Share

الفصل السادس

Author: Noir Rad
last update publish date: 2026-05-08 08:02:05

بدأت اللقاءات الصغيرة بين كندا ويزن تتكرر.

نظرات طويلة.

كلمات ناقصة.

صمت مليء بما لا يُقال.

وكان كل شيء بينهما يزداد خطورة.

في أحد الأيام، كانت كندا تجمع الثياب من الحبل الخارجي حين هبّت الرياح بقوة، فتطاير أحد الأغطية نحو الحقل.

ركضت خلفه بسرعة، لكن يزن سبقها وأمسكه.

حين اقتربت منه، بقي واقفًا ينظر إليها بصمت.

قالت وهي تحاول أخذ الغطاء:

— أعطني إياه.

لكنه لم يتحرك.

كانت المسافة بينهما صغيرة جدًا.

قال بصوت خافت:

— هل تفكرين بي كما أفكر بكِ؟

تسارعت أنفاسها.

كان يجب أن تنكر.

أن تبتعد.

أن تنهي كل شيء.

لكنها لم تستطع.

همست:

— كل يوم.

أغمض يزن عينيه وكأن كلماتها أوجعته بدل أن تسعده.

ثم قال:

— نحن نسير نحو كارثة.

ردت بصوت مرتجف:

— أعرف.

لكنهما رغم ذلك لم يبتعدا.

في تلك الليلة، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والبيت غارقًا في الصمت.

نامت اعتدال باكرًا، بينما جلس محدين في غرفته يقرأ القرآن بصوته الهادئ المعتاد.

أما كندا، فكانت عاجزة عن التنفس من شدة التوتر.

شعرت أن قلبها يسحبها نحو شيء تعرف أنه سيدمرها.

خرجت بهدوء إلى الفناء.

وكان يزن هناك.

وقف فور أن رآها، وكأنه كان ينتظرها.

قال بصوت منخفض:

— كان يجب ألا تأتي.

لكنها اقتربت منه أكثر.

— وأنت؟ لماذا أنت هنا؟

ابتسم بحزن:

— لأنني ضعيف أمامكِ.

شعرت بعينيه تحرقان المسافة بينهما.

قالت وهي ترتجف:

— نحن نؤذي محدين.

أجاب بألم:

— أعرف.

— واعتدال…

— أعرف.

— إذًا لماذا لا نتوقف؟

نظر إليها طويلًا، ثم قال الجملة التي كانت تخاف سماعها:

— لأنني أحبكِ.

سقطت الكلمة داخلها كشيء لا يمكن الهروب منه.

لأول مرة منذ زمن طويل، شعرت أن أحدًا يحبها هي…

لا جمالها فقط، ولا صورتها أمام الناس.

اقترب منها ببطء، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة للتراجع.

لكنها لم تتراجع.

وحين عانقها تلك الليلة، انهارت آخر الحدود بينهما.

في الغرفة المجاورة، كان محدين نائمًا مطمئنًا، يظن أن زوجته ما زالت المرأة التي أحبها.

أما في الخارج…

فكانت الخيانة تبدأ فعلًا

حين عادت كندا إلى غرفتها تلك الليلة، شعرت أن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا.

أغلقت الباب ببطء، ثم التفتت نحو محدين.

كان نائمًا بهدوء، وملامحه ساكنة بطريقة مؤلمة.

وقفت تنظر إليه طويلًا.

هذا الرجل وثق بها بالكامل…

أحبها دون شروط…

ومنحها أمانًا لم يمنحه لها أحد.

أما هي، فكانت قد خانته منذ دقائق فقط.

جلست قرب السرير، ويداها ترتجفان بعنف.

حاولت أن تقنع نفسها أن ما حدث لن يتكرر، أنه كان لحظة ضعف وستنتهي.

لكن قلبها كان يعرف الحقيقة.

كانت قد تجاوزت الخط الذي لا عودة منه.

وفي الصباح، لم تستطع النظر إلى يزن.

أما هو، فبدا أكثر صمتًا من المعتاد.

حتى اعتدال لاحظت التوتر الغريب بينهما.

قالت وهي تنظر إليهما أثناء الإفطار:

— ما بكما اليوم؟ كأن بينكما مشكلة.

