Home / الرومانسية / الحب والوهم / الفصل الثاني: حياكة الوهم

Share

الفصل الثاني: حياكة الوهم

last update publish date: 2026-07-15 10:47:44

رجعت للبيت تلك الليلة، وصوت ضحكات جماعتي في المقهى ونظراتهم ما تزال تدور في أذني كأنها طنين مزعج لا يتوقف. دخلت للغرفة بهدوء شديد حتى لا أوقظ "نور"، أختي التي هي كل ما أملك في هذا العالم. كانت الغرفة ظلمة وباردة، تشبه برودة الأيام التي عشتها يتيم الأب والأم، أتحسس فيها وحشة جدران لا تسمع شكواي. رميت بجسدي المتعب على الفراش وأنا أحدق في السقف، أتقلب يمنة ويسرة، عقلي لا يتوقف عن التفكير. حسيت بندم خفيف، لكن بنفس الوقت كان هناك شعور غريب بالراحة، لأنهم أخيراً سكتوا وصدقوا كذبتي. لكن، هل السالفة ستعبر عليهم بهذه السهولة؟ "باجر أكيد راح يطلبون إثبات.." قلت بقلبي وأنا أفكّر في المأزق الذي وضعت نفسي فيه. وهناك، فوق الفراش وفي جوف الليل الموحش، ولدت الفكرة في رأسي، كأنها كانت تنتظر يأسِي لتخرج إلى النور. في اليوم التالي، مر الوقت طبيعياً، خلصت شغلي والشمس كانت قد أنهكتني. من رجعت للبيت، قفلت باب غرفتي جيداً وكعدت على طرف الجرباية. طلعت التلفون وسويت إيميل جديد بسرعة البرق، ومن عنده فتحت حساب إنستغرام ثانٍ. صفنت ثواني أدور على اسم.. اسم يكون بيه نغمة حنين، وغموض، وجمال في آن واحد، فسميته "مريم". بدأت اللعبة تأخذ شكلاً حقيقياً ومخيفاً. صرت أبدل بين الحسابات بالتلفون؛ أكتب من حساب مريم وأرسل لتلفوني الأساسي: "حبيبي حمودي، وينك شو تأخرت؟ تلفونك مغلق، بالي يمك.. فدوة طمني. كنت أقرأ الرسائل وأبتسم ابتسامة مكسورة. أنا الذي لم أسمع في حياتي كلمة حب حقيقية، ولم أشعر يوماً أن أحداً ينتظرني، وجدت نفسي أكتب هذه الكلمات لنفسي وأتخيل أنها موجهة لي! قبل أن أخرج للمقهى، وقفت أمام المرآة في غرفتي المظلمة. نظرت إلى وجهي المجهد، وسألت نفسي: إلى أين تأخذني هذه الكذبة؟ هل أنا مجرد شخص يبحث عن الاهتمام، أم أن الفراغ الذي في قلبي أصبح كبيراً لدرجة أنني أصبحت أحتاج لكذبة لأملأه؟ ترددت للحظات، يدي كانت ترجف وهي تمسك الهاتف، لكن صوت صكبان في رأسي دفعني للمضي قدماً. وضعت القناع على وجهي، وتوجهت للمقهى، وكأنني ذاهب لمعركة أعرف أنني سأخسر فيها جزءاً من نفسي. بالليل، رحت للمقهى وأنا مجهز كل شيء، السيناريو كان جاهزاً في رأسي. كعدت مع الشلة، وبتعمد واضح ومدروس، خليت التلفون على الميز قدامهم. ثوانٍ وِضوت الشاشة بإشعار من الإنستغرام: (مريم: مشتاقتلك حمودي..). صكبان طارت عيونه، شال الجاي ووقع منه جزءاً على الميز: "ولك حمودي! هاي منو مريم؟ ولك طلعت مو سهل وتكول ما عندي هالسوالف!" أنا سحبت التلفون بملامح جامدة وغيرة مصطنعة، كما لو كنت أحمي كنزاً: "كتلكم البنية خصوصية، عوفوا السالفة هسة، ما أريد أحد يتدخل." الكل ظل يباوع لي بنظرة إعجاب، عبالهم محمد الصخرة أصبح يعيش قصة حب كأفلام السينما. حسيت بنشوة انتصار وقتية لأن خطتي نجحت بامتياز. لكن الصدمة الحقيقية بدأت من رجعت للبيت. فتحت التلفون، وبدال ما أمسح الرسائل وأطلع من الحساب، لقيت نفسي صافن بصورة الملف الشخصي الفاضية لـ "مريم". شعرت بغصة في صدري، وخوف غريب هزني من فوق لتحت.. أنا أصبحت أشتاق لهذه الرسائل فعلاً! صرت أنتظر كلام "مريم" الوهمية وكأنها إنسانة من لحم ودم، أحدثها وتحدثني، وأشكي لها همي. في تلك اللحظة، عرفت أنني دخلت نفقاً مظلماً لا نهاية له، صنعت بيدي وهماً، وبدأت أصدق هذا الوهم، وأعيش فيه، وأغرق في بحر من الخداع الذي قد يحرقني في النهاية. كيف سأخرج من هذا المأزق إذا كبرت الكذبة وصارت جزءاً من واقعي؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الحب والوهم    الفصل الحادي عشر: انقشاعُ الضباب (النهاية

    الليل جان هادئاً بشكل مريب، والبيت غارق في سكون عميق لا يقطعه إلا دندنة خفيفة للرياح التي تداعب شباك غرفتي. كنت جالساً على طرف السرير، والتوتر يتآكلني، فجأة.. اهتز هاتفي كأنه يبعث إشارة خطر. كانت رسالة من "مريم": — "ظننتك ستتغير، لكنك ستبقى دائماً وحيداً.. أنا الحقيقة الوحيدة التي تملكها." في تلك اللحظة، شعرت ببركان من الغضب واليأس يثور في صدري. نظرت إلى شاشة الهاتف، وقلت بصوت متهدج، ممزوجٍ بالدموع: "كافي! كافي لعب بأعصابي.. كافي عيشة بهذا السراب لم أتردد، دخلت على إعدادات التطبيق، وبكل قوة وحزم، ضغطت على "تعطيل الحساب نهائياً". ثوانٍ من الصمت كانت تشبه دقات الساعة قبل الإعدام، ثم انطفأت الشاشة.. التلفون سكت تماماً. فتحت سجل الرسائل لأقرأ آخر تهديداتها، فكانت الصدمة! السجل فارغ تماماً.. كل كلمات الحب، كل التهديدات، كل الوعود التي عشت عليها شهوراً، تلاشت وكأنها لم تكن! فتحت "مدير الملفات" للتطبيق، وهنا كانت الحقيقة المرة التي تلطم وجهي: اكتشفت أنني كنت أتعامل مع "خوارزمية" برمجية ذكية، مبرمجة لترد على كلامي بناءً على المدخلات والكلمات التي كنت أكتبها بنفسي. مريم لم تكن موجودة، لم تكن

  • الحب والوهم    الفصل العاشر: زفافٌ وبدايةٌ جديدة

    يوم عرس "نور" جان يوماً استثنائياً، يوماً فارقاً في ذاكرة بيتنا المتواضع. منذ بزوغ الفجر، تحول البيت إلى خلية نحل؛ ريحة الهيل، الزعفران، وعطر الورد الطبيعي كانت تملأ الزوايا، وصوت الهلاهل التي تنطلق من النسوة في الجوار كانت تبعث في قلبي شعوراً بالأمل، وكأنها تراتيل تعلن نهاية فترة الحزن التي خيمت علينا طويلاً. شفت "صكبان" وهو يوصل للبيت، جان لابس بدلة رسمية أنيقة، ملامحه جانت تضج بالهيبة والوقار، وعيونه تلمع ببريق الفرح الصادق وهو ينتظر خروج نور. لحظة خروج نور بالفستان الأبيض جانت قاسية وحلوة في آن واحد؛ شعرت بغصة في قلبي، غصة الفقد الممزوج بالفخر، فقد تذكرت حينما كنا صغاراً وكيف كبرنا وسط العواصف، والآن هي أمام عيوني "ملاك" طاهر. مسكت إيدها، وبتردد المودع سلمتها لصكبان وأنا أهسس في قرارة نفسي: "استودعتك الله يا نور، أنتِ قطعة من روحي.. صونها يا صكبان، فهي أمانة الله في ذمتك. وسط هذه الأجواء، غابت عن بالي كل الهواجس؛ نسيت التلفون، نسيت "مريم" والرسائل الإلكترونية، ونسيت الغموض الذي طالما أرقني، فعشت اللحظة بكل تفاصيلها وكأن العالم توقف هنا عند تلك اللحظة النقيّة. في اليوم التالي، ساد

