LOGINتغيرت ملامح جسور، وظهر التأثر في عينيه قبل أن يتمكن من إخفائه. لم يكن يتوقع أن يكون هذا أول ما تطلبه منه بعد أن كشف لها أكثر أجزائه حساسية. لم تطلب منه أن يتوقف عن استخدام ساقه الصناعية، ولم تتعامل معه وكأنه عاجز، بل أرادت ببساطة أن تتعلم أمرًا قد يجعل يومه أسهل.جذبها إلى صدره أكثر، وأحاطها بذراعيه، ثم قبّل رأسها طويلًا وقال بصوت خافت: "يا ثعلبتي... لا تعرفين ماذا تفعلين بي."رفعت وجهها إليه، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، ثم تمتمت بتلعثم خفيف: "أري... أريد فقط أن أتعلم."مرر يده على شعرها، وأجابها بحنان: "حسنًا، سأعلمك."ابتعد عنها قليلًا، ثم أشار إلى الساق الصناعية الموضوعة بجانب السرير وقال: "أولًا، أحضريها لي، من فضلك."نهضت جود بسرعة، والتقطتها بكلتا يديها، ثم عادت بها بحذر وجلست إلى جواره. وضعتها أمامه، وظلت تنظر إليها بتركيز شديد، وكأنها تستعد لدرس مهم لا تريد أن تفوت منه حرفًا واحدًا.بدأ جسور يشرح لها بهدوء كيفية تجهيز الساق الصناعية، والأجزاء التي ينبغي أن تنتبه إليها، والطريقة التي يتأكد بها من أن كل شيء في موضعه الصحيح قبل استخدامها. كانت جود تتابع حركات يديه بعي
في البداية لم تفهم جود ما الذي يريد إظهاره، حتى وقعت عيناها على ساقه اليسرى المبتورة، وعلى موضع بترها الذي كان يخفيه عادة تحت ملابسه، ثم لاحظت الساق الصناعية الموضوعة إلى جانب السرير.تجمدت في مكانها.لم يصدر عنها أي صوت، ولم تتحرك للحظات. اتسعت عيناها، وانتقلت نظراتها بين ساقه والساق الصناعية، ثم عادت إلى وجهه. تحركت أصابعها بعصبية، ورفّت عيناها بسرعة، قبل أن تهز رأسها هزة صغيرة لا إرادية. شعرت بالصدمة، وبالخجل لأنها لم تكن تعرف، وبألم مفاجئ لأنها أدركت أنه ظل يحمل هذا السر وحده، بينما كانت هي تقترب منه يومًا بعد يوم دون أن تعرف شيئًا عن هذا الجزء من حياته.راقب جسور تعابير وجهها بصمت. كان مستعدًا لدهشتها، وربما لأسئلتها، لكنه لم يكن مستعدًا تمامًا لما قد يراه في عينيها. خفض بصره إلى ساقه، ثم قال محاولًا الحفاظ على هدوئه: "فقدتها منذ سنوات، لم يكن الأمر سهلًا في البداية، واحتجت إلى وقت طويل حتى أتعلم كيف أعيش من جديد، وكيف أتحرك وأمارس حياتي دون أن أشعر بأن كل شيء تغير."رفعت جود عينيها إليه، لكنها لم تقاطعه، فتابع بصوت منخفض: "تعلمت استخدام الساق الصناعية، وتعلمت أن أعود إلى عمل
رفعت جود عينيها إليه، فوجدته ينظر إليها بابتسامته المعتادة، تلك الابتسامة التي تجعل ملامحه القاسية تبدو أكثر لطفًا مما يتوقعه المرء من رجل بحجمه وهيئته. ابتلعت ريقها، ثم أخذت نفسًا صغيرًا، وكأنها تجمع ما تبقى لها من شجاعة، وتحركت قليلًا نحوه. وفي تلك اللحظة، ارتعشت كتفها بحركة سريعة لا إرادية، وأغمضت عينيها بقوة قبل أن تفتحهما مجددًا، ثم راحت تفرك أصابعها ببعضها بتوتر.توقفت ابتسامة جسور حين لاحظ ارتباكها، وانخفضت عيناه إلى شفتيها للحظة قبل أن تعودا إلى عينيها."جود؟" همس متسائلًا، وقد انعقد حاجباه قليلًا أمام صمتها المفاجئ.لم تجبه. فتحت فمها كأنها تريد قول شيء، ثم أغلقته مجددًا، قبل أن تهز رأسها هزة صغيرة لا إرادية. أغمضت عينيها بسرعة، ثم مالت نحوه وطبعت قبلة خفيفة على شفتيه؛ قبلة قصيرة ومترددة، بالكاد استغرقت لحظة، لكنها كانت كافية لتجعله يتجمد في مكانه.لم يتوقعها قط. ذلك الرجل الذي اعتاد أن يواجه العالم دون أن يفقد اتزانه، وجد نفسه عاجزًا عن استيعاب أن جود، بخجلها وترددها وكل تلك البراءة التي تميزها، بادرت بتقبيله من تلقاء نفسها.ابتعدت عنه بمقدار ضئيل، وظلت عيناها مغمضتين،