ارتبكت كندا فورًا، بينما أجاب يزن بسرعة:

— لا شيء.

لكن اعتدال بقيت تراقبهما بصمت.

وكان في عينيها شيء يشبه الشك.

حاول يزن الابتعاد مجددًا.

لكنه فشل.

وكانت كندا تفشل معه في كل مرة.

تحولت اللحظات الصغيرة إلى مواعيد صامتة؛ نظرات من خلف الأبواب، لقاءات قصيرة في الفناء، همسات سريعة حين يغيب محدين.

وكان أخطر ما في الأمر أن كل شيء بدأ يبدو طبيعيًا بينهما.

كأن الخيانة يمكن أن تتحول إلى عادة.

في إحدى الأمسيات، خرج محدين مع بعض رجال القرية، بينما كانت اعتدال تزور قريبة لها.

بقي البيت فارغًا لأول مرة منذ أسابيع.

كانت كندا تعرف أن يزن في غرفته.

وظلت تحاول تجاهل ذلك… حتى سمعت صوته يناديها بهدوء:

— كندا.

ارتجف قلبها فورًا.

دخلت غرفته ببطء، وعيناها لا تجرؤان على النظر إليه مباشرة.

كان واقفًا قرب النافذة، يبدو متوترًا بشكل واضح.

قال بصوت منخفض:

— يجب أن ينتهي هذا.

رفعت عينيها نحوه أخيرًا.

— وهل تستطيع؟

صمت.

وكان ذلك الجواب الوحيد الذي احتاجته.

اقتربت منه ببطء، ثم قالت:

— أنا خائفة.

أجاب وهو يحدق فيها:

— وأنا أيضًا.

لكن خوفهما لم يكن كافيًا لإيقافهما.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الخيانة الخرساء   الفصل الثاني عشر

    في مركز الشرطة، جلست كندا وحدها داخل الغرفة الباردة.كانت عيناها متورمتين من البكاء، ويداها لا تتوقفان عن الارتجاف.سألها الضابط بهدوء:— هل كنتِ على علاقة بيزن؟أغمضت عينيها بقوة.حاولت الإنكار للحظة…لكنها كانت متعبة جدًا.متعبة من الكذب.من الخوف.من الذنب.همست أخيرًا:— نعم.كتب الضابط شيئًا في أوراقه، ثم سأل:— منذ متى بدأت العلاقة؟بدأ صوتها يختنق وهي تتحدث.حكت كل شيء تقريبًا.عن وحدتها…عن ضعفها…عن حبها ليزن…وعن خوفها المستمر من انكشاف الحقيقة.لكنها لم تستطع حتى وهي تعترف أن تكره يزن.وهذا ما زاد ألمها.أما محدين، فكان في غرفة أخرى يجيب بصوت ميت على الأسئلة نفسها.قال للضابط:— لم أكن أرى شيئًا… لكنني كنت أشعر أن هناك ظلامًا حولي طوال الوقت.ولأول مرة منذ سنوات، بكى محدين أمام الغرباء دون أن يحاول إخفاء دموعه.ما إن خرج الخبر رسميًا حتى انفجرت القرية بالكلام.لم يعد أحد يتحدث عن شيء آخر.النساء يرددن اسم كندا باحتقار.والرجال يتحدثون عن “الخيانة” وكأنها جريمة هزّت القرية كلها.حتى بيت أهلها أصبح محاصرًا بالعار.أبوها لم يعد يخرج كثيرًا، وأمها كانت تبكي بصمت كل ليلة.أما كن