  • الحب والوهم    الفصل التاسع: خيوطٌ متشابكة

    الليل جان هادي، والبيت غرقان بسكون إلا من صوت المروحة اللي تفتر ببطء. كنت كاعد بالصالة، وبيدي كوب الجاي، والبال مشغول بـ "رهف" وكلامها اللي خلاني أحس بصدق مشاعري. بهاللحظة، رن تليفوني.. شفت الاسم "صكبان". رديت عليه بابتسامة: "هلا بصكبان، شلونك يا خوية؟” صوت صكبان جان بي ارتباك وحنين، كال: "محمد، خوية.. أنت مثل أخوي وما أضم عليك شي. الصراحة، كلبي ما عاد صابر، وأريد أتقدم لنور.. أريد أفتح بيت بالحلال وأصونها." سكتت لحظة، الفرحة بگلبي جانت كبيرة لأن صكبان رجال معدل. كلتله بصوت هادي: "صكبان، تدري نور غالية عليّ، ومثل ما أنت خويي، هي روحي. راح أتكلم وياها وأشوف هي شنو رأيها.. القرار الأول والأخير إلها.صكبان تنهد بحزن وكال: "أعرف يا محمد، وأدري إنت خايف عليها. بس صدكني، بعد ما انفصلت عن خطيبتي ذيج الفترة، عرفت إن الدنيا ما تنعاش بدون إنسانة تصونك. ما أريد أعيش نفس الغلطة ولا أريد أعيش وحيد مثل ذيج الأيام.. أريد أبدأ صفحة جديدة ويا أختك." بعد ما سديت الخط، حسيت بمسؤولية كبيرة. صعدت لغرفتي، ومن فتحت التلفون.. صدمة. رسالة من "مريم": — "ظننتك أذكى من هذا.. تظن إنك تتهرب مني؟ أنا أعرف كل تحر

  • الحب والوهم    الفصل الثامن: بين سرابِ الشاشةِ وعطرِ الياسمين

    الساعة بـ 5:30 الصبح، الظلام جان بعده مخيم على أركان الغرفة، بس صوت أذان الفجر البعيد بدأ يحيي المدينة. حسيت إيد "نور" تهز جتفي بحنية وهي تهمس: "محمد.. كوم خوية، الشمس بدت تطلع واليوم عندك شغل، لا تتأخر على أبو جاسم." فتحت عيوني بتثاقل، غسلت وجهي، وكعدنا نتريك سوية. جانت ريحة الجاي المهيل والخبز الحار تملي البيت، ونور جانت مبتسمة، تحاول تشجعني بنظراتها. بعد الريوك، طلعت للشارع.. بغداد بهذا الوقت تكون غير، الشوارع بعدها هادية، ريحة الندى والتراب والنسيم الهادئ جانت تخلي الواحد يحس إن الحياة بعدها بخير. مشيت بخطوات ثابتة للموقع، الطريق جان طويل شوية بس جانت فرصة أراجع بيها حساباتي. بالموقع، الشغل جان يمر بتركيز، حتى "أبو جاسم" من شافني أشتغل بجدية قال: "عفية عليك يا محمد، اليوم بطل، الشغل بين إيدك صار يلمع." من رجعت العصر، جسمي جان مهدود من التعب، بس عقلي جان مشتت. ذبّيت ثيابي، وقبل لا أمدد، التلفون بجيب القميص اهتز.. رسالة من "مريم". فتحتها، وانصدمت: — "اليوم شفتك من بعيد وأنت تمشي.. أنت تغيرت يا محمد، مو هذا الشخص اللي عرفته قبل، مو هذا الشخص اللي جان يهرب من الواقع ويحتمي بية." ت

