LOGINفي جهة أخرى من المقبرة...
كان زيرافيل، ملك قبيلة من الجان، برفقة جنوده، ومعهم رويا ومارد. كانوا مجتمعين في ذلك المكان، وقد سيطر عليهم القلق من احتمال هجوم عفاريت المقابر. لم يكن زيرافيل سوى ملك لقبيلة كافرة ضعيفة، منفية من قِبل ممالك الجان، التي كانت تساعد السحرة على مضاعفة قوتهم وإثارة الفتنة بين الناس. وصلوا إلى المكان مع بداية غروب الشمس. وبدؤوا بتجهيز المراسم، وإعداد كل ما يحتاجون إليه. ثم بدأت الطقوس... --- انكمشت حور على نفسها. كان البرد قد تغلغل في عظامها. كمشت عينيها محاولةً الاستيقاظ، ثم فتحتهما ببطء. الظلام. لم ترَ شيئًا سوى الظلام. رفعت رأسها، وحاولت أن تفهم أين هي. أين كانت؟ ماذا حدث؟ ثم تذكرت. المقبرة. الشجرة. النوم. انتفضت ونهضت مذعورة. أمسكت هاتفها، وبدأت تسرع في المشي، وهي تتلفت حولها. كان قلبها يخفق بعنف. بدأ الخوف يتسلل إليها شيئًا فشيئًا. ثم... توقفت. سمعت أصوات أناس كثيرين. كان الصوت بعيدًا في البداية، لكنه أخذ يقترب أكثر فأكثر. مشت بحذر. وفجأة رأت ضوءًا مشتعلًا وسط المقبرة. همست لنفسها: — ماذا يفعل هؤلاء الناس هناك؟ هل يقيمون صدقة على روح ميت؟ تذكرت أن المقبرة قديمة. كان عقلها يحاول إيجاد تفسير منطقي. «هل أقترب وأنظر إلى ما يفعلونه؟» «لا.. سأعود إلى المنزل. لقد تأخر الوقت، واليوم سيعاقبني أبي بشدة.» ابتلعت ريقها. كانت تعرف أنها وقعت في ورطة معه. لكن فضولها غلب خوفها. قالت لنفسها: — سأُلقي نظرة سريعة فقط... ثم أعود. تقدمت. خطوة... ثم أخرى... وكان الصوت يزداد ارتفاعًا. كلمات غير مفهومة، تتردد بين القبور، تختلط بأصوات غريبة جعلت جلدها يقشعر. --- كان الجميع متجمعين في دائرة. أصوات الطلاسم والتعويذات تتردد في المكان، بينما كانوا يحاولون التغلب على جان المقابر والسيطرة عليهم. كان بعض جنود الجان يحفرون في الأرض بعجلة. وفجأة... توقف أحدهم. حدّق في الحفرة. — وجدناه! ساد الصمت للحظات. وأخيرًا، بعد سنوات طويلة، وجدوا مكان التاج المفقود. ذلك التاج الذي يُعتبر مركزًا للقوة، والذي كان محروسًا من قِبل الجان المسلمين. لكنهم لم يكونوا يعلمون أن وجود حور في المكان سيقلب كل شيء. دخلت حور. كان قلبها يخفق بقوة حتى شعرت أنه سيخرج من صدرها. توقفت. أرادت العودة. لكن قدميها لم تستجيبا لها. استجمعت قواها، وتقدمت خطوة أخرى. ثم رأتهم. تجمد الدم في عروقها. شعرت وكأن روحها ستصعد من شدة الرعب، والعرق يتقاطر على جبينها. كانت صدمة لم تعرف كيف تستوعبها. لقد رأت شيئًا لم تره في حياتها قط. الشيء الوحيد الذي كانت تعتبره خرافات وأساطير... كان الآن أمام عينيها. حقيقة. حقيقة مرعبة. لم تعرف ما هم. وحوش؟ حيوانات؟ أم بشر؟ انعقد لسانها، وتوقف عقلها عن التفكير. وفي اللحظة نفسها... شعروا بوجود دخيل على خلوتهم. بدأ تركيزهم يتشتت. وهذا بالضبط... ما لم يكن يجب أن يحدث. استدار زيرافيل ببطء. وقعت عيناه عليها. وكانت شرارات من النار تتصاعد من أذنيه وفمه. تجمدت حور في مكانها. لم تستطع حتى التنفس. ثم خرجت منها صرخة واحدة. صرخة حادة مزقت سكون المقبرة وتردد صداها بين القبور. وفي اللحظة نفسها، بدأ جنّيٌّ تلو الآخر بالسقوط والاختفاء. لقد فقدوا تركيزهم. واستغل جان المقابر الفرصة. انقضوا عليهم. صرخ زيرافيل صرخة مدوية، كزئير أسد جريح، ثم اندفع نحو حور بسرعة هائلة. لم تستطع الهرب. لم تستطع حتى الصراخ. اخترق جسدها... وفي اللحظة الأخيرة، ظل صوته يتردد في مسامعها: — ستندمين... ستندمين أيتها الإنسية! ستندمين... سأعذبكِ! سقطت حور مغشيًا عليها. وتلاشى كل شيء من حولها... وكأن المقبرة، والجان، والأصوات، والرعب... لم تكن موجودة قط. في منزل حور كانت الدنيا مقلوبة رأسًا على عقب. الجيران يدخلون ويخرجون. والهمسات تنتشر. ويومان مرّا دون أي أثر لحور. الشرطة تبحث في كل مكان. أما إبراهيم، فكان يدور في الأرجاء، يتوعدها ويلقي اللوم على عائشة المسكينة، التي لم تكن تفعل شيئًا سوى البكاء. كان قلبها محترقًا على ابنتها. وانتشر الخبر بين الناس. هناك من قال إنها هربت مع حبيبها. وهناك من قال: — الله وحده يعلم أي فضيحة ارتكبتها. كانت الكلمات تنهش قلب عائشة أكثر من غياب ابنتها. رن هاتفها. أجابت والدموع في عينيها، وصوتها مخنوق من شدة الحزن. — ألو... جاءها صوت سهام متلهفًا: — ألو، خالتي... هل من أخبار؟ أجابت عائشة بصوت مكسور: — لا يا ابنتي... لا يوجد شيء... آهٍ... آهٍ... بدأت سهام بالبكاء. — ... سامحيني يا خالتي، سامحيني. لم أستطع أن أكون معك... مسحت عائشة دموعها: — لا يا ابنتي، أنا أعرف وضعكِ. أنتِ بعيدة وفي شهركِ الأخير. سهّل الله ولادتكِ على خير... فقط ادعي لها، ادعي أن نجدها. قالت سهام مواسية: — آمين يا خالتي... ألم يخبركم رجال الشرطة بأي جديد؟ أجابت عائشة بقلب يعتصره الألم: — لا شيء يا ابنتي. ما زالوا يبحثون. قلبي يحترق على ابنتي، والناس لا يرحمون... لقد ذهبت فقط لاستخراج بعض الأوراق من ثانويتها القديمة ولم تعد بعدها... ثم أجهشت بالبكاء من جديد. ساد الصمت للحظات. وفجأة قالت سهام: — خالتي... اسمعيني. رفعت عائشة رأسها. — نعم؟ قالت سهام: — اطلبي منهم أن يبحثوا في المقبرة المهجورة. قطبت عائشة حاجبيها باستنكار: — المقبرة المهجورة؟! وما الذي قد يأخذها إلى هناك؟ أوضحت سهام: — هل تذكرين يا خالتي؟ لقد كانت تمر منها دائمًا عندما كنا ندرس. كانت تعتبرها طريقًا مختصرًا، وكانت تجلس هناك أحيانًا. أنا فقط أقترح أن يبحثوا هناك... فلن يخسروا شيئًا. سكتت عائشة. ثم قالت: — سأخبرهم. --- في تلك الأثناء، كان رجال الشرطة منتشرين في كل مكان، يبحثون وسط نباح الكلاب. قال أحد العناصر: — سيدي، لقد فتشنا كل مكان. لم يبقَ سوى داخل المقبرة... رد المفتش بحزم: — وماذا تنتظرون؟ تلعثم الشرطي: — ولكن يا سيدي... يقولون إن هذا المكان مسكون... وكل من يدخله يصيبه مسّ أو لعنة. رمقه المفتش بنظرة حادة. — تحرك أمامي فورًا، وإلا لعنتك أنا بنفسي! تقدم رجال الشرطة نحو الباب الحديدي للمقبرة. صدر عنه صرير طويل حين فتحوه. دخلوا. كانت المصابيح اليدوية تشق الظلام الحالك، بينما راحت الكلاب تنبح بعصبية وكأنها تشعر بشيء لا يراه البشر. خطوة... ثم أخرى... وفجأة! توقف أحدهم. سلط ضوء مصباحه على الأرض. تجمد مكانه. ثم صرخ بصوت مرتجف: — سيدي! اندفع الجميع نحوه. كانت حور ملقاة على الأرض. كان جسدها مزرقًا، والدماء تنزف من أنفها وفمها. بدت كأنها جثة هامدة. اقترب المفتش مسرعًا، وانحنى فوقها، يتحسس نبضها. ثانية... ثانيتان... ثم اتسعت عيناه. — إنها لا تزال حية! رفع رأسه وصرخ: — أسرعوا! اطلبوا سيارة الإسعاف فورًا! ليس لدينا وقت! --- كان اليومان اللذان قضتهما حور داخل المقبرة كافيين لتدميرها نفسيًا وجسديًا. فخلال الطقوس التي قامت بها رويا، فُك سحر أسود مدفون داخل المقبرة، وانتشر أثره في المكان، ثم اخترق جسد حور. وهكذا... تخلص أصحابه منه. لتُبتلى هي به. كان سحر المقابر من أقوى أنواع السحر؛ سحرًا أسود يُدفن مع الموتى، ويُقال إنه يجعل الضحية تموت ببطء، وتعيش في عذاب مستمر حتى تتوفاها المنية. وكان من الصعب جدًا إبطاله. ولهذا السبب، كان يلجأ إليه أغلب السحرة. لكن ما لم يعرفه أحد... أن حور لم تكن مجرد ضحية عابرة. وأن ما حدث داخل تلك المقبرة لم يكن نهاية قصتها... بل كان بداية حكاية ستقود حور إلى مكان لم تكن تتخيل يومًا أنها ستراه... عالم الجان.عَمَّتِ الفوضى، وتعالى ضجيج المارة الذين توقّفوا يراقبون المشهد بفضول وذهول، بينما اختلطت الأصوات من حولها بين تساؤلاتٍ وصيحاتٍ متقطعة. وما هي إلا لحظات حتى انطلق مصطفى يركض كالمجنون بين الحاضرين، يتخبط بينهم من شدة اضطرابه، فأفسحوا له الطريق بدهشة، وقد ارتسم القلق على وجوههم. كانت حور تتابع المشهد بعينين جاحظتين، عاجزة عن استيعاب ما يحدث أمامها. لكن ما إن رأت الحشود تلتف حولها، حتى شعرت بالاختناق، وكأن المكان يضيق عليها من كل جانب. اتجهت إلى سيارتها وأدارت محركها بسرعة، وانطلقت نحو المجهول، وقلبها يخفق بعنف، بينما كانت وطأة الصدمة تثقل صدرها وتشتت أفكارها. طوال الطريق، لم تستطع أن تفكر في شيء سوى ما حدث قبل قليل. رن هاتفها المحمول. انتفضت، والتقطته، ثم أجابت بصوت متوتر: –«نعم يا أمي!» جاءها صوت عائشة من الطرف الآخر مرتجفًا، تختنقه العبارات: – «حور... ابنتي... أبوكِ أُصيب في حادثة سير...» تجمّدت حور في مكانها، وكأن الكلمات أصابت قلبها مباشرة. – حور بذعر: «يا إلهي... ماذا تقولين؟! هل هو بخير؟!!» حاولت عائشة أن تتمالك نفسها، وأجابتها، وهي تحاول طمأنتها: –«لا
