Se connecterواصل مراد تمرير أصابعه على يدها، وكأنه يرفض تقبّل أن صوته، الذي كان دائمًا كافيًا لجعل الجميع يصغون إليه، لم يستطع حتى الآن انتزاع كلمة واحدة منها.وبعد أن انتهى الطبيب من إعطائها العلاج، أخرج ورقة وبدأ يدوّن الوصفة الطبية والتعليمات اللازمة."تحتاج جوليا إلى الراحة التامة في الوقت الحالي، لا تحاولوا إجبارها على الوقوف أو المشي، خصوصًا بسبب إصابة كاحلها، يجب إبقاء ساقها في وضع مريح، وعدم السماح لها بتحميل وزنها عليها حتى نطمئن إلى طبيعة الإصابة، سأترك لكم الأدوية المناسبة، مع ضرورة مراقبة مستوى وعيها وتنفسها باستمرار."ثم أضاف بنبرة أكثر حزمًا: "وأريدكم أن تنتبهوا جيدًا إلى أي صداع شديد، أو قيء، أو ارتباك، أو صعوبة في إيقاظها، أو تغير في تنفسها، إذا ظهر أي من ذلك، فعليكم نقلها إلى المستشفى فورًا، وحتى إن بدت أفضل لاحقًا، فإن استمرار فقدان الوعي بعد السقوط يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا."أومأت سلمى بجدية، وأخذت الوصفة منه، ثم بدأت تسأله عن مواعيد الأدوية وكيفية العناية بكاحل جوليا.أما مراد، فلم يكن يستمع إلا إلى الجزء الذي يعنيه أكثر من غيره.الراحة.المراقبة.انتظار استعادتها لوعيها.ث
في تلك اللحظة، دخلت دادا رقية الصالة مسرعة، وتوقفت فجأة عندما رأته جالسًا على الأريكة، يحتضن جوليا بين ذراعيه. وضعت يدها على فمها، ثم اقتربت منهما بخطوات مترددة."يا إلهي... جوليا!"انحنت بجوار الأريكة، ولمست يد الفتاة برفق."حبيبتي، هل تسمعينني؟"لم يأتِها أي جواب.رفعت دادا رقية عينيها إلى مراد، فرأت الدموع على وجهه، ورأت الطريقة التي كان يضم بها جوليا إلى صدره، وكأنه يخشى أن يأخذها أحد منه."يا ولدي..."خرج صوتها مكسورًا."ستكون بخير، أليس كذلك؟"لم يجبها مراد.كل ما فعله أنه شد جوليا إليه أكثر، وأخفض رأسه حتى استقرت شفتاه فوق شعرها.بعد لحظات، دخلت سلمى مسرعة، تتبعها بلقيس وفاطمة الزهراء وأميرة.كانت سلمى أول من وصل إليه، وما إن رأت جوليا بين ذراعيه حتى شهقت، ثم جلست بجواره دون أن تنتظر دعوة، وراحت تتحسس جبين الفتاة ويدها بقلق. "جوليا، حبيبتي، هل تسمعينني؟"ثم رفعت وجهها إلى ابنها. "مراد، ماذا حدث؟"كان السؤال بسيطًا، لكنه لم يستطع الإجابة فورًا.فتح فمه، ثم أغلقه، وعاد ينظر إلى جوليا، كأن مجرد استعادة اللحظات التي وجدها فيها عند أسفل الدرج ستجعله يفقد السيطرة على نفسه مجددًا.أجا
كانت جوليا ملقاة عند نهاية الدرجات الحجرية، وجسدها ملتف على جانبه، وشعرها متناثر حول وجهها الشاحب. كانت إحدى يديها ممدودة نحو الحائط، كأنها ظلت تبحث عنه حتى اللحظة الأخيرة."لا!" خرجت الكلمة من فمه دون وعي، ثم اندفع نحوها نازلًا الدرجات ثلاثًا ثلاثًا، حتى وصل إليها وركع بجانبها."جوليا!" خرج اسمها من حلقه مبحوحًا ومكسورًا، ولم يشبه صوته المعتاد في شيء.مد يديه المرتجفتين ورفع رأسها برفق شديد، كأنها قد تنكسر بين أصابعه. كان وجهها شاحبًا، وعلى جبينها أثر خفيف من الاصطدام، لكن أنفاسها كانت موجودة، ضعيفة ومنتظمة."جوليا... حبيبتي، افتحي عينيكِ."لم تجبه.حركت شفتيها حركة صغيرة جدًا، ثم أصدرت أنينًا خافتًا، وارتخت أكثر بين يديه. شعر مراد بشيء ينهار داخله، لكنه أجبر نفسه على التركيز، فمرر أصابعه على رقبتها ليتأكد من نبضها، ثم تفقد إصاباتها بحذر، محاولًا ألا يحركها أكثر مما ينبغي.لاحظ انتفاخ كاحلها الأيسر والخدش الذي أصاب كتفها الأيمن، لكنه لم يستطع الجزم بمدى خطورة إصابتها. ازداد اضطراب أنفاسه، وانحنى نحوها وهو يناديها مجددًا."جوليا، اسمعيني..."اقترب حتى لامست جبهته جبهتها للحظة، ثم
