، ولا يعرف عنه أحدٌ من أفراد العائلة. مكانًا يحتفظ فيه آدم بالأشخاص الذين لا يستطيع تسليمهم للعدالة… لسببٍ واحد: لأنه كان يريد أن يعرف الحقيقة بنفسه. دخل آدم ببطء. ووجد رجلا في منتصف الأربعينيات جالس على كرسيّ مثبتٍ في الأرض بالمسامير.مقيد اليدين والصدر والكاحلين. وجهه شاحبٌ مليءٌ بالجروح والكدمات.يتنفّس بصعوبة في شهيقٍ وزفيرٍ مبلّلين متقطّعين، والدموع تشقّ خطوطًا نظيفة عبر الأوساخ على وجهه. رفع رأسه حين رأى آدم. ~ سيدي… لم يجبه آدم.اقترب ووضع ملفًّا أسود على الطاولة أمامه، ثم فتحه. صور.أسماء.تواريخ.ومعلومات عن قريةٍ صغيرة ظهرت فيها طفلةٌ مجهولة الهوية قبل سنواتٍ طويلة. رفع آدم إحدى الصور. — هذه القرية. حدّق الرجل فيها، ثم أشاح بنظره
ريم: جدتي... أريد أن أسألك عن شيء.نظرت إليها الجدة باهتمام.الجدة: اسألي عزيزتي.ترددت ريم.• عن طفولتي.ساد الصمت.تغيرت ملامح الجدة للحظة.لاحظت ريم ذلك فورًا.• أنتِ تعرفين شيئًا، أليس كذلك؟تنهدت الجدة.- ماذا تريدين أن تعرفي؟• كل شيء.ثم أضافت بصوت أخفض: خصوصًا عن اليوم الذي وجدتني فيه بعد الحادث.تجمدت ملامح الجدة.كانت تلك الذكرى قديمة، لكنها لم تختفِ من عقلها.جلست ريم أقرب إليها.• كنت طفلة، أليس كذلك؟أومأت الجدة.- نعم كنتِ صغيرة جدًا... ربما خمس أو ست سنوات. خفضت ريم عينيها.• وماذا حدث؟أخذت الجدة نفسًا طويلًا.- وجدتك بعد الحادث.• أين؟صمتت الجدة قليلًا.• في مكان بعيد عن القرية.رفعت ريم رأسها بسرعة.• أي قرية؟ترددت الجدة.- قرية قديمة جدا.• وما اسمها؟لم تجب.• جدتي...نظرت إليها الجدة بحزن.- لا أتذكر كل شيء يا ريم.عبست ريم.• لكنك كنتِ هناك يا جدتي.- نعم.• إذن كيف وجدتني؟ أخفضت الجدة عينيها.- كنتِ خائفة جدًا.سكتت ريم.تابعت الجدة: عندما رأيتك للمرة الأولى، كنتِ جالسة وحدك، ملابسك متسخة، ووجهك مليئًا بالكدمات و الغبار، وكنتِ تبكين.توقفت للحظة.- لم تكوني
في صباح اليوم التالي... استيقظت ريم وهي تشعر بثقل في جسدها.فتحت عينيها ببطء، وظلت للحظات تحدق في السقف دون أن تتحرك.كان رأسها لا يزال يؤلمها قليلًا.وضعت يدها على جبينها، ثم حاولت الجلوس وتوقفت للحظة عندما تذكرت ما قاله الطبيب.نوبة مفاجئة.إرهاق.راحة.لكنها لم تكن معتادة على الراحة ولم تكن تريد أن تتأخر عن عملها.ارتدت ملابسها ببطء، وربطت شعرها الأسود، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.نظرت إلى نفسها في المرآة.لثوانٍ، لم تعرف لماذا شعرت بانقباض في صدرها.كانت هناك صورة لا تزال عالقة في ذهنها.فتاة صغيرة.. شعر أسود مجعد وعينان زرقاوان.تلك الصورة التي رأتها في غرفة آدم.وضعت يدها على صدرها.• من تكونين؟لم تجد جوابًا.-------------------------بدأت ريم عملها كالمعتاد.كانت تحمل بعض الملابس وتعيد ترتيب إحدى الغرف، ثم انتقلت إلى الممرات، لكنها لم تستطع التركيز.كانت يداها تعملان، بينما عقلها بقي في مكان آخر.وبعد فترة، وجدت سارة في المطبخ.كانت سارة ترتب بعض الأشياء فوق الطاولة.اقتربت منها ريم.• سارة؟التفتت إليها.- نعم؟ترددت ريم للحظة.• أريد أن أسألك عن شيء.- اسألي.خفضت ريم صو
في الجناح الشرقي للقصر.كانت الليلة هادئة على غير عادتها.خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت. وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.• تحدثت مع مراد.رفع أحمد عينيه إليها.— ماذا قال؟ابتسمت ابتسامة حزينة.• كالعادة... لن يعود.خفض أحمد نظره.قالت سلمى:• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.سكتت للحظة، ثم أضافت:• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.ظل أحمد صامتًا.تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.نظر إليها أحمد— كلنا تغيرنا يا سلمى.هزت رأسها.• لا... ليس بهذه الطريقة.أطرقت عينيها.• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.تغيرت ملامح أحمد
في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...كانت ميلانو غارقة في المطر.خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.وقف مراد أمام النافذة.كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.كانت هناك امرأة في الغرفة.امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.تغيرت ملامحه.كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.قال بصوت منخفض: ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.ساد الصمت.تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.إلى الندبة.إلى الرجل الذي أصبحه.وفجأة...عاد إليه الماضي.لم يعد في ميلانو.كان هناك.في ال
وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة.أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها.اقترب الطبيب منها فورًا.- ابتعدوا قليلًا من فضلكم.تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء.انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته.مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع.وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه.- إنها بخير.تنفسَت سارة براحة واضحة.أما آدم فسأله مباشرة:— ماذا حدث لها؟أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة.تغيرت ملامح آدم.— صرع؟- نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق.نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها.قال الطبيب:— لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكا







