LOGINاستيقظت حور مفزوعة من غفوتها، ورأسها مستند إلى وسادة خشنة داخل بيت بسيط في الجبل.
فتحت عينيها على اتساعهما، وأخذت تلتفت حولها في ذهول، وكأنها تحاول أن تفهم أين هي، وكيف وصلت إلى هذا المكان. ثم اندفعت الذكريات إلى رأسها دفعة واحدة... ليلة الأمس. حضن أزار. دفء جسده. صوته. ذلك الشعور بالأمان الذي لم تعرف مثله من قبل. جلست فجأة، ثم التفتت إلى جانبها تبحث عنه، وقلبها يخفق بعنف. — «أزار؟» لم يجبها أحد. نهضت بسرعة، وأخذت تبحث بعينيها في أرجاء الغرفة. — «أين أزار؟ أين ذهب؟» فتحت الباب وخرجت مسرعة إلى باحة المنزل، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. — «أزار! أزار! أين أنت؟!» كان صوتها يرتجف، يحمل خوفًا موجعًا، وكأن قلبها يخبرها بأنه فقدته للأبد. وما إن بلغت منتصف الباحة حتى توقفت فجأة. كانت خالتها حليمة هناك، تجمع الحطب، وما إن سمعت صوتها حتى رفعت رأسها. تجمدت في مكانها للحظات، ثم اتسعت عيناها غير مصدقة. — «حور؟!» التفتت حور إليها. — «خالتي...» ألقت حليمة ما في يدها واندفعت نحوها. — «يا إلهي! حور! أحقًّا أنتِ؟!» احتضنتها بقوة، وأخذت تبكي وهي تتحسس وجهها وشعرها وكتفيها، وكأنها تخشى أن تختفي بين يديها إن أغمضت عينيها. — «أنتِ بخير... أنتِ حقًّا بخير!» ارتجفت شفتا حور. — «خالتي... أين أنا؟ ماذا حدث؟ أين أزار؟» وقبل أن تتمكن حليمة من الإجابة، خرجت عائشة مسرعة من خارج المطبخ، وما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى توقفت للحظة، وكأن الزمن انقطع من حولها. — «حور ابنتي استيقظتي...» رفعت حور رأسها. — «أمي؟» لم تحتج عائشة إلى كلمة أخرى. اندفعت نحوها واحتضنتها بكل قوتها، وأغرقت وجهها بالقبلات والدموع. — «بنتي! حبيبتي! يا قطعة من قلبي! الحمد لله... الحمد لله الذي أعادك إليّ!» بكت حور في حضنها، لكنها بقيت عاجزة عن استيعاب ما يحدث. — «أمي... هل أنا أحلم؟» شدتها عائشة إلى صدرها أكثر. — «لا يا ابنتي، لستِ تحلمين. أنتِ هنا... بين ذراعي أمك.» ابتعدت حور عنها قليلًا، وأخذت تحدق في وجهها. — «لكن... أنا... أنا كنت مع أزار.» تبادلت عائشة وحليمة نظرة طويلة. لاحظت حور ذلك، فازداد اضطرابها. — «أمي، أخبريني الحقيقة. ماذا حدث؟» مسحت عائشة دموعها، ثم أمسكت بوجه ابنتها بين كفيها. — «وجدتكِ أمام المنزل.» — «كيف؟ ومن احضرني؟؟» ترددت عائشة قليلًا قبل أن تجيب: — «رجال غرباء... لكنهم لم يكونوا مثل بقية الرجال.» قطبت حور حاجبيها. — «ماذا تقصدين؟» قالت بصوت خافت: — «قالوا إنهم جاؤوا بأمر من ملك الجان.» تجمدت حور. — «ملك الجان؟» أومأت عائشة. — «وكان معهم شيء آخر.» أخرجت عائشة من بين ثيابها رسالة صغيرة. — «هذه.» تناولتها حور بأصابع مرتجفة، وما إن وقع بصرها على الكلمات حتى خفق قلبها بعنف. كان اسم أزار مكتوبًا عليها. همست باسمه، ثم ضغطت الرسالة إلى صدرها، وانهمرت دموعها من جديد. وضعت عائشة يدها على كتفها. — «قالوا إنكِ بخير، وإنكِ شُفيتِ من مرضك، وإنهم أعادوكِ إلى أهلك لأن بقاءكِ هناك لم يعد ممكنًا.» شهقت حور. — «لماذا تخلى عني؟ لماذا؟!» لم تجبها عائشة. # فلاش باك كان أزار يسير في الظلام بخطوات بطيئة، محتضنًا حور بين ذراعيه، وكأنها أثمن ما امتلكه في حياته. لم تكن حور تعلم بما يحدث. كانت غارقة في نوم عميق، بينما كان هو ينظر إلى وجهها بصمت، يخفي في عينيه ألمًا يفوق قدرته على الاحتمال. همس: — «سامحيني يا حور...» طبع قبلة طويلة على جبينها، ثم مرر أصابعه برفق على شعرها. — «لو كان الأمر بيدي، لما تركتكِ أبدًا.» انحنى وقبّل شفتيها، ثم أغلق عينيه للحظة، وكأنه يحاول حفظ ملامحها في ذاكرته. — «لكنني لا أستطيع أن أترككِ معي... عالمي خطير وبعيد كل البعد عن عالمكِ.» حملها حتى بلغ المنزل الذي تتواجد فيه والدتها، ثم وضعها برفق على الفراش. ظل واقفًا إلى جوارها طويلًا. مد يده نحو وجهها، لكنه سحبها قبل أن يلمسها. — «لن أنساكِ... حتى لو كان نصيبي أن أحبكِ من بعيد.» ثم انحنى وطبع قبلة أخيرة على جبينها، قبل أن يرحل في الظلام، حاملًا معه قلبًا لم يعد يعرف كيف يعيش من دونها. مرت الأيام... ثم الأشهر... ثم السنوات. ثلاث سنوات كاملة انقضت منذ تلك الليلة. وخلال تلك السنوات، لم يغب أزار عن قلب حور ولو ليوم واحد. كانت تحاول أن تعيش، لكنها كانت تشعر بأن جزءًا منها بقي عالقًا في ذلك العالم. مرت عليها فترة قاسية، أثقل فيها الحنين روحها، وأصبح الألم رفيقًا دائمًا لها. لكنها في النهاية قالت لنفسها: — «إلى متى سأبقى أسيرة لغيابه؟» رفعت رأسها أمام المرآة، ومسحت دموعها. — «لقد رحل... لكنني ما زلت هنا.» سكتت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. — «سأعيش علي ذلك.» انتقلوا إلى مدينة أخرى، وهناك قررت حور أن تبدأ حياتها من جديد. لم يكن الطريق سهلًا. لكنها كانت مصممة. بدأت بطهي أشهى المأكولات، ثم راحت تبيعها كطلبيات من منزلها. ومع مرور الوقت، بدأت تشتهر، وأصبح الناس معجبين بطعامها، بينما كانت تقرأ تعليقاتهم المحفزة. — «طعامها مذهل!» — «يجب أن تفتح مطعمًا.» كانت تلك الكلمات تمنحها شيئًا من الثقة. وفي أحد الأيام، قالت لها والدتها: — «ألا تفكرين فعلًا في افتتاح مطعم؟» ابتسمت حور. — «أفكر، لكن المال لا يكفي.» — «ومن قال إنكِ وحدكِ ستدفعين؟» نظرت إليها حور باستغراب. — «ماذا تقصدين؟» ضحكت عائشة. — «انتظري حتى تعود خالتك.» وبعد ساعات، دخلت حليمة وهي تحمل كيسًا كبيرًا. وضعته أمام حور. — «افتحيه.» نظرت حور إليها بدهشة. — «ما هذا؟» — «افتحيه يا ابنتي.» فتحته بيد مرتجفة، وما إن رأت رزم النقود حتى شهقت. — «خالتي! من أين أتيتِ بكل هذا؟!» جلست حليمة أمامها وقالت بهدوء: — «هذا مال جمعته طوال سنوات. بعت بعض الممتلكات التي تركها المرحوم، وادخرت ما استطعت.» هزت حور رأسها بسرعة. — «لا، لا يمكنني أخذ هذا.» — «ولماذا؟» — «هذا مالكِ. تعبكِ وسنين عمركِ.» أمسكت حليمة يدها. — «وأنتِ ابنتي. ماذا أفعل بالمال إن لم أستخدمه لأراكِ سعيدة؟» — «لكن...» قاطعتها حليمة بحزم: — «لا أريد سماع كلمة "لكن".» نظرت حور إليها بعينين دامعتين. — «سأعيده إليكِ.» ابتسمت حليمة. — «أعيديه إليّ حين