  • الخيانة الخرساء   الفصل الحادي عشر

    وقف يزن للحظات صامتًا.ثم قال بصوت مكسور:— إن كان هذا يريحك… سأرحل.اتجه نحو الباب ببطء.لكن كندا اندفعت نحوه وهي تبكي.— لا تذهب!وما إن قالتها حتى ساد صمت مرعب داخل البيت.كانت الجملة كافية لتحطم آخر شيء داخل محدين.استدار نحو مصدر صوتها ببطء شديد.ثم قال بصوت خافت مخيف:— إذًا… تحبينه فعلًا.أغلقت كندا فمها فورًا، وكأنها أدركت متأخرة ما قالته.أما يزن، فاقترب بسرعة:— أخي، كفى—لكن محدين اندفع نحوه فجأة.بدأ العراك بينهما بعنف.حاول يزن منعه دون إيذائه، بينما كان محدين يضربه بجنون، كأنه يفرغ كل الخيانة والألم دفعة واحدة.صرخت كندا وهي تحاول إبعادهما:— توقفا!لكن كل شيء خرج عن السيطرة.وخلال العراك، تعثر يزن بالطاولة المكسورة وسقط بقوة.ثم…ارتطم رأسه بحافة حجرية حادة قرب الجدار.ساد صمت مفاجئ.توقف محدين فورًا.أما كندا، فنظرت إلى يزن الملقى على الأرض بعينين متسعتين من الرعب.اقتربت منه بسرعة.— يزن… يزن!لكن الدم بدأ ينتشر ببطء تحت رأسه.وكان جسده بلا حركة.جلس محدين على الأرض كأن روحه خرجت منه.أما كندا، فكانت تهزّ جسد يزن وهي تبكي بانهيار.— افتح عينيك… أرجوك!لكن يزن لم يتحرك

  • الخيانة الخرساء   الفصل العاشر

    في تلك الليلة، طلب يزن من كندا أن تخرج معه إلى الحقول خلف البيت.كان القمر شاحبًا، والهواء باردًا.وقفت أمامه بصمت، بينما بدا هو متوترًا بشكل لم تره عليه من قبل.قال أخيرًا:— يجب أن ننهي كل شيء.شعرت كندا بأن قلبها انقبض.— ماذا؟مرر يده في شعره بعصبية.— نحن دمّرنا أمي… وسندمر محدين أيضًا.بدأت الدموع تتجمع في عينيها.— وهل تظن أنني لا أعرف ذلك؟اقترب منها وقال بصوت متعب:— إذًا لماذا نستمر؟لم تجد جوابًا.لأنها كانت تحبه…رغم كل شيء.أما هو، فكان يبدو كإنسان يختنق داخل نفسه.قال أخيرًا:— سأغادر القرية.رفعت رأسها بصدمة.— ماذا؟— هذا أفضل حل.شعرت بالخوف فورًا.— و… وأنا؟نظر إليها طويلًا، ثم قال بحزن:— لو بقيتِ معي سنحرق كل شيء حولنا.سقطت دمعة من عينيها بصمت.لأول مرة، شعرت أن خسارته قد تكون أقسى من ذنبها نفسه.انتشر خبر نية يزن مغادرة القرية بسرعة بين الناس.بدأت النساء يتهامسن:— لماذا سيترك البيت بعد موت أمه مباشرة؟— هل حدث شيء بينه وبين أخيه؟وكانت كندا تسمع تلك الهمسات بخوف متزايد.أصبحت تشعر أن الجميع يراقبها.حتى نظرات الجارات البسيطة صارت تبدو لها اتهامًا.وفي أحد الأي

  • الخيانة الخرساء   الفصل التاسع

    بعد المواجهة، دخلت اعتدال غرفتها وأغلقت الباب.أما كندا، فانهارت بالبكاء في زاوية الممر.ويزن وقف بلا حركة، كأن روحه خرجت منه.قالت كندا وهي تبكي:— انتهى كل شيء…مرر يزن يده على وجهه بتعب شديد.— كنت أعرف أن هذا سيحدث.وفجأة، سمعا صوت ارتطام قوي داخل غرفة اعتدال.ركضا نحو الباب بسرعة.فتح يزن الباب بعنف…فوجدا اعتدال ملقاة على الأرض.شهقت كندا بخوف:— يا الله!ركع يزن قرب أمه بسرعة.— أمي! أمي!لكن اعتدال كانت تتنفس بصعوبة شديدة، ويدها تضغط على صدرها بعنف.بدأ الذعر يسيطر عليهما.صرخت كندا:— نادِ محدين! بسرعة!خرج يزن راكضًا كالمجنون نحو المسجد.أما كندا، فجلست قرب اعتدال المرتجفة، تبكي وهي تمسك يدها.فتحت اعتدال عينيها بصعوبة ونظرت إليها.كانت نظرة موجوعة…مليئة بالخذلان.ثم همست بصوت ضعيف:— خرّبتِ… بيتي…وأغمضت عينيها.وصل محدين مع يزن بعد دقائق، بينما كان بعض رجال القرية خلفهما.كان محدين مرتبكًا بشدة.— ماذا حدث؟! ماذا بها؟!لكن لا أحد أجابه فورًا.حملها الرجال بسرعة إلى السيارة القديمة وانطلقوا بها نحو المدينة.جلست كندا في البيت وحدها، ترتجف بالكامل.أما يزن، فكان يجلس خارج ا

