Share

الفصل ٤

last update publish date: 2026-07-14 11:04:25

دخلت ميرا المطعم برفقة صديقتها لين، وهي ترتدي فستانًا بسيطًا أنيقًا بلون كريمي فاتح لا يحمل من الفخامة إلا القليل، فضّلت أن تبدو على طبيعتها بعيدًا عن مناسبات العائلة الرسمية التي تفرض عليها فساتين مبهرجة وأحاديث مصطنعة. ا

ستقبلهما موظف الاستقبال بابتسامة مهنية معتادة، وقادهما إلى طاولة قرب النافذة الكبيرة المطلة على شارع المدينة المزدحم بأضواء المساء.

"هذا المكان جميل حقًا،"

قالت لين وهي تنظر حولها معجبة بالديكور الفاخر والثريات المعلقة. "سمعت أن الطاهي هنا تدرب في فرنسا لسنوات."

ابتسمت ميرا بلا اهتمام كبير بهذا التفصيل، وفتحت قائمة الطعام الجلدية الثقيلة، بينما بدأتا حديثًا عابرًا عن الجامعة، عن أستاذة صعبة في مادة تاريخ الفن، وعن آخر لوحة رسمتها ميرا والتي لم تكن راضية عنها تمامًا.

اقترب يوسف من الطاولة ليأخذ طلبهما، حاملاً دفتر ملاحظاته الصغير بيد وقلمه بالأخرى، وكانت تلك اللحظة الأولى التي التقت فيها عيناه بعينيها.

لم يكن شيئًا استثنائيًا في ظاهره: نادل يقترب من طاولة، وزبونة تطلب طعامها. لكن شيئًا في نظرة ميرا جعله يتوقف للحظة أطول مما ينبغي؛ عيناها الخضراوان الواسعتان كانتا تحملان فضولًا هادئًا، وكأنها تراه لا كخادم في مطعم، بل كإنسان له قصة.

"مساء الخير، هل أنتما جاهزتان لتقديم الطلب، أم تحتاجان بعض الوقت؟" سأل بأدب معتاد.

"هل تنصحني بشيء من القائمة؟" سألته ميرا بابتسامة بسيطة، دون أن تدرك أن سؤالها البريء كان أول كلمة تُقال بينهما.

ابتسم يوسف بأدب، وأجاب بثقة هادئة جعلتها تلاحظ نبرة صوته أكثر مما توقعت:

"طبق السمك اليوم من أفضل ما يُقدَّم هنا، طازج ويُحضّر بصلصة الليمون والزعتر. أنصحك به لو كنتِ تحبين النكهات الخفيفة، أما لو كنتِ تفضلين شيئًا أدسم، فطبق اللحم بالفطر لا يخيب أبدًا."

كان جوابه بسيطًا، لكنه حمل شيئًا من الثقة بالنفس لم تعتده ميرا من موظفي الخدمة الذين اعتادوا التذلل في حضرة الزبائن الأثرياء، محاولين إرضاءهم بأي ثمن.

لاحظت لين الأمر أيضًا، وتبادلتا نظرة صامتة بعد أن ابتعد يوسف، نظرة تحمل تساؤلاً ضمنيًا لم تُفصح عنه أي منهما.

"سآخذ طبق السمك إذن،" قالت ميرا حين عاد، وهي تغلق قائمة الطعام.

"اختيار ممتاز،" أجاب يوسف بابتسامة، وسجّل الطلب، ثم أخذ طلب لين قبل أن يبتعد نحو المطبخ.

على مدى الساعة التالية، تكرر اقتراب يوسف من الطاولة أكثر من مرة، وفي كل مرة كان حديث قصير يُستبدل بحديث أطول قليلاً: عن لوحة معلقة في زاوية المطعم رأتها ميرا وأعجبتها، سألته إن كان يعرف الفنان الذي رسمها، فأجابها بصدق أنه لا يعرف، لكنه أضاف رأيه الخاص فيها، عن الألوان الدافئة التي استخدمها الرسام وكيف أنها تعكس غروب الشمس بطريقة واقعية، دون أن يدّعي معرفة فنية عميقة، لكن بصدق جعلها تبتسم أكثر من مرة وتنظر إليه بإعجاب مختلف عما اعتادت أن تشعر به تجاه من يخدمها.

