LOGINكان الجني يتوسل إليه، وصوته يرتجف من شدة الألم:
— «ارحمني يا جلالتك، ارحمني... أنا مجرد رسول... ارحمني ارجوك...» وكان لا يزال يغرز يديه في بطنه أكثر فأكثر، بينما يصرخ من شدة الألم: — «من أرسلك؟ من؟ هل هو أحد أعدائي؟!» أجاب الجني، والألم يمزقه: — «آه... من وسط القصر يا مولاي... الأوامر جاءتني من داخل قصرك...» وعلى إثر كلماته، غرز يده الأخرى في صدره، فانفجر يصرخ حتى انقطع صوته. قال آزار بحدة: — «هل تعي ما يخرج من فمك؟!» أجاب الجني بصوت متقطع: — «أقسم بالله العلي العظيم، رب العرش الكريم، أنني لا أكذب...» أفلته آزار، وهو يعتصر غضبًا، بينما راحت عيناه تتابعان اللقطات وهي تمر أمامه واحدة تلو الأخرى. كانت هذه إحدى قواه، لكنه لم يكن يستخدمها داخل قصره، لثقته بأهل قصره وعدم شكه في ولائهم. وفجأة، فتح عينيه بصدمة، وعقد حاجبيه، والشرر يتطاير من عينيه. ثم أشار بيديه، فظهر غولان ضخمان، مرعبان، وحملاه بعيدًا. أما الجني المسكين، فقد بات مصيره محتومًا... --- سار آزار باتجاه حور... اقترب منها، ثم وضع يده، التي كانت ضخمة جدًا، على وجهها، يتلمس وجنتيها برفق، قبل أن يضع يده فوق رأسها. وأخذ يتمتم ببعض التعاويذ، حتى تنسى كل ما حدث معها... بعد تلك الليلة المشؤومة، لم تتذكر حور شيئًا مما حدث، لأن ذكرياتها مُحيت بفعل تعاويذ آزار. وكان آزار قد قرر أن يأخذها إلى قصر خلوته، لأنه لم يعد يثق بأهل قصره... --- كانت عائشة أم حور وسط الجبال، ترعى الماشية مع أختها حليمة، الأرملة التي توفي زوجها منذ سنوات. كانت جالسة بجوار النهر، تتنهد بشرود، حين جاءها صوت أختها من بعيد: حليمة: — «عائشة... يا عائشة..!» وصلت إليها لاهثة، من شدة الركض. قالت حليمة وهي تضع يدها على صدرها: — «بالله عليكِ يا أختي، لقد بُحَّ صوتي وأنا أناديكِ...» أجابتها عائشة بحزن: — «سامحيني يا أختي، لم أسمعكِ...» جلست حليمة إلى جوارها فوق الصخرة، ثم نظرت إليها طويلًا قبل أن تقول: — «ما بكِ يا أختي هذه الأيام؟ أراكِ لستِ على طبيعتك.» تنهدت عائشة، وقالت بصوت مثقل بالحزن: — «آه يا أختي... لو ترين... قلبي يحترق على ابنتي. لا أعلم إن كانت ميتة أم حية... هل ما فعلته كان صوابًا أم خطيئة؟» نظرت إليها حليمة بتساؤل: — «وأين الفتاة؟ ألم تتركيها مع والدها؟» هزت عائشة رأسها بسرعة: — «لم أتركها يا أختي، لم أتركها...» ضربت حليمة فخذيها جزعًا: — «يا ويلي! يا تعيسة! أين الفتاة؟ هل هربت؟!» أجابتها عائشة: — «لم تهرب يا أختي...» قالت حليمة بقلق: — «وإن لم تهرب، فأين هي؟» عندها روت عائشة لحليمة كل شيء... وما إن انتهت حتى تجمدت الأخرى في مكانها من شدة الصدمة، وأخذت تتعوذ وتطلب السلام مرارًا، فقد كانت من الجيل القديم، امرأة طاعنة في السن، تؤمن بهذه الأمور إيمانًا راسخًا، وكانت تقول دائمًا إن الجن لا يُمزح معهم... --- عند حور: — «ها أنا ذا قد رويت لك كل شيء عن حياتي، وأنت لا تريد أن تخبرني بشيء، أنا لا أعرف سوى اسمك، وأنك ملك الجان... اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.» رمقها آزار بنظرة من عينيه، فإذا بها ترتفع في الهواء حتى تدلت