أشرق صباح جديد بنسماته الباردة والنقية، حاملاً معه يوماً جديداً لم تكن حور تعلم أنه سيقلب هدوءها رأساً على عقب. كان مصطفى يقف متسمراً أمام باب المطعم كعادته اليومية، ينتظر إطلالتها بلهفة واشتياق يكاد يلتهمه. ظل يراقب الطريق، وما إن لمحها قادمة حتى اعتدل في وقفته، وكأن رؤيتها وحدها قادرة على إشعال الأمل في قلبه من جديد. لكن ما إن رأته حور حتى شعرت بنيران الغضب تسري في عروقها. اشتدت ملامحها. وأقبلت نحوه بخطوات سريعة وثابتة، وقفت أمامه مباشرة، وقالت بنبرة حادة وصارمة: — «إلى متى ستبقى هكذاااا؟! ألا تملّ أبداً من هذه المطاردة؟!» فتح مصطفى فمه محاولاً الحديث: — «حور، أنا فقط أريد أن—» قاطعته بحدة: — «لا أريد أن أسمع شيئاً!» ثم ثبتت عينيها عليه وقالت: — «أنا لستُ قدرك يا مصطفى، ولست جزءاً من حياتك! أرجوك، لا تخنقني بهذا الشكل ولا تفرض وجودك عليَّ! لقد قلت لك إنني لا أريدك في حياتي، فلماذا لا تحترم قراري؟!» تألم مصطفى، لكنه لم يستسلم: — «لأنني لا أستطيع نسيانكِ...» أغمضت حور عينيها للحظة. — «وهذه مشكلتك يا مصطفى، وليست مشكلتي.» ساد الصمت. لكن خلف ذلك الصمت
خطت حور عتبة البنك بخطوات واثقة، تعكس صلابة حضورها وهيبتها، اتجهت مباشرة نحو موظف الاستقبال. — «مرحباً، هل المدير موجود؟» رفع الموظف رأسه إليها، وما إن عرفها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة احترام. — «أهلاً بكِ يا آنسة، نعم، هو في الداخل.» أومأت له شاكرة، ثم اتجهت نحو مكتب المدير. طرقت الباب طرقات خفيفة، وما إن جاءها الإذن بالدخول حتى فتحته، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة. كان رجلاً في الخمسينات من عمره، وما إن وقع بصره عليها حتى نهض من مقعده مرحباً بها بحرارة. — المدير: «أهلاً وسهلاً بالآنسة حور.» مد يده إليها، فصافحته باحترام متبادل. — حور بامتنان: «شكراً جزيلاً لك على حسن الاستقبال.» أشار إلى المقعد المقابل له بإيماءة ودودة. — «تفضلي بالجلوس، ارتاحي.» جلست حور على المقعد الوثير، بينما عاد هو إلى مقعده، ثم نظر إليها باهتمام وسألها: — «ماذا تشربين؟» — «كأساً من الماء البارد لو سمحت.» رفع حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم قائلاً: — «هذا محال وغير معقول أبداً! تأتين إلى زيارتنا شخصياً ولا نحتفي بكِ كما يليق؟!» ثم التقط هاتفه المكتبي على الفور، واستدعى السكرتيرة، وأ
في مكان آخر تماماً، بعيداً عن صخب الأفراح وضحكات النساء وزغاريدهن، كان قصر أزار يعج بسكون مهيب. كان الصمت فيه ثقيلاً، كأنه يخبئ خلف جدرانه أسراراً لا يجرؤ أحد على النطق بها. دخلت ايلارا إلى جناحه مرتدية فستاناً أسطورياً من أجود الأثواب، مرصعاً بخيوط الذهب الخالص، مصمماً بقصة ضيقة تتماشى مع تناسق جسدها الفاتن. كانت خطواتها مترددة رغم محاولتها إخفاء ذلك. اقتربت منه. كان يقف أمام لوحته، ممسكاً بريشته، غارقاً في عالمه الخاص وهو يرسم حور كعادته. شعر بقدومها ووقع خطاها، لكنه لم يلتفت إليها قط. أكمل لوحته ببرود، كان يجد في الرسم ملاذاً