في إحدى المرات، وبينما كان يملأ كأسي الماء، سألته لين بفضول واضح: "هل تدرس أيضًا، أم تعمل هنا بشكل دائم؟"

"أدرس الهندسة،" أجاب باقتضاب مهذب، غير معتاد أن يُسأل عن حياته الشخصية من قبل الزبائن. "أعمل هنا بدوام جزئي لتغطية بعض النفقات."

نظرت ميرا إليه بإعجاب متزايد، معجبة بصراحته وبساطته في الحديث عن وضعه، دون أي شعور بالخجل أو الحرج، على عكس ما توقعته من شخص في موقعه.

عرفت اسمه من الشعار الذي على صدره و لكن حاولت ان لا تعير الامر اهيمه ، لكنها شعرت وهي تغادر المطعم في وقت متأخر من المساء، بعد أن دفعت الفاتورة وتركت إكرامية سخية دون أن تفكر كثيرًا في السبب، أن شيئًا بسيطًا وغريبًا قد وقع في داخلها، شيء لم تستطع تسميته بعد، لكنه ظل يرافقها طوال طريق العودة إلى البيت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الحب المستحيل .. بعد زواجي .. عودة حبيبي السابق للانتقام    الفصل ١٠٥

    فهم يوسف غيرتها. شعر بضرورة أن يوضح الأمر. قال بسرعة: "نور لم تستطع البارحة الذهاب إلى المنزل فبقيت عندي، كانت ثملة و..." قاطعته ميرا بحدة، وقلبها يعتصر: "وما شأني أنا؟ هذه أمورك الخاصة. افعل ما تريد." استدارت لتركب سيارتها المصدومة وتهرب من الموقف المحرج. لكن نور أوقفتها. أمسكت بذراعها بلطف مصطنع. قالت نور بابتسامة بريئة وعيون تلمع بالمكر والانتصار: "ميرا، هل أنتِ بخير؟ لقد قلقنا عليكِ." قالت ميرا وهي تسحب ذراعها: "لم أنتبه. كنت أعبث في هاتفي... بسيطة، لم يحدث شيء." قالت نور في محاولة للتظاهر بالبراءة والكرم، ثم التفتت إلى يوسف وقالت: "دعي السيارة هنا ونحن نوصلكِ إلى أي مكان تريدينه... ثم التفتت إلى يوسف وقالت: ليس لديك اعتراض، صحيح يوسف؟" قالت ميرا بعصبية وصوت عالٍ: "لا يوجد داعي لخدماتكم! انشغلوا بعملكم!" قال يوسف بهدوء واستدار ليعود إلى مرآب السيارة: "حسنًا." بقيت نور مع ميرا للحظة. اقتربت منها أكثر. همست في أذنها بصوت منخفض لا يسمعه يوسف، وعيونها تلمع بالمكر والشماتة: "ميرا... شكرًا لكِ." تجمدت ميرا في مكانها. نظرت إليها بصدمة. سألتها بصوت يرتجف: "شكرًا لكِ؟ على

