LOGINأخرجت عائشة هاتفها بسرعة واتصلت بها.
وبعد دقائق من الحديث، أغلقت المكالمة. كان وجهها يحمل مزيجًا من القلق والأمل. سألتها حور: — ماذا قالت؟ — قالت إنها تعرف المكان... بعيد عن المدينة، بجانب البحر، وعلى تلة مرتفعة. قالت إن النساء يذهبن إليه منذ سنوات، وكل واحدة منهن تحمل أمنية وحاجة. سكتت قليلًا، ثم نظرت إلى ابنتها نظرة حاسمة. — سنذهب غدًا. اتسعت عينا حور. — غدًا؟ — نعم... لن أنتظر أكثر. --- في مكان آخر... كان الشيخ مقيدًا ومعلقًا في الحائط، لا يقدر على الحركة. كان الرعب قد سكن قلبه، وغرفته مقلوبة رأسًا على عقب. الكتب متناثرة على الأرض، والشموع التي كان يستخدمها في طقوسه قد انطفأت جميعًا، إلا شمعة واحدة ظلت نارها ترتجف، وكأنها على وشك الموت. حاول تحريك يديه، لكن القيود كانت محكمة. — آخ... ماذا تريدون مني؟ من أنتم؟ أنا أحتمي بالله منكم... ظهر مارد ضخم أمامه. تقدم بخطوات ثقيلة، ثم أمسك بالسلاسل وأحكم قبضته عليها. وفي تلك اللحظة... خرجت امرأة من الظلام. كانت خطواتها هادئة. هادئة إلى درجة جعلت الشيخ يرتجف أكثر من صوت صراخ أي مارد. ظهرت رويا أمامه بابتسامتها المرعبة، وأخذت تتأمله من أعلى إلى أسفل. رفع الشيخ عينيه بصعوبة. — ... رويا؟ ضحكت بصوت عالٍ. — ههههههههه... نعم، رويا. هل انصدمت؟ ابتلع الشيخ ريقه: — ماذا تريدين مني؟ اقتربت منه خطوة. — أريد منك تنفيذ أمر... وليس لديك خيار للرفض، وخصوصًا إذا كان ذلك بأمر من ملك قبيلة من الجان. اتسعت عينا الشيخ. — مـ... ملك؟ مـ... من فيهم؟ لم تجبه. اكتفت بأن التفتت إلى المارد، وأعطته إشارة بيدها. فأطلقه. سقط الشيخ بقوة على الأرض، وسعل وهو يحاول التقاط أنفاسه. انحنت رويا قليلًا نحوه وقالت: — اسمعني جيدًا. لن أطلب منك شيئًا مستحيلًا... فقط ستفعل ما تجيده. رفع الشيخ عينيه إليها بحذر. — وماذا تريدين؟ ابتسمت. — أريدك أن تقابل فتاة. تجمد وجهه. — فتاة؟ — نعم... فتاة تحمل شيئًا لا تعرف قيمته. اقتربت منه أكثر، ثم قالت ببطء: — وستجعلها تأتي إليك بإرادتها. --- بعد مدة... كان الشيخ جالسًا على كرسيه الخشبي، يعبث بأصابعه بعصبية، بينما كانت رويا تقف أمامه. قال بصوت مرتجف: — وكيف سأدخلها لعالم الجن؟ لا... أرجوكِ، اعفيني. لا أقدر. نظرت إليه رويا بغضب. — أنت فقط أخبرها، وحاول أن تلعب بعقلها. أخبرها أن حياتها في خطر... ونحن سنتكفل بكل شيء. ابتلع الشيخ ريقه. — وأنا... ما هو ربحي من هذا؟ مدت له رويا كيسًا صغيرًا. التقطه بيد مرتجفة، ثم فتحه. توقفت أنفاسه للحظة. كان الكيس مليئًا بالذهب. رفع عينيه إليها، ثم ضحك حتى ظهرت أسنانه المتآكلة. — حسنًا... الآن أنا مستعد. لو قلتِ لي: انحر إنسانًا، لنحرته. ضحكت رويا، ثم تبادل الاثنان نظرة طويلة. وبعد لحظات، أطلقا ضحكة خبيثة، سُمع صداها في البيت القديم الذي يتوسطه الضريح. لكن في الخارج... كانت الرياح تهب بقوة، وتحرك أغصان الأشجار اليابسة حول السور، وكأن المكان نفسه يرفض ما يُدبّر داخله. --- في صباح اليوم التالي... كانتا في طريقهما بسيارة أجرة. كانت حور ترتدي عباءة فضفاضة، وقد وضعت غطاءً خفيفًا على شعرها، بينما ظلت عائشة طوال الطريق صامتة، تردد الأدعية بين حين وآخر. كانت حور تنظر من النافذة. كلما ابتعدتا عن المدينة، قلّت البيوت، وبدأت الأرض تصبح أكثر خلوًا. ثم... ظهر البحر من بعيد. حدقت حور فيه طويلًا. وفجأة، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كان المشهد مألوفًا بشكل مخيف. الأمواج... الهواء... التلة... كل شيء كان مطابقًا لما رأته في حلمها. وصلتا إلى خارج المدينة، بجانب البحر. نزلتا من السيارة، ودفعتا الأجرة. أخذت حور تتأمل المكان قليلًا، ثم ركزت نظرها على تلة تعلوها بناية بيضاء. توقفت في مكانها. اتسعت عيناها. — أمي... أمي... أمي! التفتت عائشة إليها بسرعة. — ما بكِ؟ ما بكِ يا ابنتي؟ أشارت حور بيد مرتجفة. — هو... إنه ذلك المنزل الذي رأيت. رفعت عائشة رأسها نحو التلة. وما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، واختلطت الفرحة بالرجاء في عينيها. — الحمد لله يا رب... لقد أرشدتنا فاطمة إلى الطريق الصحيح. ثم أخرجت اللثام وأعطته لابنتها. — ضعيه. نظرت حور إليه باستغراب. — لماذا يا أمي؟ لا أريد. نظرت عائشة إليها بحزم. — خذيه واصمتي. هل تريدين أن نُفضح؟ الأشياء المستورة تيسّر بإذن الله. ترددت حور قليلًا، ثم أخذته ووضعته. مشَتا قليلًا على أقدامهما حتى وصلتا إلى المكان. كان سور البيت قديمًا، وبابه من حديد صدئ، وقد تراكمت حوله الحجارة والأعشاب اليابسة. لكن الغريب... أن المكان لم يكن مهجورًا. كانت هناك نساء وفتيات متجمعات بجانبه. رجال وصبيان أيضًا. هذا مريض، وذاك مجنون، وكل واحد يحمل همّه وحاجته. بعضهم يحمل زجاجات ماء، وآخرون يحملون أوراقًا صغيرة، ونساء يتهامسن فيما بينهن عن الشيخ وكراماته. توقفت حور وهي تنظر إلى الجمع بدهشة. — أمي... لماذا كل هؤلاء هنا؟ أجابتها عائشة بسرعة: — لا تسألي كثيرًا، فقط ابقي بجانبي. اقتربتا، وجلستا على حصيرة مفروشة على الأرض بجانب النساء، تنتظران دورهما. كانت حور تشعر بضيق غريب في صدرها. نظرت إلى البيت. ثم إلى الضريح. ثم إلى البحر. وشعرت للحظة... أنها عاشت هذه اللحظة من قبل. لكنها لم تستطع تذكر متى. وفجأة... خرج صوت من داخل البيت. صوت جرس معدني قديم. ارتجفت حور. لاحظت عائشة ذلك فورًا. — ما بكِ؟ أجابتها حور بصوت خافت: — لا شيء... فقط شعرت بالخوف. وقبل أن تجيبها أمها، اقتربت منهما امرأة. — السلام عليكم. ردت عائشة: — وعليكم السلام... ابتسمت المرأة، ثم نظرت إلى حور: — لا بأس يا سيدة، هل جئتِ أنتِ أيضًا لتأخذي بالأسباب من أجل هذه الفتاة؟ ارتسمت على وجه عائشة ابتسامة صفراء. — نعم... شيء من هذا القبيل. نظرت المرأة إلى حور طويلًا: — هل رأيتِ هناك تلك المرأة مع ولدها؟ أجابت عائشة: — نعم. — إنها ابنتي. عشر سنوات وهي عاقر لا تنجب. لم نترك أعشابًا ولا أطباء ولا شيوخًا... حتى تعبنا وفقدنا الأمل. تنهدت، ثم تابعت: — كُتب المكتوب، وسمعنا بالشيخ وبركته... والآن ها هي قد أنجبت. وكل العائلة، من احتاج إلى شيء، يأتي إليه وتقضى حاجته... وها نحن عدنا طالبين مولودًا جديدًا، بإذن الله وبركة الشيخ. أجابتها عائشة: — العاقبة لآخر إن شاء الله. — آمين. ثم ابتسمت المرأة: — قولي لي، هل هذه أول مرة تأتين فيها إلى هنا؟ لم يسبق لي أن رأيتكِ. أجابت عائشة: — نعم يا سيدة، أول مرة. ابتسمت المرأة: — فقط اطلبي التسليم مع النية، وستُقضى حاجتكِ... وقبل أن ترد عائشة، سُمع صوت رجل من داخل البيت، واضحًا وحازمًا: — التالية! ساد الصمت بين النساء. ثم بدأت واحدة تلو الأخرى تنهض وتتجه نحو الباب. كانت حور تراقبهن بصمت... واحدة تدخل. ثم أخرى. لكن شيئًا غريبًا شد انتباهها. كل امرأة تدخل البيت... كانت تخرج منه بوجه مختلف. بعضهن يخرجن باكيات. وأخريات يبتسمن. وبعضهن يخرجن وهن يضممن أيديهن إلى صدورهن، وكأنهن تلقين خبرًا لا يُصدق. ظلت حور تحدق في الباب. شيء ما في داخلها كان يصرخ بأن عليها ألا تدخل. لكن شيئًا آخر... كان يدفعها نحوه. ولم تكن تعلم أن خلف ذلك الباب، لم يكن ينتظرها مجرد شيخ... بل كانت تنتظرها بداية الطريق الذي سيغيّر حياتها إلى الأبد.عَمَّتِ الفوضى، وتعالى ضجيج المارة الذين توقّفوا يراقبون المشهد بفضول وذهول، بينما اختلطت الأصوات من حولها بين تساؤلاتٍ وصيحاتٍ متقطعة. وما هي إلا لحظات حتى انطلق مصطفى يركض كالمجنون بين الحاضرين، يتخبط بينهم من شدة اضطرابه، فأفسحوا له الطريق بدهشة، وقد ارتسم القلق على وجوههم. كانت حور تتابع المشهد بعينين جاحظتين، عاجزة عن استيعاب ما يحدث أمامها. لكن ما إن رأت الحشود تلتف حولها، حتى شعرت بالاختناق، وكأن المكان يضيق عليها من كل جانب. اتجهت إلى سيارتها وأدارت محركها بسرعة، وانطلقت نحو المجهول، وقلبها يخفق بعنف، بينما كانت وطأة الصدمة تثقل صدرها وتشتت أفكارها. طوال الطريق، لم تستطع أن تفكر في شيء سوى ما حدث قبل قليل. رن هاتفها المحمول. انتفضت، والتقطته، ثم أجابت بصوت متوتر: –«نعم يا أمي!» جاءها صوت عائشة من الطرف الآخر مرتجفًا، تختنقه العبارات: – «حور... ابنتي... أبوكِ أُصيب في حادثة سير...» تجمّدت حور في مكانها، وكأن الكلمات أصابت قلبها مباشرة. – حور بذعر: «يا إلهي... ماذا تقولين؟! هل هو بخير؟!!» حاولت عائشة أن تتمالك نفسها، وأجابتها، وهي تحاول طمأنتها: –«لا