  • الخيانة الخرساء   الفصل الثامن

    ازدادت شكوك اعتدال يومًا بعد يوم.لم تكن تملك دليلًا واضحًا، لكن إحساسها كان يصرخ بأن هناك شيئًا خاطئًا داخل البيت.وفي أحد الأيام، استيقظت ليلًا بسبب العطش.خرجت بهدوء نحو المطبخ، لكنها توقفت فجأة حين رأت ظلين في الفناء.اقتربت أكثر دون صوت.كانا كندا ويزن.لم تسمع ما يقولانه، لكنها رأت قربهما من بعض… والطريقة التي كان ينظر بها يزن إليها.شعرت باعتدال بأن قلبها توقف للحظة.تراجعت ببطء قبل أن يلحظا وجودها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب، ثم جلست على السرير وهي تحاول التقاط أنفاسها.“لا… هذا مستحيل.”كانت تكرر الجملة داخلها كأنها تحاول إقناع نفسها.لكنها كانت تعرف أبناءها جيدًا.وفي صباح اليوم التالي، أصبحت تراقب كل شيء بصمت.كل نظرة.كل حركة.كل ارتباك.وكان خوفها يكبر معها.في تلك الفترة، بدأت كندا تشعر أن البيت يضيق عليها أكثر من أي وقت مضى.كل زاوية فيه تحمل ذنبًا.محدين بحبه الصادق.اعتدال بنظراتها المتفحصة.ويزن بعينيه اللتين لم تعودا تعرفان الراحة.وفي إحدى الليالي، التقت بيزن قرب الحقول خلف البيت.كان القمر خافتًا، والهواء باردًا.قال يزن فجأة:— لن نستطيع الاستمرار هكذا.شعرت بالخوف

  • الخيانة الخرساء   الفصل السابع

    بدأ محدين يشعر أن شيئًا ما تغيّر داخل البيت.لم يكن يعرف ماذا بالضبط، لكنه كان يشعر بالبرودة في صوت كندا أحيانًا، وبصمت يزن الطويل.وفي إحدى الليالي، بينما كانت كندا ترتب الفراش، قال فجأة:— هل تحبينني يا كندا؟تجمدت للحظة.كان السؤال بسيطًا…لكنه نزل على قلبها كالحجر.استدارت نحوه بسرعة:— لماذا تسأل هذا؟ابتسم بحزن خفيف.— لا أعرف… فقط أشعر أنك بعيدة.شعرت بالاختناق.اقتربت منه وجلست قربه محاولة إخفاء ارتباكها.— أنت تتخيل.مد يده يتحسس وجهها برفق.— أتمنى ذلك.أغمضت عينيها بقوة.كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن محدين يقترب من الحقيقة، رغم ظلامه.وفي الخارج، كان يزن يقف قرب الباب.وقد سمع كل شيء.اعتدال لم تكن امرأة سهلة الخداع.عاشت عمرها كله تراقب الناس، وتفهم ما يخفونه من نظراتهم قبل كلماتهم.ومع الأيام، بدأت تلاحظ تفاصيل صغيرة.صمت كندا المفاجئ حين يدخل يزن.توتر يزن إذا جلست كندا بقربه.النظرات السريعة التي يهربان منها فورًا.في البداية، حاولت طرد الشك من رأسها.لكن قلب الأم لا يخطئ بسهولة.وفي أحد الأيام، دخلت المطبخ فجأة، فتفاجأت بكندا ويزن يقفان قريبين جدًا من بعضهما.ابت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status