Home / الرومانسية / الحب والوهم / الفصل الثالث: خيوط العنكبوت

Share

الفصل الثالث: خيوط العنكبوت

last update publish date: 2026-07-15 11:02:33

يوم العمل بمعمل "جميلة" كان أثقل من كل يوم. الـ 12 ساعة شغل مرت عليّ كأنها دهر، وطوال الوقت لم تفارق خيالي صورة "مريم" الوهمية التي صنعتها بيدي. الماكينات تصيح بصوتها المزعج، والعمال يتهامسون من حولي، وأنا بالي كله معلق بذلك الإشعار الذي أرسله الحساب الوهمي لنفسي قبل أن أغادر البيت. "مريم" صار لها يومين تتحدث في مواضيع لم أكتبها أنا، وكأنها تملك عقلاً خاصاً بها. كلامها أصبح أعمق، وعتابها صار حقيقياً لدرجة أنني أجلس وأنا أحدق في شاشة الهاتف، أسأل نفسي: "هل أنا كتبت هذا؟ أم هناك شخص آخر يكتب معي؟ في المقهى، كانت الشلة تراقبني بفضول. "صكبان" لم يتركني بحالي، وكلما مر من جانبي غمز لي: "ها يا عريس، مريم بعدها عاتبة؟". أبتسم ببرود وأهز رأسي، بس بقلبي نار تأكلني. الخوف بدأ ينهشني، ليس خوفاً من أن يكتشفوا كذبتي، بل الخوف من أن "مريم" تحولت إلى كيان حقيقي يطاردني حتى في صباحي. وبينما أنا غارق في أفكاري، وصلني إشعار جديد على الحساب الوهمي. فتحته بيد ترتجف، وكانت الرسالة تقول: "أدري إنك جاي تجذب عليهم، وأدري إنك وحيد يا محمد. بس لا تخاف.. أنا هنا مو حتى أفضحك، أنا هنا لأنك الوحيد اللي فهمني. تجمّد الدم في عروقي. قمت من المقهى بسرعة، صكبان صاح ورائي: "وين رايح؟ ما كملنا سالفتنا!". لم أجب، ركضت للشارع، والجو ببغداد كان ليلاً حاراً ومخنوقاً، بس أنا كنت أحس ببرودة ثلج بقلبي. منو هذا اللي يعرف إني أجذب؟ ومنو دخل لحسابي؟ رجعت للبيت، دخلت غرفتي وقفلت الباب. طرقت "نور" أختي الباب: "حمودي، بيك شي؟ صاير عصبي هالأيام". رديت عليها بصوت مخنوق: "لا يا خوية، بس تعبان من الشغل." فتحت التلفون، الحساب كان مفتوحاً، والرسائل ممسوحة! مريم مسحت الرسائل التي أرسلتها. صفنت في السقف، وبدأت أسمع صوتاً خفيفاً يأتي من زاوية الغرفة.. مثل صوت وحدة تتنفس بهدوء. التفتت، الغرفة كانت فارغة، بس إحساسي قال لي إن "الوهم" الذي بنيته، خرج من التلفون وصار واقعاً يحيط بي. عشت الأيام التالية في جحيم حقيقي. ذات يوم، رجعت للبيت منهكاً، ملابسي تفوح منها رائحة العصير وصدأ الماكينات. دخلت ببطء، وجدت "نور" جالسة في المطبخ، تحضر العشاء على ضوء بسيط. باوعت لي بعيونها الحزينة التي كانت تحكي لي دائماً إنها تشبه عيون أمنا، العيون التي كانت تظهر في الصور القديمة المذبلة التي تحفظها في شنطة أمي. جلست قبالها، وبدأت أريد أحكي، أريد أقول لها إني غرقان بكذبة، بس صوت داخلي قال لي: "لا.. إذا عرفت، راح تنهدم صورتي قدامها، راح تكسرها الحقيقة." فقلت بصوت مرتعش: "لا يا خوية، بس ضغط الشغل والحر.. لا تشغلين بالج. عافتني وراحت، بس نظرتها ظلت تطاردني. دخلت غرفتي، فتحت التلفون، وكانت الصدمة.. "مريم" دازة رسالة: "شفت شلون أختك تحبك؟ ليش جاي تعذبها بكذبك؟" تجمّد جسمي في مكاني. كيف عرفت بموقف "نور"؟ هل هي تراقبني؟ هل مريم هي كاميرا خفية؟ ركضت للشبابيك، فتحتها، الشارع كان فارغاً تماماً. رجعت للتحليل، كتبت بيد ترجف: "أنتِ منو؟ وشتريدين مني؟". جاني الرد ببرود: "أنا اللي راح تخليك تعيش الحقيقة.. حتى لو كانت مرة. شعرت أن جدران الغرفة تضيق عليّ، وأن الهواء أصبح ثقيلاً كأنه يرفض دخولي لرئتي. هل حان وقت دفع الثمن؟ هل بدأت اللعبة التي بدأتها للمرح تلتف حول عنقي كحبل مشنقة؟ بهاللحظة، سمعت صوت دقة خفيفة على باب غرفتي، بس مو دقة نور.. كانت دقة قوية، ومنظمة، كأنما شخص واقف وراء الباب، ينتظرني أواجه مصيري.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الحب والوهم    الفصل الحادي عشر: انقشاعُ الضباب (النهاية