أشرق صباح جديد بنسماته الباردة والنقية، حاملاً معه يوماً جديداً لم تكن حور تعلم أنه سيقلب هدوءها رأساً على عقب. كان مصطفى يقف متسمراً أمام باب المطعم كعادته اليومية، ينتظر إطلالتها بلهفة واشتياق يكاد يلتهمه. ظل يراقب الطريق، وما إن لمحها قادمة حتى اعتدل في وقفته، وكأن رؤيتها وحدها قادرة على إشعال الأمل في قلبه من جديد. لكن ما إن رأته حور حتى شعرت بنيران الغضب تسري في عروقها. اشتدت ملامحها. وأقبلت نحوه بخطوات سريعة وثابتة، وقفت أمامه مباشرة، وقالت بنبرة حادة وصارمة: — «إلى متى ستبقى هكذاااا؟! ألا تملّ أبداً من هذه المطاردة؟!» فتح مصطفى فمه محاولاً الحديث: — «حور، أنا فقط أريد أن—» قاطعته بحدة: — «لا أريد أن أسمع شيئاً!» ثم ثبتت عينيها عليه وقالت: — «أنا لستُ قدرك يا مصطفى، ولست جزءاً من حياتك! أرجوك، لا تخنقني بهذا الشكل ولا تفرض وجودك عليَّ! لقد قلت لك إنني لا أريدك في حياتي، فلماذا لا تحترم قراري؟!» تألم مصطفى، لكنه لم يستسلم: — «لأنني لا أستطيع نسيانكِ...» أغمضت حور عينيها للحظة. — «وهذه مشكلتك يا مصطفى، وليست مشكلتي.» ساد الصمت. لكن خلف ذلك الصمت
خطت حور عتبة البنك بخطوات واثقة، تعكس صلابة حضورها وهيبتها، اتجهت مباشرة نحو موظف الاستقبال. — «مرحباً، هل المدير موجود؟» رفع الموظف رأسه إليها، وما إن عرفها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة احترام. — «أهلاً بكِ يا آنسة، نعم، هو في الداخل.» أومأت له شاكرة، ثم اتجهت نحو مكتب المدير. طرقت الباب طرقات خفيفة، وما إن جاءها الإذن بالدخول حتى فتحته، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة. كان رجلاً في الخمسينات من عمره، وما إن وقع بصره عليها حتى نهض من مقعده مرحباً بها بحرارة. — المدير: «أهلاً وسهلاً بالآنسة حور.» مد يده إليها، فصافحته باحترام متبادل. — حور بامتنان: «شكراً جزيلاً لك على حسن الاستقبال.» أشار إلى المقعد المقابل له بإيماءة ودودة. — «تفضلي بالجلوس، ارتاحي.» جلست حور على المقعد الوثير، بينما عاد هو إلى مقعده، ثم نظر إليها باهتمام وسألها: — «ماذا تشربين؟» — «كأساً من الماء البارد لو سمحت.» رفع حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم قائلاً: — «هذا محال وغير معقول أبداً! تأتين إلى زيارتنا شخصياً ولا نحتفي بكِ كما يليق؟!» ثم التقط هاتفه المكتبي على الفور، واستدعى السكرتيرة، وأ
في مكان آخر تماماً، بعيداً عن صخب الأفراح وضحكات النساء وزغاريدهن، كان قصر أزار يعج بسكون مهيب. كان الصمت فيه ثقيلاً، كأنه يخبئ خلف جدرانه أسراراً لا يجرؤ أحد على النطق بها. دخلت ايلارا إلى جناحه مرتدية فستاناً أسطورياً من أجود الأثواب، مرصعاً بخيوط الذهب الخالص، مصمماً بقصة ضيقة تتماشى مع تناسق جسدها الفاتن. كانت خطواتها مترددة رغم محاولتها إخفاء ذلك. اقتربت منه. كان يقف أمام لوحته، ممسكاً بريشته، غارقاً في عالمه الخاص وهو يرسم حور كعادته. شعر بقدومها ووقع خطاها، لكنه لم يلتفت إليها قط. أكمل لوحته ببرود، كان يجد في الرسم ملاذاً وخلوة مقدسة تبعده عن