LOGINفي تلك الليلة، طلب يزن من كندا أن تخرج معه إلى الحقول خلف البيت.
كان القمر شاحبًا، والهواء باردًا. وقفت أمامه بصمت، بينما بدا هو متوترًا بشكل لم تره عليه من قبل. قال أخيرًا: — يجب أن ننهي كل شيء. شعرت كندا بأن قلبها انقبض. — ماذا؟ مرر يده في شعره بعصبية. — نحن دمّرنا أمي… وسندمر محدين أيضًا. بدأت الدموع تتجمع في عينيها. — وهل تظن أنني لا أعرف ذلك؟ اقترب منها وقال بصوت متعب: — إذًا لماذا نستمر؟ لم تجد جوابًا. لأنها كانت تحبه… رغم كل شيء. أما هو، فكان يبدو كإنسان يختنق داخل نفسه. قال أخيرًا: — سأغادر القرية. رفعت رأسها بصدمة. — ماذا؟ — هذا أفضل حل. شعرت بالخوف فورًا. — و… وأنا؟ نظر إليها طويلًا، ثم قال بحزن: — لو بقيتِ معي سنحرق كل شيء حولنا. سقطت دمعة من عينيها بصمت. لأول مرة، شعرت أن خسارته قد تكون أقسى من ذنبها نفسه. انتشر خبر نية يزن مغادرة القرية بسرعة بين الناس. بدأت النساء يتهامسن: — لماذا سيترك البيت بعد موت أمه مباشرة؟ — هل حدث شيء بينه وبين أخيه؟ وكانت كندا تسمع تلك الهمسات بخوف متزايد. أصبحت تشعر أن الجميع يراقبها. حتى نظرات الجارات البسيطة صارت تبدو لها اتهامًا. وفي أحد الأيام، زارتها امرأة من أقارب اعتدال. قالت وهي تتنهد: — رحمها الله… كانت تحمل همّ هذا البيت كثيرًا قبل موتها. شعرت كندا بالارتباك. — ماذا تقصدين؟ أجابت المرأة: — كانت تقول دائمًا إن المصائب تأتي أحيانًا من داخل البيت نفسه. شحب وجه كندا فورًا. هل كانت اعتدال قد أخبرت أحدًا؟ منذ تلك اللحظة، بدأ الرعب الحقيقي يسيطر عليها. لم تعد تخاف من الذنب فقط… بل من انكشاف كل شيء. . سمع صوت خطوات خافتة خارج غرفته. فتح الباب ببطء، وتحسس طريقه نحو الفناء. وهناك… سمع صوت كندا. وصوت يزن. تجمّد مكانه. لم يكن يرى شيئًا… لكن الكلمات كانت أوضح من أي صورة. قالت كندا بصوت مرتجف: — لا تتركني وحدي بعد كل ما حدث. ثم جاءه صوت يزن: — لو بقيت أكثر… سينكشف كل شيء. شعر محدين بأن قلبه توقف. وقف بلا حركة، بينما الكلمات تسقط عليه كالحجارة. ثم همست كندا: — أنا أحبك. في تلك اللحظة، انهار العالم داخل محدين. تراجع خطوة إلى الخلف، وكأن الأرض اختفت تحته. أما في الخارج، فلم يكن يزن أو كندا قد شعرا بوجوده بعد. وقف محدين في الظلام، ويداه ترتجفان بعنف. كل شيء أصبح مفهومًا الآن. صمت كندا. توتر يزن. موت أمه. الحقيقة كلها انفجرت دفعة واحدة داخل قلبه. وفجأة… أصدر صوتًا مختنقًا دون أن يشعر. التفت كندا بسرعة، وشحب وجهها حين رأت محدين واقفًا هناك. أما يزن، فتجمد مكانه كالميت. وساد صمت مرعب… الصمت الذي يسبق الكارثة بقي محدين واقفًا في مكانه، كأن جسده تحوّل إلى حجر. أما كندا، فشعرت بأن الدم انسحب من عروقها بالكامل. ويزن… لم يستطع حتى الاقتراب خطوة واحدة. كان صوت أنفاس محدين المرتجفة وحده يملأ الفناء. ثم قال أخيرًا بصوت مكسور: — منذ متى؟ لم يجب أحد. رفع رأسه قليلًا، وكأنه يحاول أن يرى بعينيه المطفأتين ما عجز قلبه عن تصديقه. — منذ متى وأنتم تخونونني؟ بدأت كندا تبكي فورًا. — محدين… اسمعني— صرخ فجأة لأول مرة: — لا تنطقي اسمي! ارتجفت كندا بعنف. أما يزن، فاقترب خطوة وقال بصوت منخفض: — أخي… أنا— لكن محدين اندفع نحوه وأمسك بثوبه بعنف. — أنت؟! أنت بالذات؟! كانت يداه ترتجفان بشكل مرعب. قال بصوت مخنوق: — أخذت كل شيء مني… حتى المرأة الوحيدة التي أحببتها! أغمض يزن عينيه بألم. — والله لم أرد أن يحدث هذا. ضحك محدين ضحكة مكسورة أشبه بالبكاء. — لكنّه حدث! ثم دفعه بقوة بعيدًا عنه. تراجعت كندا وهي تبكي، بينما بدا يزن عاجزًا عن الكلام. وفجأة قال محدين بصوت خافت لكنه مرعب: — أمي ماتت بسببكما… أليس كذلك؟ ساد الصمت. وكان ذلك الصمت اعترافًا كاملًا. دخل محدين البيت بخطوات مضطربة، بينما كان يزن خلفه يحاول تهدئته. قال يزن بتوتر: — أخي… اسمعني فقط. لكن محدين التفت نحوه بعنف. — ماذا بقي لأسمعه؟! ثم أمسك الكرسي القريب ورماه بقوة نحو الجدار. ارتعبت كندا وبدأت تبكي أكثر. كانت تلك أول مرة ترى محدين بهذه الصورة. الرجل الهادئ الطيب… تحول إلى إنسان محطم بالكامل. صرخ محدين: — كنتما تضحكان عليّ طوال الوقت؟! وأنا أعيش كالأحمق داخل هذا البيت؟! قالت كندا وهي ترتجف: — لم نخطط لهذا… نظر إليها وكأن كلماتها زادته ألمًا. — وهل هذا يخفف شيئًا؟! أما يزن، فبقي يحاول الاقتراب منه. — اضربني إن أردت… لكن لا تؤذِ نفسك. وفجأة، أمسك محدين عصاه الخشبية وضرب بها الطاولة بعنف حتى انكسرت. ثم صرخ: — اخرج من البيت! تجمّد يزن. — ماذا؟ — قلت اخرج! كانت أنفاس محدين متقطعة من شدة الغضب والانهيار. قال بصوت مرتعش: — إن بقيت هنا… سأقتلك.في مركز الشرطة، جلست كندا وحدها داخل الغرفة الباردة.كانت عيناها متورمتين من البكاء، ويداها لا تتوقفان عن الارتجاف.سألها الضابط بهدوء:— هل كنتِ على علاقة بيزن؟أغمضت عينيها بقوة.حاولت الإنكار للحظة…لكنها كانت متعبة جدًا.متعبة من الكذب.من الخوف.من الذنب.همست أخيرًا:— نعم.كتب الضابط شيئًا في أوراقه، ثم سأل:— منذ متى بدأت العلاقة؟بدأ صوتها يختنق وهي تتحدث.حكت كل شيء تقريبًا.عن وحدتها…عن ضعفها…عن حبها ليزن…وعن خوفها المستمر من انكشاف الحقيقة.لكنها لم تستطع حتى وهي تعترف أن تكره يزن.وهذا ما زاد ألمها.أما محدين، فكان في غرفة أخرى يجيب بصوت ميت على الأسئلة نفسها.قال للضابط:— لم أكن أرى شيئًا… لكنني كنت أشعر أن هناك ظلامًا حولي طوال الوقت.ولأول مرة منذ سنوات، بكى محدين أمام الغرباء دون أن يحاول إخفاء دموعه.ما إن خرج الخبر رسميًا حتى انفجرت القرية بالكلام.لم يعد أحد يتحدث عن شيء آخر.النساء يرددن اسم كندا باحتقار.والرجال يتحدثون عن “الخيانة” وكأنها جريمة هزّت القرية كلها.حتى بيت أهلها أصبح محاصرًا بالعار.أبوها لم يعد يخرج كثيرًا، وأمها كانت تبكي بصمت كل ليلة.أما كن
