LOGINتوالت الأيام.
وكان كل يوم يمر يجعل القرار أكثر قسوة. نفذ آزار ما عزم عليه. كان سيعيد حور إلى عالمها. لكن رغم قراره، لم يستطع منع نفسه من مراقبتها من بعيد. كان يتابعها بعينيه، يعرف متى تأكل، ومتى تنام، وكان أكثر ما يؤلمه هو بكاءها. كل ليلة. بصمت. كان يعلم أنها لم تعد قادرة على تصور حياتها بعيدًا عنه. وكان ذلك بالتحديد سبب إصراره على الفراق. فعالمه ليس مكانًا يناسبها. في صباح اليوم المقرر لرحيلها، ارتدت حور عباءتها البسيطة التي جاءت بها إلى هذا العالم للمرة الأولى. رفضت أن ترتدي أي شيء من ملابس القصر. ورفضت أن تحمل معها أي هدية. لم تكن تريد ذكرى. لأن الذكريات، تتحول إلى سكاكين. سارت خلف الخدم بخطوات بطيئة. كل خطوة كانت تبدو لها وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها. حتى وصلت إلى البوابة الكبيرة للجناح الملكي. انفتحت البوابة ببطء. ورأته. كان آزار واقفًا هناك. بقامته المهيبة، وملامحه الصارمة، وعينيه اللتين أخفتا خلف برودهما عاصفة كاملة. تعلقت عيناها به. ولم تستطع الحركة. أما هو، فنظر إليها طويلًا قبل أن ينطق باسمها: — «حور...» ارتجف قلبها. اقترب منها بخطوات ثابتة. وحين وقف أمامها، لم تجد ما تقوله. سقطت دمعة وحيدة على خدها. مد يده ببطء ومسحها بإبهامه. ظل ينظر إلى أثر دمعتها على إصبعه للحظة، ثم قال بصوت خافت: — «لا تبكي.» ضحكت من بين دموعها. — «تطلب مني ألا أبكي وأنت من يرسلني بعيدًا؟» لم يجد جوابًا. استدارت قليلًا، لكن يده أمسكت بيدها. — «حور.» توقفت. — «تناولي معي العشاء.» نظرت إليه باستغراب. — «اجلسي أرجوك لٱخر مرة.» اقتادها برفق إلى المائدة، وأجلسها، ثم جلس قبالتها. كانت المائدة ممتلئة بأشهى الأطباق، لكنها لم تكن ترى شيئًا منها. كان كل ما تراه هو وجهه. بدأت تأكل ببطء. وهو كذلك. لكن الصمت بينهما كان أثقل من أي حديث. وبعد أن انتهيا، انسحب الخدم، وبقيا وحدهما. رفع آزار بصره إليها. كانت ملامحه جادة، لكن عينيه لم تكونا كذلك. — «باسمي، وباسم شعبي ومملكتي، من مشرقها إلى مغربها، رحبت بكِ، وحميتكِ، نحن شعب لا يرضى بالظلم، ولا نسمح بأن يعاقب بريء بذنوب غيره.» خفضت حور رأسها. تابع: — «والآن، يا إنسية، سأعيدكِ إلى عالمكِ بأمان تام.» توقفت أنفاسها. — «أتمنى أن تعتبري بهذه التجربة، وأن تدركي أن الجن ليسوا أشرارا بالكامل كما كنت تظنين، فينا من يظلم، وفينا من يحمي. وفينا من يخون، وفينا من يفي.» صمت لحظة. ثم قال: — «أتمنى لكِ حياة هانئة، تحققين فيها كل ما ترجينه.» ظلت حور صامتة. لكن دموعها بدأت تنهمر. حاولت حبسها. فشلت. رفعت رأسها إليه، وقالت بصوت مكسور: — «هل يمكنني... أن أنام في حضنك؟» تجمد آزار. نظر إليها وكأنه لم يتوقع منها هذا الطلب. اقتربت منه أكثر. — «أرجوك.» لم يجب. قالت وهي تحاول السيطرة على شهقاتها: — « لا يهمني ولو كنت متزوج..» أغمض عينيه لحظة. تابعت: — « ما ذنبي أنا؟» ارتجف صوتها. — «أنا لم أختر أن أحبك.» ثم ابتسمت وسط دموعها ابتسامة موجوعة. — «أو ربما اخترت... دون أن أشعر.» ظل ساكنًا. — «أحببت