    الليل جان هادئاً بشكل مريب، والبيت غارق في سكون عميق لا يقطعه إلا دندنة خفيفة للرياح التي تداعب شباك غرفتي. كنت جالساً على طرف السرير، والتوتر يتآكلني، فجأة.. اهتز هاتفي كأنه يبعث إشارة خطر. كانت رسالة من "مريم": — "ظننتك ستتغير، لكنك ستبقى دائماً وحيداً.. أنا الحقيقة الوحيدة التي تملكها." في تلك اللحظة، شعرت ببركان من الغضب واليأس يثور في صدري. نظرت إلى شاشة الهاتف، وقلت بصوت متهدج، ممزوجٍ بالدموع: "كافي! كافي لعب بأعصابي.. كافي عيشة بهذا السراب لم أتردد، دخلت على إعدادات التطبيق، وبكل قوة وحزم، ضغطت على "تعطيل الحساب نهائياً". ثوانٍ من الصمت كانت تشبه دقات الساعة قبل الإعدام، ثم انطفأت الشاشة.. التلفون سكت تماماً. فتحت سجل الرسائل لأقرأ آخر تهديداتها، فكانت الصدمة! السجل فارغ تماماً.. كل كلمات الحب، كل التهديدات، كل الوعود التي عشت عليها شهوراً، تلاشت وكأنها لم تكن! فتحت "مدير الملفات" للتطبيق، وهنا كانت الحقيقة المرة التي تلطم وجهي: اكتشفت أنني كنت أتعامل مع "خوارزمية" برمجية ذكية، مبرمجة لترد على كلامي بناءً على المدخلات والكلمات التي كنت أكتبها بنفسي. مريم لم تكن موجودة، لم تكن

  • الحب والوهم    الفصل العاشر: زفافٌ وبدايةٌ جديدة

    يوم عرس "نور" جان يوماً استثنائياً، يوماً فارقاً في ذاكرة بيتنا المتواضع. منذ بزوغ الفجر، تحول البيت إلى خلية نحل؛ ريحة الهيل، الزعفران، وعطر الورد الطبيعي كانت تملأ الزوايا، وصوت الهلاهل التي تنطلق من النسوة في الجوار كانت تبعث في قلبي شعوراً بالأمل، وكأنها تراتيل تعلن نهاية فترة الحزن التي خيمت علينا طويلاً. شفت "صكبان" وهو يوصل للبيت، جان لابس بدلة رسمية أنيقة، ملامحه جانت تضج بالهيبة والوقار، وعيونه تلمع ببريق الفرح الصادق وهو ينتظر خروج نور. لحظة خروج نور بالفستان الأبيض جانت قاسية وحلوة في آن واحد؛ شعرت بغصة في قلبي، غصة الفقد الممزوج بالفخر، فقد تذكرت حينما كنا صغاراً وكيف كبرنا وسط العواصف، والآن هي أمام عيوني "ملاك" طاهر. مسكت إيدها، وبتردد المودع سلمتها لصكبان وأنا أهسس في قرارة نفسي: "استودعتك الله يا نور، أنتِ قطعة من روحي.. صونها يا صكبان، فهي أمانة الله في ذمتك. وسط هذه الأجواء، غابت عن بالي كل الهواجس؛ نسيت التلفون، نسيت "مريم" والرسائل الإلكترونية، ونسيت الغموض الذي طالما أرقني، فعشت اللحظة بكل تفاصيلها وكأن العالم توقف هنا عند تلك اللحظة النقيّة. في اليوم التالي، ساد