وصلت السيارة إلى بوابة القصر بسرعة جنونية.لم ينتظر مراد حتى يتوقف السائق تمامًا، بل فتح الباب وقفز إلى الخارج، ومعطفه يتطاير خلفه مع الريح. تراجعت الوجوه التي كانت تنتظره عند المدخل خطوة إلى الوراء بمجرد أن رأت عينيه؛ كان الجنون واضحًا فيهما، والغضب الذي يشع منه جعل الجميع يتجنبون النظر إليه.صعد الدرجات الرخامية قفزًا، ثم اندفع مباشرة نحو جناحهما. فُتحت الأبواب أمامه الواحد تلو الآخر بقوة، حتى بدا كذئب يطارد رائحة فريسته داخل ممرات القصر الطويلة.دخل الغرفة، فقلب الأغطية وفتح الخزائن، ثم انحنى ليتفقد المساحة تحت السرير قبل أن يندفع إلى الحمام. وحين لم يجدها، خرج إلى الممرات الجانبية وهو يصرخ باسمها بكل ما يملك من قوة. "جوليا!"لم يجبه أحد.التفت فجأة، فرأى الحارسين الواقفين عند نهاية الممر. اقترب منهما بخطوات سريعة وقاسية، وقبل أن يتمكنا من الكلام، لكم الأول في فكه لكمة قوية أسقطته على ركبتيه، ثم استدار إلى الثاني ووجه إليه لكمة جعلت ظهره يرتطم بالحائط."أين هي زوجتي؟!"رفع الرجل الثاني يديه مرتجفًا، والدماء تسيل من زاوية فمه، ثم حاول أن يشرح موقفهما بصوت متقطع. "سيدي... نعتذر!
كان مراد قد أنهى آخر اجتماع له في الشركة، لكن شيئًا في داخله لم يكن على ما يرام.راجع العقود واحدًا تلو الآخر، ودقق في الحسابات، واستجوب المسؤولين عن المشاريع المتأخرة، وواجه بعض المديرين بأسئلة دقيقة جعلتهم يدركون أن غيابه لم يكن يعني أنه فقد السيطرة على شيء.وعندما أغلق الملف الأخير أمامه، رفع عينيه إلى الساعة.كان المساء يقترب.تذكر جوليا.وتذكر وعده لها قبل أن يغادر."سأعود قبل المساء."نهض فورًا، وأخذ معطفه، ثم قال لمساعده: "أوقفوا بقية الاجتماعات."نظر إليه مساعده باستغراب. "لكن سيدي، الاجتماع الأخير..."رفع مراد عينيه إليه، نظرة واحدة فقط، ثم قال بهدوء بارد: "غدًا."ابتلع المساعد كلماته فورًا.لم يكن في صوت مراد ما يسمح بالنقاش.بدأ يرتدي معطفه، لكن ذلك الضيق الغريب في صدره لم يختفِ، بل على العكس، كان يزداد كلما اقترب المساء، وكأن شيئًا داخله كان يصرخ بأن هناك خطبًا ما.مد يده إلى هاتفه الموضوع على طرف المكتب.كان مغلقًا منذ الثامنة صباحًا، كعادته بمجرد أن يبدأ عمله، يطفئ هاتفه تمامًا ولا يسمح لأي اتصال بأن يقطع تركيزه.ضغط على زر التشغيل، فأضاءت الشاشة.وفي اللحظة التالية، توق
في الثامنة صباحاً، غادر مراد القصر متجهًا إلى شركته، بعدما قرر أن يفاجئ الجميع بزيارة لم تكن في الحسبان.كان يريد أن يعرف بنفسه كيف سارت الأمور خلال فترة غيابه، ومن حافظ على ولائه، ومن استغل وجوده بعيدًا ليعبث بما لا يحق له العبث به. لم يكن يحب الاعتماد على التقارير وحدها؛ كان يريد أن يرى بنفسه، أن يراقب الوجوه، ويسمع الإجابات، ويعرف ما الذي تغير في شركته أثناء ابتعاده عنها.وقبل أن يغادر، دخل إلى جناحهما حيث كانت جوليا لا تزال في الغرفة، واقترب منها، وانحنى قليلًا نحوها، ثم قال بهدوء: "سأعود قبل المساء."ابتسمت جوليا، ومدت يدها تتحسس ملامحه حتى وصلت إلى وجهه، وكأنها أرادت أن تتأكد من وجوده أمامها قبل أن تجيبه بنبرة هادئة: "لا تقلق، لن أهرب."ابتسم مراد، ثم انحنى وقبّل جبينها بحنان."أعرف."خرج بعدها من الغرفة، بينما بقيت جوليا للحظات في مكانها، تستمع إلى صوت خطواته وهي تبتعد تدريجيًا في الممر، حتى اختفى الصوت تمامًا.---وفي غضون دقائق، وصل إلى مقر شركته في وقت لم يتوقع فيه أحد وصوله، وما إن توقفت سيارته أمام المدخل حتى نزل منها بخطوات ثابتة، ودخل المبنى دون أن يعلن عن زيارته مسبقًا.