وخلوة مقدسة تبعده عن همومه الشخصية والعملية الثقيلة، وتمنحه شيئاً من السلام الذي لم يعد يجده في حياته. وقفت ايلارا خلفه للحظات، تحدق في ظهره بصمت. ابتلعت غصتها، وحاولت كتم غيظها وعصبيتها المشتعلة في صدرها، ثم نطقت بصوت خافت: — جلالتك... لم يجبها. ولا حتى بإيماءة. تابعت بصوت يقطر ندماً وتوسلاً: — أعلم أن غضبك مني شديد... لكنني أقسمت لك بصدق أنني ندمت. لقد مرت ثلاث سنوات كاملة وأنت هاجر لفراشي، وأنا أموت كل يوم ألف مرة في غيابك. أكاد
استدارت عائدة بخطوات مثقلة بالتعب نحو سيارتها، تجر خلفها بقايا يوم طويل أنهك جسدها واستنزف روحها، ثم أبحرت في طريق العودة نحو بيتها، حيث كانت تتوق إلى شيء من السكينة والهدوء. وما إن وصلت حتى ألقت بجسدها فوق السرير، مغمضة عينيها، لم تمضِ سوى لحظات حتى انفتح الباب، وأطلت عائشة، اقتربت منها وهي تتفحص ملامحها بعينين لا يفوتهما شيء: — حوور، لِمَ تأخرتِ إلى هذا الحد؟ وما بال وجهك يبدو مخطوفاً وشاحباً هكذا؟ فتحت عينيها بصعوبة، وحاولت أن ترسم على شفتيها ابتسامة مطمئنة، ثم أجابتها بصوت خافت: — لا شيء يا أمي... إنه فقط إرهاق العمل الطويل وضغوطه، لا تقلقي. جلست عائشة إلى جوارها، ومدت يدها تمسح على شعرها بحنان، قبل أن تقول بنبرة أمّ تخشى على ابنتها أكثر مما تخشى على نفسها: — إذن ارتاحي قليلاً يا قرة عيني، ثم انهضي لتستحمي وتجهزي لحضور حفل الخطوبة. عساكِ تفرحين وتنسين بين أجوائه بعضا من همومك ... لا أريد أن أراكِ تحملين الدنيا كلها فوق كتفيكِ يا حور. تنهدت طويلاً، ثم اعتدلت في جلستها. — سأحاول يا أمي. توجهت نحو الحمام، واستحمت بالماء البارد لاستعادة نشاطها بقيت للحظات تحت الماء، مغمضة الع
وفي مكان ما، بعيدًا عن ذلك الطريق... في غرفة مظلمة ومهيبة، كان يجلس أزار، ناظرًا بنظرات حادة نافذة إلى البعيد. قال بصوت يقطر قسوة ووعيدًا مخيفًا، يكاد يفتت الصخور: — لو أصيبت بخدش واحد.. لقتلتك بيدي هاتين.. أسمعتِ؟! تردد صوته القوي والعميق في أذني المسنة، كأنه حقيقة ماثلة أمامها، بينما كانت ملقاة على الأرض بجانب السيارة، لتسري قشعريرة باردة ومرعبة في جسدها كله. أما حور، فأسندت رأسها على مقود السيارة، تحاول استنشاق الهواء وتنظيم أنفاسها المتسارعة. وضعت يدًا مرتجفة على صدرها. — يا رب... ابتلعت ريقها بصعوبة، وما إن تذكرت تلك المرأة المسنة وما كاد يحدث لها، حتى بدأت ترتجف بعنف، ودموعها تبلل وجهها بغزارة. — آهٍ.. يا رب! هل أصبحت قاتلة؟! يا ربي، اكفني شر الأقدار أرجوك.. ظلت للحظات عاجزة عن استيعاب أنها كادت تقتل إنسانة أمام عينيها. كانت الطريق مقفرة ومظلمة، تشبه صحراء قاحلة بلا حياة، فتحت باب السيارة وخرجت، وقلبها يخفق بجنون من الهلع. خطت خطوات متعثرة، لا تدري ماذا ستجد. كانت هناك امرأة طاعنة في السن ملقاة على الأرض، ترتدي عباءة سوداء ممزقة، وتلف رأسها بوشاح أسود