يصبح مطعمكِ أكبر مطعم في المدينة.» ضحكت حور وسط دموعها. — «اتفقنا.» وبفضل ذلك الدعم، إلى جانب تعبها وإصرارها، تغيرت حياة حور شيئًا فشيئًا. افتتحت مطعمًا صغيرًا في البداية. ثم اتسع المشروع. ثم أصبح لديها مطعم كبير ومميز على كورنيش البحر، بواجهة أنيقة تطل على الأمواج، وأطباق تحمل بصمتها الخاصة. وفي أحد الأيام، دخلت إليها إحدى العاملات وقالت: — «سيدتي حور، هناك رجل ينتظركِ في الخارج.» رفعت حور رأسها. — «من؟» — «يقول إنه يريد التحدث إليكِ بشأن الزواج.» تنهدت حور. — «أخبريه أنني لا أفكر في الزواج.» — «لكنه قال إنه لن يغادر حتى يسمع جوابكِ شخصيًا.» ابتسمت حور بسخرية. — «إذن فلينتظر طويلًا.» وبالفعل، تكرر الأمر مرارًا. رجال كثيرون تقدموا إليها. بعضهم كان ثريًا، وبعضهم صاحب مكانة، وبعضهم جاء إليها بإعجاب صادق. لكن جوابها ظل واحدًا: — «أعتذر، لا أستطيع.» وفي إحدى الليالي، جلست عائشة معها. — «حور، إلى متى ستستمرين هكذا؟» رفعت حور عينيها عن فنجان القهوة. — «هكذا كيف؟» — «ترفضين الجميع.» — «لأنني لا أريد الزواج.» تنهدت أمها. — «مرت ثلاث سنوات يا ابنتي.» صمتت حور. — «أعلم.» — «أزار قد لا يعود.» ارتجفت أصابع حور حول الفنجان. وبعد لحظات، قالت بصوت خافت: — «أعلم ذلك أيضًا.» — «إذن لماذا تنتظرينه؟» رفعت حور عينيها، وقد امتلأتا بالدموع. — «لم أعد أنتظره يا أمي.» سكتت عائشة. ابتسمت حور ابتسامة حزينة. — «أنا فقط... لم أستطع أن أحب أحدًا سواه.» اقتربت عائشة منها واحتضنتها. — «أخشى أن تضيعي عمركِ من أجل شخص قد لا يعود.» أغمضت حور عينيها، وهمست: — «وأنا أخشى أن أتزوج شخصًا لا أحبه، فأظلمه وأظلم نفسي.» شدتها أمها إلى صدرها. — «إذن ماذا تريدين؟» سكتت حور طويلًا، ثم قالت: — «أريد أن أعيش كما أنا... وأن أترك قلبي حيث تركته.» — «وأين تركتِ قلبكِ؟» فتحت حور عينيها، ونظرت نحو البحر من خلف النافذة. كانت الأمواج تلطم الصخور تحت ضوء القمر. همست: — «في مكان بعيد لا أستطيع الوصول إليه... قلبي أخذه أزار، وأنا من سلّمته له بيدي.» ابتسمت، رغم الألم. — «وسأظل وفيّة له... حتى يكتب الله لي نهاية أخرى.»استيقظت حور مفزوعة من غفوتها، ورأسها مستند إلى وسادة خشنة داخل بيت بسيط في الجبل. فتحت عينيها على اتساعهما، وأخذت تلتفت حولها في ذهول، وكأنها تحاول أن تفهم أين هي، وكيف وصلت إلى هذا المكان. ثم اندفعت الذكريات إلى رأسها دفعة واحدة... ليلة الأمس. حضن أزار. دفء جسده. صوته. ذلك الشعور بالأمان الذي لم تعرف مثله من قبل. جلست فجأة، ثم التفتت إلى جانبها تبحث عنه، وقلبها يخفق بعنف. — «أزار؟» لم يجبها أحد. نهضت بسرعة، وأخذت تبحث بعينيها في أرجاء الغرفة. — «أين أزار؟ أين ذهب؟» فتحت الباب وخرجت مسرعة إلى باحة المنزل، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. — «أزار! أزار! أين أنت؟!» كان صوتها يرتجف، يحمل خوفًا موجعًا، وكأن قلبها يخبرها بأنه فقدته للأبد. وما إن بلغت منتصف الباحة حتى توقفت فجأة. كانت خالتها حليمة هناك، تجمع الحطب، وما إن سمعت صوتها حتى رفعت رأسها. تجمدت في مكانها للحظات، ثم اتسعت عيناها غير مصدقة. — «حور؟!» التفتت حور إليها. — «خالتي...» ألقت حليمة ما في يدها واندفعت نحوها. — «يا إلهي! حور! أحقًّا أنتِ؟!» احتضنتها بقوة، وأخذت تبكي وهي تتحسس