قدماها. صرخت بفزع: — «أطلقني! ما هذا المزاح الثقيل مجددًا؟!» كان آزار متكئًا في جلسته، ينظر إليها ببرود: — «لطالما حذرتكِ ألا تعودي إلى الاستعاذة بالله عند ذكر... الجان. نحن لسنا شياطين... وهذه آخر مرة تتحدثين معي بهذه الطريقة، وإلا أخرستكِ بطريقتي. ملوك الجان لا يجرؤون على التحدث معي هكذا، وأنتِ تماديتِ كثيرًا.» قالت حور بسرعة: — «حسنًا، يكفي! والله لن أكررها...» جذبها نحوه حتى سقطت فوقه. حاولت النهوض، لكنه أمسك بها: — «وشيء آخر... كفّي عن الحلف كذبًا.» راحت تتأمله عن قرب، وقد انعقد لسانها. كانت عيناه لطالما سحرتاها... لقد حفظت كل تفصيل في وجهه. وقالت في سرها: كم هو وسيم... لو كان إنسيًا، والله، لما أفلتّه... ضحك آزار: — «وما رأيكِ بي وأنا جني؟» توترت، وبدأت تتلعثم في الكلام، ثم أخذت تقول في نفسها مجددًا: هل نطقت بصوت عالٍ دون أن أشعر؟! — «آه... لم أفهم ما تقول... هل تحاول تشتيت انتباهي عن موضوعنا؟ ألست تعرف عني كل شيء؟ حسنًا، حدثني عنك.» رفع حاجبه: — «وما سبب فضولكِ للمعرفة؟» رمقته حور بعينيها، ثم قلّدته بسخرية: — «وما سبب فضولكِ للمعرفة؟... حسنًا يا سيدي، أولًا لقد شعرت بالملل وأردت التحدث، وثانيًا أريد أن أعرف مع من أنا...» آزار: — «ألست آخذكِ كل ليلة لترَي ما تشائين، وأتجول بكِ في أي دولة تريدين؟» قالت حور بعصبية: — «الآن، هل أنت رافض للحديث؟» تنهد آزار: — «أنا ملك سلاطين الجان... ورثت هذه المملكة منذ آلاف السنين، بقوة وحكمة...» نظرت إليه حور بصدمة: — «كيف آلاف السنين؟! كم تبلغ من العمر إذن؟ خفف من أكاذيبك، لقد وصلت عنان السماء!» رمقها بنظرة غاضبة، حتى صمتت، ثم أكمل: — «نحن الجان، طريقة عيشنا لا تشبه البشر... عمري عشرة آلاف سنة.» فتحت حور فمها من شدة المفاجأة: — «يا إلهي! لا... اعذرني، هذه لم تعد كذبة... هذه قنبلة نووية!» قال آزار بامتعاض: — «سأنهض وأنصرف. إن بقيت معكِ سأفقد صوابي. صدق من قال إنكم أنتم البشر والشياطين إخوة...» أخذت حور تترجاه بعينيها أن يجلس معها، لأنها كانت تشعر بالملل الدائم في الغرفة. زفر آزار بقوة، ثم جلس. مرت ثوانٍ قليلة، قبل أن تعود إلى الحديث مجددًا، ففضولها يكاد يقتلها. — «وماذا أيضًا؟» لم يجبها، فأكملت: — «يعني... ألا يوجد شيء آخر؟ أي شيء؟» نظر إليها مستفهمًا: — «مثل ماذا؟» حور: — «أقصد... حياتك الشخصية.»استيقظت حور مفزوعة من غفوتها، ورأسها مستند إلى وسادة خشنة داخل بيت بسيط في الجبل. فتحت عينيها على اتساعهما، وأخذت تلتفت حولها في ذهول، وكأنها تحاول أن تفهم أين هي، وكيف وصلت إلى هذا المكان. ثم اندفعت الذكريات إلى رأسها دفعة واحدة... ليلة الأمس. حضن أزار. دفء جسده. صوته. ذلك الشعور بالأمان الذي لم تعرف مثله من قبل. جلست فجأة، ثم التفتت إلى جانبها تبحث عنه، وقلبها يخفق بعنف. — «أزار؟» لم يجبها أحد. نهضت بسرعة، وأخذت تبحث بعينيها في أرجاء الغرفة. — «أين أزار؟ أين ذهب؟» فتحت الباب وخرجت مسرعة إلى باحة المنزل، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. — «أزار! أزار! أين أنت؟!» كان صوتها يرتجف، يحمل خوفًا موجعًا، وكأن قلبها يخبرها بأنه فقدته للأبد. وما إن بلغت منتصف الباحة حتى توقفت فجأة. كانت خالتها حليمة هناك، تجمع الحطب، وما إن سمعت صوتها حتى رفعت رأسها. تجمدت في مكانها للحظات، ثم اتسعت عيناها غير مصدقة. — «حور؟!» التفتت حور إليها. — «خالتي...» ألقت حليمة ما في يدها واندفعت نحوها. — «يا إلهي! حور! أحقًّا أنتِ؟!» احتضنتها بقوة، وأخذت تبكي وهي تتحسس