  • الحب المستحيل .. بعد زواجي .. عودة حبيبي السابق للانتقام    الفصل ١٠٤

    على طاولة الإفطار الطويلة في قصر ميرا، كان يجلس كرم وحده يتناول فطوره. جريدة صباحية أمامه، وفنجان قهوة.تقدم مالك بخطوات هادئة، واثقة. في يده زر صغير مربع الشكل. يلمع تحت ضوء الثريا. في وسطه نجمة، وفي قلب النجمة ماسة صغيرة. ماركة عالمية فاخرة.وقف بجانب كرم وقال بصوت هادئ ومبتسم: "سيد كرم، هل هذا لك؟"وأشار بيده إلى الزر.تابع كلامه بنبرة بريئة مصطنعة: "أعتقد أن المساعدين وضعوه في خزانتي عن طريق الخطأ أثناء ترتيب الملابس."رفع كرم رأسه. نظر إلى الزر.تجمدت يده للحظة. هذا الزر... كان له. من ماركة اعتاد أن يشتري منها قبل سنوات. لاحظ مالك هذه الرجفة البسيطة في يد كرم. لاحظ كيف اتسعت عيناه للحظة. ابتسم كرم وحاول أن يبدو طبيعيًا، ومد يده ليأخذ الزر."نعم، إنه لي. اعتقدت أنني أضعته. شكرًا لك."ابتسم مالك ابتسامة وصلت إلى عينيه الباردتين. تلك الابتسامة التي لطالما أخافت كرم.قال: "العفو."ثم غادر. هالته المخيفة دائمًا تترك شيئًا ثقيلًا في نفس كرم. شعر كرم بقشعريرة.خرج مالك إلى الحديقة الواسعة في قصره. أشعل سيجارة واتصل بمعاذ.قال بإيجاز وبصوت منخفض: "كرم أوقع نفسه في ورطة. باشروا عملكم. ل

  • الحب المستحيل .. بعد زواجي .. عودة حبيبي السابق للانتقام    الفصل ١٠٣

    بعد أن أبعدها عنه وقال ببرود: "ماذا حدث لكِ؟"تجمدت نور. شعرت بالإهانة للحظة، لكنها فتاة ذكية. تعرف متى تنسحب ومتى تتظاهر.وضعت رأسها فجأة على ظهر الأريكة. أغمضت عينيها. تركت جسدها يرتخي تمامًا.تظاهرت بالسكر الشديد. تنفست بعمق، ببطء، كأنها نامت."نور؟ نور؟"لم تجب.اقترب يوسف منها. هز كتفها بلطف. "نور؟"لا جواب. كانت تتظاهر بالنوم ببراعة، وشفتاها مفتوحتان قليلًا.تنهد يوسف بعمق. وضع يده على جبينه."لقد شربتِ كثيرًا."نظر حوله. لم يستطع تركها هكذا في الصالة.انحنى، وضع ذراعًا تحت ركبتيها وذراعًا أخرى تحت ظهرها، وحملها. كانت خفيفة.أدخلها غرفته. الغرفة التي كانت ميرا مستلقية فيها قبل أكثر من ساعة. والتي ما زالت تحمل دفء ميرا ورائحتها.وضعها على السرير برفق. سحب الغطاء الرمادي وغطاها.قال بصوت هادئ: "ارتاحي الليلة هنا. أنا سوف أنام في الخارج."ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء.ما إن أغلق الباب، حتى فتحت نور عينيها.ابتسمت ابتسامة انتصار صغيرة. اعتدلت، أمسكت بوسادته، تلك الوسادة نفسها التي كانت ميرا تضمها، واحتضنتها بقوة. استنشقتها.ونامت. وهي تحتضن وسادة يوسف.في الصباح.استيقظت

  • الحب المستحيل .. بعد زواجي .. عودة حبيبي السابق للانتقام    الفصل ١٠٢

    وقفت في منتصف الغرفة للحظات. قلبها يدق بسرعة جنونية، وأنفاسها متقطعة. نظرت حولها. الغرفة بسيطة جدًا، لكنها تشبهه تمامًا. جدرانها بلون رمادي فاتح، رف صغير عليه كتب، وكرسي خشبي عليه سترته، ورائحة عطره تملأ المكان.تقدمت ببطء نحو السرير. كان غير مرتب، غطاؤه الرمادي مجعد، ووسادته ما زالت تحمل أثر رأسه.جلست على حافة السرير. يدها ارتجفت وهي تلمس الوسادة.تحسستها بأطراف أصابعها. القماش كان دافئًا. دافئًا من حرارة جسده قبل قليل._هل أنا أفعل هذا حقًا؟_ فكرت في نفسها. _هل أنا في غرفة يوسف، في منتصف الليل، أشم وسادته؟_لكنها لم تستطع المقاومة. رفعت الوسادة ببطء، وضعتها على وجهها، وأغمضت عينيها.استنشقت بعمق.رائحته تسللت إلى رئتيها. رائحة الشامبو الرجولي، ورائحة الصابون، ورائحة جسده المميزة التي كانت تعرفها من بين ألف رجل. رائحة الأمان.أحست بدفء يسري في جسدها كله. تمددت على جانبها، وضعت رأسها مكان رأسه تمامًا، وضمت الوسادة إلى صدرها.أغمضت عينيها. للحظة، نسيت مالك، ونسيت رائد، ونسيت الأزمة المالية، ونسيت نور التي في الخارج.لم يكن هناك سوى هي وهو، في هذا السرير الدافئ.في الخارج، سمعت صوت نور