هذا الشعور الذي ينتابني حين أكون بالقرب منك. أحببت أماني حين تكون إلى جواري. ألفت وجودك، وصوتك، وحتى غضبك.» اقتربت منه خطوة أخرى. — «قربك بالنسبة إليّ صار جنة... وبعدك صار نارًا.» ثم انهارت. ارتمت بين ذراعيه، تعانقه بكل ما تبقى لها من قوة. — «أرجوك يا آزار... لا تتركني.» شدت على ثوبه. — «لا ترسلني بعيدًا.» كانت شهقاتها تتكسر في صدره. — «أنا لا أريد العودة.» رفع آزار ذراعيه أخيرًا، واحتضنها. كان عناقًا طويلًا، صامتًا، يحمل كل الكلمات التي عجزا عن قولها. دفنت وجهها في عنقه، بينما أغمض هو عينيه. للحظات، سمح لنفسه أن ينسى العرش، والمملكة، والقوانين، والتحالفات، وكل ما يفصل بينهما. لم يكن هناك ملك ولا إنسية. كان هناك رجل يحتضن امرأة يخشى أن يخسرها، وامرأة تتشبث بآخر لحظة تجمعها به. بعد وقت طويل، أبعدها برفق. أمسك وجهها بين كفيه. حدق في عينيها طويلًا. ثم طبع قبلة هادئة على جبينها. قبلة لم تكن وعدًا. بل كانت وداعًا. حملها نحو السرير ووضعها عليه برفق. جلست وهي تنظر إليه، وكأنها تحاول حفظ تفاصيل وجهه إلى الأبد. خلع آزار خاتمه ووضعه جانبًا، ثم استلقى إلى جوارها. مد ذراعه، فجذبتها نحوه. استقرت برأسها على صدره، تسمع ضربات قلبه المتسارعة. لم يتحدث أيٌّ منهما. كانت الساعات تمر ببطء. وكلما شعرت حور أن النوم يقترب منها، فتحت عينيها من جديد، خائفة من أن تستيقظ فلا تجده. أما آزار، فظل مستيقظًا هو الآخر. كان ينظر إلى السقف، بينما تتصارع داخله رغبة في إبقائها، وعقل يأمره بأن يتركها ترحل. بعد وقت طويل، حرك عينيه نحوها. وجدها ما تزال مستيقظة. همس: — «أنتِ لم تنامي.» أجابت بصوت خافت: — «وأنت أيضًا.» ساد الصمت. ثم قالت: — «هل ستتذكرني؟» أغمض عينيه. — «لن أنساكِ.» توقفت أنفاسها للحظة. — «وعد؟» فتح عينيه ونظر إليها. — «وعد.» ابتسمت وسط دموعها. ثم أغمضت عينيها، واستسلمت أخيرًا إلى النوم وهي ما تزال بين ذراعيه. أما آزار... فبقي مستيقظًا. لأنه كان يعلم أن الصباح سيأتي. ومعه سيضطر إلى تنفيذ قراره. حتى لو كان ذلك يعني أن ينتزع بيديه المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تصل إلى أعماق قلبه.استيقظت حور مفزوعة من غفوتها، ورأسها مستند إلى وسادة خشنة داخل بيت بسيط في الجبل. فتحت عينيها على اتساعهما، وأخذت تلتفت حولها في ذهول، وكأنها تحاول أن تفهم أين هي، وكيف وصلت إلى هذا المكان. ثم اندفعت الذكريات إلى رأسها دفعة واحدة... ليلة الأمس. حضن أزار. دفء جسده. صوته. ذلك الشعور بالأمان الذي لم تعرف مثله من قبل. جلست فجأة، ثم التفتت إلى جانبها تبحث عنه، وقلبها يخفق بعنف. — «أزار؟» لم يجبها أحد. نهضت بسرعة، وأخذت تبحث بعينيها في أرجاء الغرفة. — «أين أزار؟ أين ذهب؟» فتحت الباب وخرجت مسرعة إلى باحة المنزل، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. — «أزار! أزار! أين أنت؟!» كان صوتها يرتجف، يحمل خوفًا موجعًا، وكأن قلبها يخبرها بأنه فقدته للأبد. وما إن بلغت منتصف الباحة حتى توقفت فجأة. كانت خالتها حليمة هناك، تجمع الحطب، وما إن سمعت صوتها حتى رفعت رأسها. تجمدت في مكانها للحظات، ثم اتسعت عيناها غير مصدقة. — «حور؟!» التفتت حور إليها. — «خالتي...» ألقت حليمة ما في يدها واندفعت نحوها. — «يا إلهي! حور! أحقًّا أنتِ؟!» احتضنتها بقوة، وأخذت تبكي وهي تتحسس