توالت الأيام. وكان كل يوم يمر يجعل القرار أكثر قسوة. نفذ آزار ما عزم عليه. كان سيعيد حور إلى عالمها. لكن رغم قراره، لم يستطع منع نفسه من مراقبتها من بعيد. كان يتابعها بعينيه، يعرف متى تأكل، ومتى تنام، وكان أكثر ما يؤلمه هو بكاءها. كل ليلة. بصمت. كان يعلم أنها لم تعد قادرة على تصور حياتها بعيدًا عنه. وكان ذلك بالتحديد سبب إصراره على الفراق. فعالمه ليس مكانًا يناسبها. في صباح اليوم المقرر لرحيلها، ارتدت حور عباءتها البسيطة التي جاءت بها إلى هذا العالم للمرة الأولى. رفضت أن ترتدي أي شيء من ملابس القصر. ورفضت أن تحمل معها أي هدية. لم تكن تريد ذكرى. لأن الذكريات، تتحول إلى سكاكين. سارت خلف الخدم بخطوات بطيئة. كل خطوة كانت تبدو لها وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها. حتى وصلت إلى البوابة الكبيرة للجناح الملكي. انفتحت البوابة ببطء. ورأته. كان آزار واقفًا هناك. بقامته المهيبة، وملامحه الصارمة، وعينيه اللتين أخفتا خلف برودهما عاصفة كاملة. تعلقت عيناها به. ولم تستطع الحركة. أما هو، فنظر إليها طويلًا قبل أن ينطق باسمها: — «حور...» ارتجف قلبها. اقت
في خضم الصراعات المظلمة التي كانت تعصف بعوالم الجان، كانت حور أمام ملكهم القاسي، عاجزة عن التنفس أمام تلك النظرات التي كان آزار يرمقها بها. كانت نظراته نارية، نافذة، كأنها تحاول اختراق أعماقها. كانت تعرف منذ البداية أنه رجل متزوج وله أبناء، ولم تكن تلك الحقيقة مجهولة عنها. لكنها، رغم معرفتها، لم تكن مستعدة لسماعها بهذه الصراحة القاسية. لقد أخبرها أن له ثلاث زوجات. الأولى كانت ابنة عمه، زواجه منها امتداد لتقاليد العشيرة وأعرافها القديمة، أما الثانية والثالثة، فلم تكونا سوى زيجتين سياسيتين، فرضتهما التحالفات بين القبائل والممالك، وحاجة العرش إلى تثبيت نفوذه وحماية حدوده. وقفت أمامه بعزة نفس تحاول أن تخفي ارتعاشة روحها، بينما كان آزار يراقبها بصمت، يحاول بدوره السيطرة على عاصفة هوجاء كانت تتصاعد في صدره. كان يعلم أنها تتألم... ويعلم أنها تعلقت به بشدة. وربما كان أكثر ما يخيفه أنه بدأ يتعلق بها هو الآخر. ضاقت عيناه حين لاحظ أنها لم تمس الطعام الموضوع أمامها... قال بصرامة: — «حور، كلي.» لم تجبه. اكتفت بإدارة وجهها بعيدًا عنه، وكأن الطعام صار آخر ما يشغلها في هذه ال