توالت الأيام. وكان كل يوم يمر يجعل القرار أكثر قسوة. نفذ آزار ما عزم عليه. كان سيعيد حور إلى عالمها. لكن رغم قراره، لم يستطع منع نفسه من مراقبتها من بعيد. كان يتابعها بعينيه، يعرف متى تأكل، ومتى تنام، وكان أكثر ما يؤلمه هو بكاءها. كل ليلة. بصمت. كان يعلم أنها لم تعد قادرة على تصور حياتها بعيدًا عنه. وكان ذلك بالتحديد سبب إصراره على الفراق. فعالمه ليس مكانًا يناسبها. في صباح اليوم المقرر لرحيلها، ارتدت حور عباءتها البسيطة التي جاءت بها إلى هذا العالم للمرة الأولى. رفضت أن ترتدي أي شيء من ملابس القصر. ورفضت أن تحمل معها أي هدية. لم تكن تريد ذكرى. لأن الذكريات، تتحول إلى سكاكين. سارت خلف الخدم بخطوات بطيئة. كل خطوة كانت تبدو لها وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها. حتى وصلت إلى البوابة الكبيرة للجناح الملكي. انفتحت البوابة ببطء. ورأته. كان آزار واقفًا هناك. بقامته المهيبة، وملامحه الصارمة، وعينيه اللتين أخفتا خلف برودهما عاصفة كاملة. تعلقت عيناها به. ولم تستطع الحركة. أما هو، فنظر إليها طويلًا قبل أن ينطق باسمها: — «حور...» ارتجف قلبها. اقت
في خضم الصراعات المظلمة التي كانت تعصف بعوالم الجان، كانت حور أمام ملكهم القاسي، عاجزة عن التنفس أمام تلك النظرات التي كان آزار يرمقها بها. كانت نظراته نارية، نافذة، كأنها تحاول اختراق أعماقها. كانت تعرف منذ البداية أنه رجل متزوج وله أبناء، ولم تكن تلك الحقيقة مجهولة عنها. لكنها، رغم معرفتها، لم تكن مستعدة لسماعها بهذه الصراحة القاسية. لقد أخبرها أن له ثلاث زوجات. الأولى كانت ابنة عمه، زواجه منها امتداد لتقاليد العشيرة وأعرافها القديمة، أما الثانية والثالثة، فلم تكونا سوى زيجتين سياسيتين، فرضتهما التحالفات بين القبائل والممالك، وحاجة العرش إلى تثبيت نفوذه وحماية حدوده. وقفت أمامه بعزة نفس تحاول أن تخفي ارتعاشة روحها، بينما كان آزار يراقبها بصمت، يحاول بدوره السيطرة على عاصفة هوجاء كانت تتصاعد في صدره. كان يعلم أنها تتألم... ويعلم أنها تعلقت به بشدة. وربما كان أكثر ما يخيفه أنه بدأ يتعلق بها هو الآخر. ضاقت عيناه حين لاحظ أنها لم تمس الطعام الموضوع أمامها... قال بصرامة: — «حور، كلي.» لم تجبه. اكتفت بإدارة وجهها بعيدًا عنه، وكأن الطعام صار آخر ما يشغلها في هذه ال
كان الجني يتوسل إليه، وصوته يرتجف من شدة الألم: — «ارحمني يا جلالتك، ارحمني... أنا مجرد رسول... ارحمني ارجوك...» وكان لا يزال يغرز يديه في بطنه أكثر فأكثر، بينما يصرخ من شدة الألم: — «من أرسلك؟ من؟ هل هو أحد أعدائي؟!» أجاب الجني، والألم يمزقه: — «آه... من وسط القصر يا مولاي... الأوامر جاءتني من داخل قصرك...» وعلى إثر كلماته، غرز يده الأخرى في صدره، فانفجر يصرخ حتى انقطع صوته. قال آزار بحدة: — «هل تعي ما يخرج من فمك؟!» أجاب الجني بصوت متقطع: — «أقسم بالله العلي العظيم، رب العرش الكريم، أنني لا أكذب...» أفلته آزار، وهو يعتصر غضبًا، بينما راحت عيناه تتابعان اللقطات وهي تمر أمامه واحدة تلو الأخرى. كانت هذه إحدى قواه، لكنه لم يكن يستخدمها داخل قصره، لثقته بأهل قصره وعدم شكه في ولائهم. وفجأة، فتح عينيه بصدمة، وعقد حاجبيه، والشرر يتطاير من عينيه. ثم أشار بيديه، فظهر غولان ضخمان، مرعبان، وحملاه بعيدًا. أما الجني المسكين، فقد بات مصيره محتومًا... --- سار آزار باتجاه حور... اقترب منها، ثم وضع يده، التي كانت ضخمة جدًا، على وجهها، يتلمس وجنتيها برفق، قبل أن يضع يده فوق رأسها. وأ
كان زيرافيل غاضب بشدة، ورويا إلى جانبه ليست أقل منه... فمنذ تلك الليلة، لم يسمعوا أي خبر عن المارد، وكأن الأرض انشقت وابتلعته. صرخ زيرافيل بعصبية: — «آآآآآه! سأقتلك! سأقتلك أيها المارد! سأخنقك...!» أجابته رويا محاولةً تهدئته: — «سنجد حلًّا، فقط اهدأ...» لكنه انقضّ عليها فجأة، وأمسك بخناقها، رافعًا إياها نحو الحائط، ثم أخذ يعتصر عنقها حتى كادت عيناها تجحظان، وازرقّ وجهها من شدة الاختناق. قال زيرافيل باحتقار: — «كم أضعت من الوقت وأنا أتبعكِ، أيتها العجوز الشمطاء، بينما لا أحصد سوى الخيبات... يبدو أنه لم يعد يُرجى منكِ أيّة فائدة.» ثم ألقاها أرضًا واختفى في لمح البصر. نهضت رويا وهي تسعل بشدة وتلهث، ثم توعدت بصوت حاقد: — «سأنتقم منكم! سأنتقم منكم جميعًا! سأريكم من هي رويا التي احتقرتموها، وما هي قيمتها... سأنتقم منكم جميعًا حتى الموت!» وظلت تضحك بهستيريا وجنون، وتارةً أخرى كانت تجهش بالبكاء، وكأن عقلها قد ضاع بين الانتقام والانهيار... --- في مكان آخر، دخلت الخادمة مسرعة وهي تلهث: — «جلالتكِ! جلالتكِ! لقد وجدت من يقوم بالمهمة... أعطيته حُزَمًا من الذهب والعنبر الخالص، وأمرته
أغمضت حور عينيها، واستسلمت للهواء من حولها.كانت تستمتع بكل لحظة.مرة تصرخ من شدة الحماس، ومرة تضحك، ومرة تفتح عينيها لتتأمل السماء، ثم تعود فتغمضهما وهي تضحك من قلبها.وهكذا...مضت الليلة بين السماء والنجوم والقمر، حتى بدأ ضوء الفجر يشق الظلام.وعندما عاد آزار بها، كانت حور قد أنهكها التعب.ما إن وصلت حتى سقطت على الفراش من شدة الإرهاق، ولم تمضِ سوى لحظات حتى غلبها النوم.ومرت الأيام...وصارت كل ليلة .وهما يقتربان من بعضهما أكثر فأكثر، أو بالأحرى... كانت حور هي التي تجد نفسها تقترب منه يومًا بعد يوم.أصبحت تحكي له كل شيء.كل ما حدث معها، كل ما تخشاه، كل ما تتمناه، وحتى الأشياء الصغيرة التي لم تكن تجد من تتحدث إليه بشأنها.صار آزار صديق أسرارها.أما هو، فكان دائمًا إلى جانبها، يستمع إليها بصبر، دون أن يقاطعها أو يسخر من مشاعرها.وكلما تمنت شيئًا، وجد طريقة لتحقيقه لها.حتى أصبحت تشعر أن وجوده بالقرب منها أمر طبيعي، وكأنها تعرفه منذ سنوات.وفي إحدى الليالي، دخل آزار المكان كعادته.ما إن شعرت حور بوجوده حتى التفتت إليه.— ٱزار؟ابتسم:— أجل.. كيف عرفتِ؟أخذت حور تدور بعينيها في أرجاء ا