توالت الأيام. وكان كل يوم يمر يجعل القرار أكثر قسوة. نفذ آزار ما عزم عليه. كان سيعيد حور إلى عالمها. لكن رغم قراره، لم يستطع منع نفسه من مراقبتها من بعيد. كان يتابعها بعينيه، يعرف متى تأكل، ومتى تنام، وكان أكثر ما يؤلمه هو بكاءها. كل ليلة. بصمت. كان يعلم أنها لم تعد قادرة على تصور حياتها بعيدًا عنه. وكان ذلك بالتحديد سبب إصراره على الفراق. فعالمه ليس مكانًا يناسبها. في صباح اليوم المقرر لرحيلها، ارتدت حور عباءتها البسيطة التي جاءت بها إلى هذا العالم للمرة الأولى. رفضت أن ترتدي أي شيء من ملابس القصر. ورفضت أن تحمل معها أي هدية. لم تكن تريد ذكرى. لأن الذكريات، تتحول إلى سكاكين. سارت خلف الخدم بخطوات بطيئة. كل خطوة كانت تبدو لها وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها. حتى وصلت إلى البوابة الكبيرة للجناح الملكي. انفتحت البوابة ببطء. ورأته. كان آزار واقفًا هناك. بقامته المهيبة، وملامحه الصارمة، وعينيه اللتين أخفتا خلف برودهما عاصفة كاملة. تعلقت عيناها به. ولم تستطع الحركة. أما هو، فنظر إليها طويلًا قبل أن ينطق باسمها: — «حور...» ارتجف قلبها. اقت
في خضم الصراعات المظلمة التي كانت تعصف بعوالم الجان، كانت حور أمام ملكهم القاسي، عاجزة عن التنفس أمام تلك النظرات التي كان آزار يرمقها بها. كانت نظراته نارية، نافذة، كأنها تحاول اختراق أعماقها. كانت تعرف منذ البداية أنه رجل متزوج وله أبناء، ولم تكن تلك الحقيقة مجهولة عنها. لكنها، رغم معرفتها، لم تكن مستعدة لسماعها بهذه الصراحة القاسية. لقد أخبرها أن له ثلاث زوجات. الأولى كانت ابنة عمه، زواجه منها امتداد لتقاليد العشيرة وأعرافها القديمة، أما الثانية والثالثة، فلم تكونا سوى زيجتين سياسيتين، فرضتهما التحالفات بين القبائل والممالك، وحاجة العرش إلى تثبيت نفوذه وحماية حدوده. وقفت أمامه بعزة نفس تحاول أن تخفي ارتعاشة روحها، بينما كان آزار يراقبها بصمت، يحاول بدوره السيطرة على عاصفة هوجاء كانت تتصاعد في صدره. كان يعلم أنها تتألم... ويعلم أنها تعلقت به بشدة. وربما كان أكثر ما يخيفه أنه بدأ يتعلق بها هو الآخر. ضاقت عيناه حين لاحظ أنها لم تمس الطعام الموضوع أمامها... قال بصرامة: — «حور، كلي.» لم تجبه. اكتفت بإدارة وجهها بعيدًا عنه، وكأن الطعام صار آخر ما يشغلها في هذه ال
كان الجني يتوسل إليه، وصوته يرتجف من شدة الألم: — «ارحمني يا جلالتك، ارحمني... أنا مجرد رسول... ارحمني ارجوك...» وكان لا يزال يغرز يديه في بطنه أكثر فأكثر، بينما يصرخ من شدة الألم: — «من أرسلك؟ من؟ هل هو أحد أعدائي؟!» أجاب الجني، والألم يمزقه: — «آه... من وسط القصر يا مولاي... الأوامر جاءتني من داخل قصرك...» وعلى إثر كلماته، غرز يده الأخرى في صدره، فانفجر يصرخ حتى انقطع صوته. قال آزار بحدة: — «هل تعي ما يخرج من فمك؟!» أجاب الجني بصوت متقطع: — «أقسم بالله العلي العظيم، رب العرش الكريم، أنني لا أكذب...» أفلته آزار، وهو يعتصر غضبًا، بينما راحت عيناه تتابعان اللقطات وهي تمر أمامه واحدة تلو الأخرى. كانت هذه إحدى قواه، لكنه لم يكن يستخدمها داخل قصره، لثقته بأهل قصره وعدم شكه في ولائهم. وفجأة، فتح عينيه بصدمة، وعقد حاجبيه، والشرر يتطاير من عينيه. ثم أشار بيديه، فظهر غولان ضخمان، مرعبان، وحملاه بعيدًا. أما الجني المسكين، فقد بات مصيره محتومًا... --- سار آزار باتجاه حور... اقترب منها، ثم وضع يده، التي كانت ضخمة جدًا، على وجهها، يتلمس وجنتيها برفق، قبل أن يضع يده فوق رأسها. وأ
كان زيرافيل غاضب بشدة، ورويا إلى جانبه ليست أقل منه... فمنذ تلك الليلة، لم يسمعوا أي خبر عن المارد، وكأن الأرض انشقت وابتلعته. صرخ زيرافيل بعصبية: — «آآآآآه! سأقتلك! سأقتلك أيها المارد! سأخنقك...!» أجابته رويا محاولةً تهدئته: — «سنجد حلًّا، فقط اهدأ...» لكنه انقضّ عليها فجأة، وأمسك بخناقها، رافعًا إياها نحو الحائط، ثم أخذ يعتصر عنقها حتى كادت عيناها تجحظان، وازرقّ وجهها من شدة الاختناق. قال زيرافيل باحتقار: — «كم أضعت من الوقت وأنا أتبعكِ، أيتها العجوز الشمطاء، بينما لا أحصد سوى الخيبات... يبدو أنه لم يعد يُرجى منكِ أيّة فائدة.» ثم ألقاها أرضًا واختفى في لمح البصر. نهضت رويا وهي تسعل بشدة وتلهث، ثم توعدت بصوت حاقد: — «سأنتقم منكم! سأنتقم منكم جميعًا! سأريكم من هي رويا التي احتقرتموها، وما هي قيمتها... سأنتقم منكم جميعًا حتى الموت!» وظلت تضحك بهستيريا وجنون، وتارةً أخرى كانت تجهش بالبكاء، وكأن عقلها قد ضاع بين الانتقام والانهيار... --- في مكان آخر، دخلت الخادمة مسرعة وهي تلهث: — «جلالتكِ! جلالتكِ! لقد وجدت من يقوم بالمهمة... أعطيته حُزَمًا من الذهب والعنبر الخالص، وأمرته
أغمضت حور عينيها، واستسلمت للهواء من حولها.كانت تستمتع بكل لحظة.مرة تصرخ من شدة الحماس، ومرة تضحك، ومرة تفتح عينيها لتتأمل السماء، ثم تعود فتغمضهما وهي تضحك من قلبها.وهكذا...مضت الليلة بين السماء والنجوم والقمر، حتى بدأ ضوء الفجر يشق الظلام.وعندما عاد آزار بها، كانت حور قد أنهكها التعب.ما إن وصلت حتى سقطت على الفراش من شدة الإرهاق، ولم تمضِ سوى لحظات حتى غلبها النوم.ومرت الأيام...وصارت كل ليلة .وهما يقتربان من بعضهما أكثر فأكثر، أو بالأحرى... كانت حور هي التي تجد نفسها تقترب منه يومًا بعد يوم.أصبحت تحكي له كل شيء.كل ما حدث معها، كل ما تخشاه، كل ما تتمناه، وحتى الأشياء الصغيرة التي لم تكن تجد من تتحدث إليه بشأنها.صار آزار صديق أسرارها.أما هو، فكان دائمًا إلى جانبها، يستمع إليها بصبر، دون أن يقاطعها أو يسخر من مشاعرها.وكلما تمنت شيئًا، وجد طريقة لتحقيقه لها.حتى أصبحت تشعر أن وجوده بالقرب منها أمر طبيعي، وكأنها تعرفه منذ سنوات.وفي إحدى الليالي، دخل آزار المكان كعادته.ما إن شعرت حور بوجوده حتى التفتت إليه.— ٱزار؟ابتسم:— أجل.. كيف عرفتِ؟أخذت حور تدور بعينيها في أرجاء ا