  • الحب والوهم    الفصل التاسع: خيوطٌ متشابكة

    الليل جان هادي، والبيت غرقان بسكون إلا من صوت المروحة اللي تفتر ببطء. كنت كاعد بالصالة، وبيدي كوب الجاي، والبال مشغول بـ "رهف" وكلامها اللي خلاني أحس بصدق مشاعري. بهاللحظة، رن تليفوني.. شفت الاسم "صكبان". رديت عليه بابتسامة: "هلا بصكبان، شلونك يا خوية؟” صوت صكبان جان بي ارتباك وحنين، كال: "محمد، خوية.. أنت مثل أخوي وما أضم عليك شي. الصراحة، كلبي ما عاد صابر، وأريد أتقدم لنور.. أريد أفتح بيت بالحلال وأصونها." سكتت لحظة، الفرحة بگلبي جانت كبيرة لأن صكبان رجال معدل. كلتله بصوت هادي: "صكبان، تدري نور غالية عليّ، ومثل ما أنت خويي، هي روحي. راح أتكلم وياها وأشوف هي شنو رأيها.. القرار الأول والأخير إلها.صكبان تنهد بحزن وكال: "أعرف يا محمد، وأدري إنت خايف عليها. بس صدكني، بعد ما انفصلت عن خطيبتي ذيج الفترة، عرفت إن الدنيا ما تنعاش بدون إنسانة تصونك. ما أريد أعيش نفس الغلطة ولا أريد أعيش وحيد مثل ذيج الأيام.. أريد أبدأ صفحة جديدة ويا أختك." بعد ما سديت الخط، حسيت بمسؤولية كبيرة. صعدت لغرفتي، ومن فتحت التلفون.. صدمة. رسالة من "مريم": — "ظننتك أذكى من هذا.. تظن إنك تتهرب مني؟ أنا أعرف كل تحر

  • الحب والوهم    الفصل الثامن: بين سرابِ الشاشةِ وعطرِ الياسمين

    الساعة بـ 5:30 الصبح، الظلام جان بعده مخيم على أركان الغرفة، بس صوت أذان الفجر البعيد بدأ يحيي المدينة. حسيت إيد "نور" تهز جتفي بحنية وهي تهمس: "محمد.. كوم خوية، الشمس بدت تطلع واليوم عندك شغل، لا تتأخر على أبو جاسم." فتحت عيوني بتثاقل، غسلت وجهي، وكعدنا نتريك سوية. جانت ريحة الجاي المهيل والخبز الحار تملي البيت، ونور جانت مبتسمة، تحاول تشجعني بنظراتها. بعد الريوك، طلعت للشارع.. بغداد بهذا الوقت تكون غير، الشوارع بعدها هادية، ريحة الندى والتراب والنسيم الهادئ جانت تخلي الواحد يحس إن الحياة بعدها بخير. مشيت بخطوات ثابتة للموقع، الطريق جان طويل شوية بس جانت فرصة أراجع بيها حساباتي. بالموقع، الشغل جان يمر بتركيز، حتى "أبو جاسم" من شافني أشتغل بجدية قال: "عفية عليك يا محمد، اليوم بطل، الشغل بين إيدك صار يلمع." من رجعت العصر، جسمي جان مهدود من التعب، بس عقلي جان مشتت. ذبّيت ثيابي، وقبل لا أمدد، التلفون بجيب القميص اهتز.. رسالة من "مريم". فتحتها، وانصدمت: — "اليوم شفتك من بعيد وأنت تمشي.. أنت تغيرت يا محمد، مو هذا الشخص اللي عرفته قبل، مو هذا الشخص اللي جان يهرب من الواقع ويحتمي بية." ت