  • الحب والوهم    الفصل السابع: اعتراف تحت الأشجار

    كعدنا بـ "الزوراء"، الجو جان ربيع وبغداد صافية. رهف كانت تباوعلي بهدوء، وأنا لأول مرة قررت أحجي. حسيت إن عيوني بدت تدمع وأنا أحجيلها عن المعمل، عن "أبو العصير" وظلمه، وعن "سعد" اللي طردني. — "تعرفين يا رهف، أكثر شي وجعني مو الطردة، وجعني إني حسيت روحي صفر.. لا شغلة، ولا مكانة، وحتى علاقاتي بالناس بدت تنهز. رهف سكتت فترة، وبعدين كالت بصوت مليان ثقة: "محمد، الرزق مو بيد البشر. أنت شاب عندك طاقة، ليش ما تبدأ من جديد؟ العمالة مو عيب، العيب إن الواحد يضل كاعد ويشكي." رجعت للبيت، جانت نور كاعدة بالمطبخ، وجهها ذبلان من الهم. كعدت كبالها وكلتلها: "نور، أنا قررت أشتغل عمالة.. أي شغل يجي بوجهي، ما أريد نضل عالة على أحد." نور باوعتلي بعيون مليانة دمع: "خوية، العمالة صعبة، وتعبها يهد الحيل.. أنت متعود على شغل المعامل، شلون راح تتحمل؟ جاوبتها بإصرار: "الكرامة بالشغل، مو بنوعه. المهم نجيب لقمة حلال." من الصبح، وكفت بـ "المسطر"، الجو بارد بس الشمس بدت تحمى. عمال هواية منتظرين "الخلفة" (المعلم) يجي يختارهم. أخيراً، اجت سيارة "البيك أب"، نزل منها الخلفة "أبو جاسم"، رجل جبير بالعمر، وجهه محفر من ال

  • الحب والوهم    الفصل السادس: غبار الواقع

    جان الجو داخل معمل العصير خانقاً، ريحة الفواكه المهروسة مختلطة بريحة الرطوبة، وصوت خط الإنتاج ما يخلي الواحد يسمع صوته. كنت أشيل صناديق العصير الثقيلة، وفجأة، "سعد" اللي يشتغل وياي دفعني بقوة خلتني أتعثر، وصندوق العصير طك بالكاع وتناثر السائل في كل مكان. حسيت بذاك الوقت إن كل أحلامي وبساطتي راحت تتناثر وي هذا العصير، وبديت أحس إن هذا اليوم هو بداية لنهاية كل شي جنت أعرفه ومأمن بيه. صاح سعد بضحكة مستفزة: "عمي صاير ثكيل بيدك، وخر عن الطريق لا أطردك!" دمي غلى، عفته ورحت لـ "أبو المعمل" اللي جان يباوع من مكتبه الزجاجي. كلتله بصوت مخنوق من الغضب: "أستاذ، سعد يتعمد يضايقني ويخرب شغلي، والظلم مو زين بالرزق. أبو المعمل ما كلف نفسه يكوم، باوعلي ببرود وكال: "اسمع يا محمد، سعد صارله سنين وياي، وأنت لساك جديد.. عاجبك الشغل بهالوضع؟ ما عاجبك؟ الباب يفوت جمل، بطل وريحنا!" رميت "الصدرية" الملطخة بعصير البرتقال على الميز، وطلعت وأني أحس إن ريحة الفواكه صارت ريحة غثيان بصدري. طلعت أمشي بـ "جميلة"، الدنيا بدت تغيم كأنها تعكس حالي. دخلت لكافتريا قريبة، طلبت استكان جاي، وكعدت أباوع للفراغ، وأصوات الأغ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status