وقف يزن للحظات صامتًا.ثم قال بصوت مكسور:— إن كان هذا يريحك… سأرحل.اتجه نحو الباب ببطء.لكن كندا اندفعت نحوه وهي تبكي.— لا تذهب!وما إن قالتها حتى ساد صمت مرعب داخل البيت.كانت الجملة كافية لتحطم آخر شيء داخل محدين.استدار نحو مصدر صوتها ببطء شديد.ثم قال بصوت خافت مخيف:— إذًا… تحبينه فعلًا.أغلقت كندا فمها فورًا، وكأنها أدركت متأخرة ما قالته.أما يزن، فاقترب بسرعة:— أخي، كفى—لكن محدين اندفع نحوه فجأة.بدأ العراك بينهما بعنف.حاول يزن منعه دون إيذائه، بينما كان محدين يضربه بجنون، كأنه يفرغ كل الخيانة والألم دفعة واحدة.صرخت كندا وهي تحاول إبعادهما:— توقفا!لكن كل شيء خرج عن السيطرة.وخلال العراك، تعثر يزن بالطاولة المكسورة وسقط بقوة.ثم…ارتطم رأسه بحافة حجرية حادة قرب الجدار.ساد صمت مفاجئ.توقف محدين فورًا.أما كندا، فنظرت إلى يزن الملقى على الأرض بعينين متسعتين من الرعب.اقتربت منه بسرعة.— يزن… يزن!لكن الدم بدأ ينتشر ببطء تحت رأسه.وكان جسده بلا حركة.جلس محدين على الأرض كأن روحه خرجت منه.أما كندا، فكانت تهزّ جسد يزن وهي تبكي بانهيار.— افتح عينيك… أرجوك!لكن يزن لم يتحرك
في تلك الليلة، طلب يزن من كندا أن تخرج معه إلى الحقول خلف البيت.كان القمر شاحبًا، والهواء باردًا.وقفت أمامه بصمت، بينما بدا هو متوترًا بشكل لم تره عليه من قبل.قال أخيرًا:— يجب أن ننهي كل شيء.شعرت كندا بأن قلبها انقبض.— ماذا؟مرر يده في شعره بعصبية.— نحن دمّرنا أمي… وسندمر محدين أيضًا.بدأت الدموع تتجمع في عينيها.— وهل تظن أنني لا أعرف ذلك؟اقترب منها وقال بصوت متعب:— إذًا لماذا نستمر؟لم تجد جوابًا.لأنها كانت تحبه…رغم كل شيء.أما هو، فكان يبدو كإنسان يختنق داخل نفسه.قال أخيرًا:— سأغادر القرية.رفعت رأسها بصدمة.— ماذا؟— هذا أفضل حل.شعرت بالخوف فورًا.— و… وأنا؟نظر إليها طويلًا، ثم قال بحزن:— لو بقيتِ معي سنحرق كل شيء حولنا.سقطت دمعة من عينيها بصمت.لأول مرة، شعرت أن خسارته قد تكون أقسى من ذنبها نفسه.انتشر خبر نية يزن مغادرة القرية بسرعة بين الناس.بدأت النساء يتهامسن:— لماذا سيترك البيت بعد موت أمه مباشرة؟— هل حدث شيء بينه وبين أخيه؟وكانت كندا تسمع تلك الهمسات بخوف متزايد.أصبحت تشعر أن الجميع يراقبها.حتى نظرات الجارات البسيطة صارت تبدو لها اتهامًا.وفي أحد الأي
بعد المواجهة، دخلت اعتدال غرفتها وأغلقت الباب.أما كندا، فانهارت بالبكاء في زاوية الممر.ويزن وقف بلا حركة، كأن روحه خرجت منه.قالت كندا وهي تبكي:— انتهى كل شيء…مرر يزن يده على وجهه بتعب شديد.— كنت أعرف أن هذا سيحدث.وفجأة، سمعا صوت ارتطام قوي داخل غرفة اعتدال.ركضا نحو الباب بسرعة.فتح يزن الباب بعنف…فوجدا اعتدال ملقاة على الأرض.شهقت كندا بخوف:— يا الله!ركع يزن قرب أمه بسرعة.— أمي! أمي!لكن اعتدال كانت تتنفس بصعوبة شديدة، ويدها تضغط على صدرها بعنف.بدأ الذعر يسيطر عليهما.صرخت كندا:— نادِ محدين! بسرعة!خرج يزن راكضًا كالمجنون نحو المسجد.