  • الحب والوهم    الفصل السابع: اعتراف تحت الأشجار

    كعدنا بـ "الزوراء"، الجو جان ربيع وبغداد صافية. رهف كانت تباوعلي بهدوء، وأنا لأول مرة قررت أحجي. حسيت إن عيوني بدت تدمع وأنا أحجيلها عن المعمل، عن "أبو العصير" وظلمه، وعن "سعد" اللي طردني. — "تعرفين يا رهف، أكثر شي وجعني مو الطردة، وجعني إني حسيت روحي صفر.. لا شغلة، ولا مكانة، وحتى علاقاتي بالناس بدت تنهز. رهف سكتت فترة، وبعدين كالت بصوت مليان ثقة: "محمد، الرزق مو بيد البشر. أنت شاب عندك طاقة، ليش ما تبدأ من جديد؟ العمالة مو عيب، العيب إن الواحد يضل كاعد ويشكي." رجعت للبيت، جانت نور كاعدة بالمطبخ، وجهها ذبلان من الهم. كعدت كبالها وكلتلها: "نور، أنا قررت أشتغل عمالة.. أي شغل يجي بوجهي، ما أريد نضل عالة على أحد." نور باوعتلي بعيون مليانة دمع: "خوية، العمالة صعبة، وتعبها يهد الحيل.. أنت متعود على شغل المعامل، شلون راح تتحمل؟ جاوبتها بإصرار: "الكرامة بالشغل، مو بنوعه. المهم نجيب لقمة حلال." من الصبح، وكفت بـ "المسطر"، الجو بارد بس الشمس بدت تحمى. عمال هواية منتظرين "الخلفة" (المعلم) يجي يختارهم. أخيراً، اجت سيارة "البيك أب"، نزل منها الخلفة "أبو جاسم"، رجل جبير بالعمر، وجهه محفر من ال

  • الحب والوهم    الفصل السادس: غبار الواقع

    جان الجو داخل معمل العصير خانقاً، ريحة الفواكه المهروسة مختلطة بريحة الرطوبة، وصوت خط الإنتاج ما يخلي الواحد يسمع صوته. كنت أشيل صناديق العصير الثقيلة، وفجأة، "سعد" اللي يشتغل وياي دفعني بقوة خلتني أتعثر، وصندوق العصير طك بالكاع وتناثر السائل في كل مكان. حسيت بذاك الوقت إن كل أحلامي وبساطتي راحت تتناثر وي هذا العصير، وبديت أحس إن هذا اليوم هو بداية لنهاية كل شي جنت أعرفه ومأمن بيه. صاح سعد بضحكة مستفزة: "عمي صاير ثكيل بيدك، وخر عن الطريق لا أطردك!" دمي غلى، عفته ورحت لـ "أبو المعمل" اللي جان يباوع من مكتبه الزجاجي. كلتله بصوت مخنوق من الغضب: "أستاذ، سعد يتعمد يضايقني ويخرب شغلي، والظلم مو زين بالرزق. أبو المعمل ما كلف نفسه يكوم، باوعلي ببرود وكال: "اسمع يا محمد، سعد صارله سنين وياي، وأنت لساك جديد.. عاجبك الشغل بهالوضع؟ ما عاجبك؟ الباب يفوت جمل، بطل وريحنا!" رميت "الصدرية" الملطخة بعصير البرتقال على الميز، وطلعت وأني أحس إن ريحة الفواكه صارت ريحة غثيان بصدري. طلعت أمشي بـ "جميلة"، الدنيا بدت تغيم كأنها تعكس حالي. دخلت لكافتريا قريبة، طلبت استكان جاي، وكعدت أباوع للفراغ، وأصوات الأغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status