همومه الشخصية والعملية الثقيلة، وتمنحه شيئاً من السلام الذي لم يعد يجده في حياته. وقفت ايلارا خلفه للحظات، تحدق في ظهره بصمت. ابتلعت غصتها، وحاولت كتم غيظها وعصبيتها المشتعلة في صدرها، ثم نطقت بصوت خافت: — جلالتك... لم يجبها. ولا حتى بإيماءة. تابعت بصوت يقطر ندماً وتوسلاً: — أعلم أن غضبك مني شديد... لكنني أقسمت لك بصدق أنني ندمت. لقد مرت ثلاث سنوات كاملة وأنت هاجر لفراشي، وأنا أموت كل يوم ألف مرة في غيابك. أكاد
استدارت عائدة بخطوات مثقلة بالتعب نحو سيارتها، تجر خلفها بقايا يوم طويل أنهك جسدها واستنزف روحها، ثم أبحرت في طريق العودة نحو بيتها، حيث كانت تتوق إلى شيء من السكينة والهدوء. وما إن وصلت حتى ألقت بجسدها فوق السرير، مغمضة عينيها، لم تمضِ سوى لحظات حتى انفتح الباب، وأطلت عائشة، اقتربت منها وهي تتفحص ملامحها بعينين لا يفوتهما شيء: — حوور، لِمَ تأخرتِ إلى هذا الحد؟ وما بال وجهك يبدو مخطوفاً وشاحباً هكذا؟ فتحت عينيها بصعوبة، وحاولت أن ترسم على شفتيها ابتسامة مطمئنة، ثم أجابتها بصوت خافت: — لا شيء يا أمي... إنه فقط إرهاق العمل الطويل وضغوطه، لا تقلقي. جلست عائشة إلى جوارها، ومدت يدها تمسح على شعرها بحنان، قبل أن تقول بنبرة أمّ تخشى على ابنتها أكثر مما تخشى على نفسها: — إذن ارتاحي قليلاً يا قرة عيني، ثم انهضي لتستحمي وتجهزي لحضور حفل الخطوبة. عساكِ تفرحين وتنسين بين أجوائه بعضا من همومك ... لا أريد أن أراكِ تحملين الدنيا كلها فوق كتفيكِ يا حور. تنهدت طويلاً، ثم اعتدلت في جلستها. — سأحاول يا أمي. توجهت نحو الحمام، واستحمت بالماء البارد لاستعادة نشاطها بقيت للحظات تحت الماء، مغمضة الع
وفي مكان ما، بعيدًا عن ذلك الطريق... في غرفة مظلمة ومهيبة، كان يجلس أزار، ناظرًا بنظرات حادة نافذة إلى البعيد. قال بصوت يقطر قسوة ووعيدًا مخيفًا، يكاد يفتت الصخور: — لو أصيبت بخدش واحد.. لقتلتك بيدي هاتين.. أسمعتِ؟! تردد صوته القوي والعميق في أذني المسنة، كأنه حقيقة ماثلة أمامها، بينما كانت ملقاة على الأرض بجانب السيارة، لتسري قشعريرة باردة ومرعبة في جسدها كله. أما حور، فأسندت رأسها على مقود السيارة، تحاول استنشاق الهواء وتنظيم أنفاسها المتسارعة. وضعت يدًا مرتجفة على صدرها. — يا رب... ابتلعت ريقها بصعوبة، وما إن تذكرت تلك المرأة المسنة وما كاد يحدث لها، حتى بدأت ترتجف بعنف، ودموعها تبلل وجهها بغزارة. — آهٍ.. يا رب! هل أصبحت قاتلة؟! يا ربي، اكفني شر الأقدار أرجوك.. ظلت للحظات عاجزة عن استيعاب أنها كادت تقتل إنسانة أمام عينيها. كانت الطريق مقفرة ومظلمة، تشبه صحراء قاحلة بلا حياة، فتحت باب السيارة وخرجت، وقلبها يخفق بجنون من الهلع. خطت خطوات متعثرة، لا تدري ماذا ستجد. كانت هناك امرأة طاعنة في السن ملقاة على الأرض، ترتدي عباءة سوداء ممزقة، وتلف رأسها بوشاح أسود