سكنت جود فجأة. لم تكن معتادة على مثل هذه الحركات، ولا على رجل يستطيع أن يكون بهذا القدر من القوة والضخامة، ثم يتعامل مع يدها كما لو كانت شيئًا بالغ الرقة يخشى أن يؤذيه. رفع جسور عينيه إليها، فوجدها تنظر إليه بصمت، وقد اختلط الخجل بالدهشة في ملامحها، فسألها برفق: "ما الأمر؟" هزت رأسها بسرعة وأجابت: "لا شـ... شيء." ابتسم، ثم قال بنبرة أكثر دفئًا: "صباحك جميل، حبيبتي." خفضت عينيها، وظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيها رغم محاولتها إخفاءها، قبل أن ترد بخجل: "صـ... صباح الخير." ظل ينظر إليها للحظات، ثم مد يده ليبعد خصلة حمراء سقطت على جبينها. كانت حركة بسيطة، لكنها جعلته يتأمل وجهها أكثر مما أراد الاعتراف به؛ عينان خجولتان، ووجنتان مورّدتان، وملامح رقيقة تستيقظ ببطء بين ذراعيه. يا لها من فتاة صغيرة! كيف استطاعت أن تجعل سريره، الذي لم يكن سوى مكان يقضي فيه ساعات الليل وحيدًا، يبدو بهذه الألفة؟ لم يكن جسور رجلًا يشتكي من الوحدة. لقد اعتادها. اعتاد العودة إلى منزله بعد أيام طويلة، فلا يستقبله سوى الصمت. اعتاد أن يأكل وحده، وأن يستيقظ وحده، وأن يقضي الليالي الطويلة محدقًا في السقف دون
في فيلا الذئب... كان ضوء الصباح يتسلل بخجل عبر الستائر الثقيلة، ناشرًا خيوطًا ذهبية باهتة على أرجاء الغرفة الهادئة. في الخارج، كانت الحياة قد بدأت تستيقظ تدريجيًا، أما داخل ذلك السرير الواسع، فكان الزمن يبدو وكأنه قرر التمهل قليلًا. كان جسور مستلقيًا على ظهره، غارقًا في نوم عميق لم يعرفه منذ وقت طويل. بدا جسده الضخم أكثر استرخاءً مما اعتاد عليه من يراه؛ ذراعه الموشومة تمتد حول خصر جود، والأخرى تحيط بها من الأعلى، حتى بدت الفتاة الصغيرة محاصرة داخل دائرة دافئة من عضلاته ووشومه. كان رأسها الصغير وحده بارزًا من بين ذراعيه الضخمتين، وقد انتشرت خصلات شعرها الأحمر فوق الوسادة وعلى صدره، كأنها بقعة من اللهب استقرت وسط ذلك الجسد العريض. أما وجهها، فكان هادئًا على نحو نادر، وخدها مستندًا إلى صدره، حيث اعتادت أذناها سماع دقات قلبه المنتظمة. لم تكن جود تعرف متى نامت بهذه الطريقة تمامًا، ولا كيف انتهى بها الأمر ملتصقة به إلى هذا الحد. كل ما تذكره أن جسور كان قريبًا منها، وأنها شعرت بالدفء والطمأنينة، ثم غلبها النعاس دون أن تنتبه إلى اللحظة التي احتضنها فيها بذراعيه. تحركت رموشها أولً
ظل ياسين جالسًا في مكانه لبعض الوقت، وعيناه تتنقلان بين وجه الطفل المستقر في أحضان فاطمة وملامحها الهادئة التي بدت منشغلة تمامًا بإطعامه والاطمئنان عليه. لم يكن كثير الكلام، ولم يحاول اقتحام الحديث بين المرأتين، لكنه لم يستطع أيضًا أن يصرف انتباهه عنها تمامًا. كانت فاطمة تمسح برفق على ظهر الصغير، وتهمس له بكلمات حنونة بين الحين والآخر، بينما كانت جميلة تراقبهما بابتسامة ارتياح. بدا الطفل مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل ساعات؛ لم يعد يبكي أو يتلوى من الجوع، بل استسلم للدفء والطمأنينة، وكأن جسده الصغير وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه. نهض ياسين فجأة، وسوّى أكمام قميصه قبل أن يلتفت إلى والدته قائلًا باقتضاب: "أمي، تعالي معي قليلًا." رفعت جميلة عينيها إليه باستغراب، لكنها لم تسأله عن السبب. اكتفت بإلقاء نظرة على فاطمة، ثم ابتسمت لها قائلة: "سأعود بعد لحظات يا ابنتي." أومأت فاطمة برأسها بأدب، ثم عادت إلى الصغير، غير أن عينيها تبعتا ياسين للحظة وهو يتجه نحو الباب بخطواته الواثقة. ما بال هذا الرجل؟ كان هادئًا إلى درجة غريبة، لا يتحدث إلا بقدر الحاجة، ولا تكاد ملامحه تكشف عما يدور في ر