أما كندا، فجلست قرب اعتدال المرتجفة، تبكي وهي تمسك يدها.فتحت اعتدال عينيها بصعوبة ونظرت إليها.كانت نظرة موجوعة…مليئة بالخذلان.ثم همست بصوت ضعيف:— خرّبتِ… بيتي…وأغمضت عينيها.وصل محدين مع يزن بعد دقائق، بينما كان بعض رجال القرية خلفهما.كان محدين مرتبكًا بشدة.— ماذا حدث؟! ماذا بها؟!لكن لا أحد أجابه فورًا.حملها الرجال بسرعة إلى السيارة القديمة وانطلقوا بها نحو المدينة.جلست كندا في البيت وحدها، ترتجف بالكامل.أما يزن، فكان يجلس خارج ا
ازدادت شكوك اعتدال يومًا بعد يوم.لم تكن تملك دليلًا واضحًا، لكن إحساسها كان يصرخ بأن هناك شيئًا خاطئًا داخل البيت.وفي أحد الأيام، استيقظت ليلًا بسبب العطش.خرجت بهدوء نحو المطبخ، لكنها توقفت فجأة حين رأت ظلين في الفناء.اقتربت أكثر دون صوت.كانا كندا ويزن.لم تسمع ما يقولانه، لكنها رأت قربهما من بعض… والطريقة التي كان ينظر بها يزن إليها.شعرت باعتدال بأن قلبها توقف للحظة.تراجعت ببطء قبل أن يلحظا وجودها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب، ثم جلست على السرير وهي تحاول التقاط أنفاسها.“لا… هذا مستحيل.”كانت تكرر الجملة داخلها كأنها تحاول إقناع نفسها.لكنها كانت تعرف أبناءها جيدًا.وفي صباح اليوم التالي، أصبحت تراقب كل شيء بصمت.كل نظرة.كل حركة.كل ارتباك.وكان خوفها يكبر معها.في تلك الفترة، بدأت كندا تشعر أن البيت يضيق عليها أكثر من أي وقت مضى.كل زاوية فيه تحمل ذنبًا.محدين بحبه الصادق.اعتدال بنظراتها المتفحصة.ويزن بعينيه اللتين لم تعودا تعرفان الراحة.وفي إحدى الليالي، التقت بيزن قرب الحقول خلف البيت.كان القمر خافتًا، والهواء باردًا.قال يزن فجأة:— لن نستطيع الاستمرار هكذا.شعرت بالخوف
بدأ محدين يشعر أن شيئًا ما تغيّر داخل البيت.لم يكن يعرف ماذا بالضبط، لكنه كان يشعر بالبرودة في صوت كندا أحيانًا، وبصمت يزن الطويل.وفي إحدى الليالي، بينما كانت كندا ترتب الفراش، قال فجأة:— هل تحبينني يا كندا؟تجمدت للحظة.كان السؤال بسيطًا…لكنه نزل على قلبها كالحجر.استدارت نحوه بسرعة:— لماذا تسأل هذا؟ابتسم بحزن خفيف.— لا أعرف… فقط أشعر أنك بعيدة.شعرت بالاختناق.اقتربت منه وجلست قربه محاولة إخفاء ارتباكها.— أنت تتخيل.مد يده يتحسس وجهها برفق.— أتمنى ذلك.أغمضت عينيها بقوة.كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن محدين يقترب من الحقيقة، رغم ظلامه.وفي الخارج، كان يزن يقف قرب الباب.وقد سمع كل شيء.اعتدال لم تكن امرأة سهلة الخداع.عاشت عمرها كله تراقب الناس، وتفهم ما يخفونه من نظراتهم قبل كلماتهم.ومع الأيام، بدأت تلاحظ تفاصيل صغيرة.صمت كندا المفاجئ حين يدخل يزن.توتر يزن إذا جلست كندا بقربه.النظرات السريعة التي يهربان منها فورًا.في البداية، حاولت طرد الشك من رأسها.لكن قلب الأم لا يخطئ بسهولة.وفي أحد الأيام، دخلت المطبخ فجأة، فتفاجأت بكندا ويزن يقفان قريبين جدًا من بعضهما.ابت