  • الحب المستحيل .. بعد زواجي .. عودة حبيبي السابق للانتقام    الفصل ١٠١

    فتح الباب، وتوقف.كانت ميرا أمامه. بثوبها القطني الفاتح الذي يلتصق بها من رطوبة الليل، وشعرها الأسود الذي تخللته قطرات الندى، وعيناها الواسعتان اللتان تحملان خوفًا وندمًا وشوقًا في آن واحد. كانت تلهث قليلًا، كأنها ركضت كل الطريق.رفع يوسف حاجبيه بذهول. للحظة، ظن أنها وهم. قطرة ماء انزلقت من شعره المبلل إلى صدره العاري، ثم إلى بطنه، واختفت عند حافة المنشفة البيضاء."ميرا؟"لم تجب. نظرت إلى الأرض خجلًا، ثم رفعت عينيها مرة أخرى إليه، ولم تستطع أن تثبت نظراتها على صدره العاري.في لحظة اندفاع، مد يده، أمسك بمعصمها الرقيق وجذبها إلى الداخل بقوة خفيفة. وأغلق الباب خلفها بعنف، حتى اهتز الزجاج في النافذة الصغيرة.الآن، أصبحت في الداخل. والباب موصد. والعالم كله في الخارج.دفعها بلطف نحو الحائط القريب من المدخل. لم يكن دفعًا قاسيًا، بل كان دفعًا يملؤه الغضب والاشتياق. وضع يده بجانب رأسها على الحائط، فحاصرها بجسده دون أن يلمسها تمامًا. أنفاسه كانت ساخنة وقريبة.نظر في عينيها مباشرة. عيناه السوداوان كانتا تقدحان غضبًا."ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟"احمرّت وجنتاها حتى صارتا كالجمر. حاولت أن تنظر إلى أ

  • الحب المستحيل .. بعد زواجي .. عودة حبيبي السابق للانتقام    الفصل ١٠٠

    ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة بينهما. الريح كانت تعصف بشعر ميرا، وعيناها تتجنبان نظراته.قال يوسف أخيرًا بصوت منخفض، وفيه ألم قديم: "ما فعلته من أجل أخيكِ سابقًا..."قاطعته ميرا بسرعة، وصوتها مرتجف: "أرجوك."اقترب منها خطوة. قبضتاه كانتا مشدودتين إلى جانبه. "لا تقولي أرجوك. أنا الذي أرجوكِ." نظر في عينيها مباشرة، وعيناه تحترقان سؤالًا: "ما هو الشيء الذي تخفينه عني؟ ما هو الشيء الذي حدث ولا تستطيعين البوح به؟"ارتجفت شفتاها. أدارت وجهها. "يوسف... أغلق هذا الموضوع. أرجوكِ... أغلقه."تابعت كلامها بصوت مرتفع قليلًا، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنعه: "ما قلته سابقًا عندما كنا في القطار المعلق... كان يجب أن لا أقوله. ولكنني أخطأت. أنا أحيانًا أتسرع وأقول أشياء من غير تفكير. أنا أعتذر عن هذا."ضيق يوسف عينيه. كان صدره يعلو ويهبط من الغضب. "هذا الشيء كان يجب أن تقوليه منذ سنين."رفعت عينيها إليه فجأة. فيها دموع لم تسقط بعد. "ما رأيك أن تفكر كما في السابق؟"سألها ببرود مصطنع: "ما قصدكِ؟"ابتلعت ريقها. ثم قالت والكلمات تخرج منها كالرصاص: "أنا... من أجل أخي، ومن أجل عائلتي، كان يج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status