كان الجني يتوسل إليه، وصوته يرتجف من شدة الألم: — «ارحمني يا جلالتك، ارحمني... أنا مجرد رسول... ارحمني ارجوك...» وكان لا يزال يغرز يديه في بطنه أكثر فأكثر، بينما يصرخ من شدة الألم: — «من أرسلك؟ من؟ هل هو أحد أعدائي؟!» أجاب الجني، والألم يمزقه: — «آه... من وسط القصر يا مولاي... الأوامر جاءتني من داخل قصرك...» وعلى إثر كلماته، غرز يده الأخرى في صدره، فانفجر يصرخ حتى انقطع صوته. قال آزار بحدة: — «هل تعي ما يخرج من فمك؟!» أجاب الجني بصوت متقطع: — «أقسم بالله العلي العظيم، رب العرش الكريم، أنني لا أكذب...» أفلته آزار، وهو يعتصر غضبًا، بينما راحت عيناه تتابعان اللقطات وهي تمر أمامه واحدة تلو الأخرى. كانت هذه إحدى قواه، لكنه لم يكن يستخدمها داخل قصره، لثقته بأهل قصره وعدم شكه في ولائهم. وفجأة، فتح عينيه بصدمة، وعقد حاجبيه، والشرر يتطاير من عينيه. ثم أشار بيديه، فظهر غولان ضخمان، مرعبان، وحملاه بعيدًا. أما الجني المسكين، فقد بات مصيره محتومًا... --- سار آزار باتجاه حور... اقترب منها، ثم وضع يده، التي كانت ضخمة جدًا، على وجهها، يتلمس وجنتيها برفق، قبل أن يضع يده فوق رأسها. وأ
كان زيرافيل غاضب بشدة، ورويا إلى جانبه ليست أقل منه... فمنذ تلك الليلة، لم يسمعوا أي خبر عن المارد، وكأن الأرض انشقت وابتلعته. صرخ زيرافيل بعصبية: — «آآآآآه! سأقتلك! سأقتلك أيها المارد! سأخنقك...!» أجابته رويا محاولةً تهدئته: — «سنجد حلًّا، فقط اهدأ...» لكنه انقضّ عليها فجأة، وأمسك بخناقها، رافعًا إياها نحو الحائط، ثم أخذ يعتصر عنقها حتى كادت عيناها تجحظان، وازرقّ وجهها من شدة الاختناق. قال زيرافيل باحتقار: — «كم أضعت من الوقت وأنا أتبعكِ، أيتها العجوز الشمطاء، بينما لا أحصد سوى الخيبات... يبدو أنه لم يعد يُرجى منكِ أيّة فائدة.» ثم ألقاها أرضًا واختفى في لمح البصر. نهضت رويا وهي تسعل بشدة وتلهث، ثم توعدت بصوت حاقد: — «سأنتقم منكم! سأنتقم منكم جميعًا! سأريكم من هي رويا التي احتقرتموها، وما هي قيمتها... سأنتقم منكم جميعًا حتى الموت!» وظلت تضحك بهستيريا وجنون، وتارةً أخرى كانت تجهش بالبكاء، وكأن عقلها قد ضاع بين الانتقام والانهيار... --- في مكان آخر، دخلت الخادمة مسرعة وهي تلهث: — «جلالتكِ! جلالتكِ! لقد وجدت من يقوم بالمهمة... أعطيته حُزَمًا من الذهب والعنبر الخالص، وأمرته
أغمضت حور عينيها، واستسلمت للهواء من حولها.كانت تستمتع بكل لحظة.مرة تصرخ من شدة الحماس، ومرة تضحك، ومرة تفتح عينيها لتتأمل السماء، ثم تعود فتغمضهما وهي تضحك من قلبها.وهكذا...مضت الليلة بين السماء والنجوم والقمر، حتى بدأ ضوء الفجر يشق الظلام.وعندما عاد آزار بها، كانت حور قد أنهكها التعب.ما إن وصلت حتى سقطت على الفراش من شدة الإرهاق، ولم تمضِ سوى لحظات حتى غلبها النوم.ومرت الأيام...وصارت كل ليلة .وهما يقتربان من بعضهما أكثر فأكثر، أو بالأحرى... كانت حور هي التي تجد نفسها تقترب منه يومًا بعد يوم.أصبحت تحكي له كل شيء.كل ما حدث معها، كل ما تخشاه، كل ما تتمناه، وحتى الأشياء الصغيرة التي لم تكن تجد من تتحدث إليه بشأنها.صار آزار صديق أسرارها.أما هو، فكان دائمًا إلى جانبها، يستمع إليها بصبر، دون أن يقاطعها أو يسخر من مشاعرها.وكلما تمنت شيئًا، وجد طريقة لتحقيقه لها.حتى أصبحت تشعر أن وجوده بالقرب منها أمر طبيعي، وكأنها تعرفه منذ سنوات.وفي إحدى الليالي، دخل آزار المكان كعادته.ما إن شعرت حور بوجوده حتى التفتت إليه.— ٱزار؟ابتسم:— أجل.. كيف عرفتِ؟أخذت حور تدور بعينيها في أرجاء ا







