تسجيل الدخولتجمّد جاسر في مكانه على أول عتبة من السلم اللولبي، وامتدت يده بغريزة مدربة ليقبض على معصم تريل، ساحباً إياها خلف ظهره العريض لحمايتها.
أنفاسهما كانت مسموعة في ذلك الممر الضيق، وصوت حشرجة القفل الحديدي بالأسفل تكرر، متبوعاً بصوت خطوات بطيئة وجرّ خفيف، ثم..
ساد صمت مفاجئ وقاطع.
همس جاسر وعيناه تفحصان العتمة:
"الحركة توقفت.. هناك من شعر بوجودنا بالأسفل."
لم تتراجع تريل، بل سحبت معصمها برفق وقالت بنبرة خفيضة حاسمة:
"إذا توقف، فهو ينتظرنا في الظلام.. لا وقت للتراجع الآن يا جاسر، السرداب له مخرج واحد، ولن يفلت."
---
أخرج جاسر مصباحاً يدوياً صغيراً، وحجب ضوءه بكفه ليمر شعاع ضئيل للغاية يضيء العتبات الحجرية الرطبة.
نزلا خطوة تلو الأخرى بحذر شديد، والبرودة تزداد قسوة كلما غاصا في باطن الأرض، حتى وصلا إلى القاع.
انفتحت أمامهما مساحة واسعة ممتدة، عبارة عن قبو عتيق مبني من صخور سوداء ترجع لعقود مضت.
وجّها ضوء المصباح نحو مصدر الصوت، لكن القبو كان خالياً تماماً!
لم يكن هناك شخص، بل كان هناك باب حديدي ثقيل، وقفله مكسور حديثاً، وكأن من كان هنا غادر قبل ثوانٍ معدودة.
تقدم جاسر والشرر يتطاير من عينيه، ودفع الباب المكسور ليدخلا إلى غرفة صغيرة سرية تحت الأرض.
في منتصف الغرفة، كان هناك مكتب خشبي عتيق للغاية، يشبه مكتب والده الراحل.
---
اندفعت تريل نحو المكتب بلهفة، وظن جاسر أنها ستخرج وثائق تدين عائلتها أو خزائن أموال مسروقة..
لكن الصدمة كانت بانتظارهما.
فتحت تريل الأدراج الواحد تلو الآخر، لتجدها مكدسة بـ مئات الأوراق..
لكنها كلها أوراق بيضاء فارغة تماماً! لا تحتوي على حرف واحد، ولا رقم، ولا توقيع.
مسك جاسر إحدى الأوراق ورفعها تحت الضوء بغضب وقام بقلبها:
"ما هذا العبث؟! مئات الأوراق المخفية في سرداب سري، وكلها بيضاء؟
هل يسخر أبوكِ منا؟"
نظرت تريل إلى الأوراق بذهول تام، ولمست سطحها بأصابع مرتجفة، ثم وقعت عيناها على منتصف الطاولة،
حيث كانت هناك محبرة زجاجية مكسورة، ينسكب منها حبر أحمر قَانٍ ما زال رطباً.. وهو نفس الحبر الذي كُتبت به الرسالة التهديدية في غرفتها!
---
وقبل أن ينطقا بكلمة، لمح جاسر شيئاً غريباً على إحدى الأوراق البيضاء الفارغة؛
عندما سقطت عليها قطرة من الحبر الأحمر المسكوب، بدأت تظهر حروف خفية تحتها كأنها سحر،
كُتب فيها كلمة واحدة قبل أن تختفي مجدداً:
"(ابحثوا في الدفتر الأسود.. قبل أن يغلق الحارس الباب)".
اتسعت عينا تريل وهمست برعب:
"هذه الأوراق ليست فارغة يا جاسر..
هذه أوراق كُتبت بحبر سري لا يظهر إلا بمادة معينة، وأبي لم يكن يعرف هذا السر..
هناك شخص آخر يعيش معنا في هذا القصر، يملك الدفتر الأسود، وهو من يقودنا الآن خطوة بخطوة."
---
في تلك اللحظة، سمعا صوت إغلاق الباب الحديدي للسرداب بقوة من خلفهما، وتكة القفل وهو يُغلق عليهما من الخارج،
ليعود الصمت المطبق، ويجدا نفسهما محاصرين معاً في عتمة باطن الأرض.
انطفأ المصباح اليدوي فجأة بعد أن ارتد الباب الحديدي بعنف، لتغرق الغرفة السرية في ظلام دامس ومطبق.
ساد صمت مرعب، لم يقطعه سوى صوت قطرات المطر البعيدة، وصوت دقات قلوبهما المتسارعة التي كانت تصدح في المكان كطبول حرب.
في عتمة ذلك البرد الخانق، شعرت تريل بجسد جاسر يقترب منها بسرعة غريزة حامية.
في ثوانٍ، كانت قد استندت بظهرها إلى الحائط الحجري البارد، وجاسر يقف أمامها تماماً، يحاوطها بذراعيه مستنداً على الجدار، ليفصل بين وجهيهما إنشات قليلة.
كانت أنفاسه الساخنة تلفح وجهها الشاحب، ورائحة معطفه المبلل بالمطر والتبغ الفخم تملأ حواسها.
همس جاسر بصوت عميق ومتحشرج حمل نبرة غامضة، وعيناه تحاولان اختراق الظلام لرؤية ملامحها:
"هل هذه كانت خطتكِ منذ البداية يا تريل؟
أن تستدرجيني إلى هنا لتغلقي عليّ الباب مع أوراق أبيكِ البيضاء؟"
---
رغم أن قلبها كان ينبض بعنف لدرجة خافت أن يسمعها، ورغم أنها لأول مرة تشعر بضعف أنوثتها أمام هيبته الطاغية، إلا أنها حافظت على نبرة صوتها الثابتة.
رفعت يدها ببطء لتتحسس صدره، ووضعت كفها الرقيق فوق موضع قلبه مباشرة، وقالت بصوت خفيض ودافئ يقطر صدقاً:
"لو كنت أريد حبسك أو التخلص منك، لما نزلت معك إلى هنا..
نبضات قلبك تخبرني أنك لا تصدق اتهامك لي.
أنت تعلم أنني أمانك الوحيد في هذا البيت يا جاسر، حتى وإن كنت تظهر عكس ذلك."
تصلب جسد جاسر تحت لمسة كفها الدافئة.
شعر بتلك الحرارة التي سرت في جسده لتكسر برودة السرداب.
هذه الفتاة لم تكن تخاف منه كالبقية، بل كانت تقرأه ككتاب مفتوح.
اقترب أكثر، حتى كادت شفتيه تلامسان جبينها، وهمس بنبرة تجمع بين القسوة واللين:
"أنتِ خطيرة.. والاقتراب منكِ أشبه بالوقوف على حافة هاوية.
لا أدري إن كنتِ طوق نجاتي، أم أنكِ السم الذي سيهلكني..
لكنني أعلم شيئاً واحداً؛ لن تخرجي من هذا المكان إلا وأنا معكِ."
---
في تلك اللحظة، تحركت يد جاسر ببطء لتمسح خصلة شعر متمردة سقطت على وجه تريل، ولمست أصابعه الحادة جلد وجنتها بنعومة غير معهودة فيه.
أحست تريل بقشعريرة تسري في جسدها، وتمنت في سرها لو أن هذا الحصار يطول، لو أن هذا الباب لا يُفتح أبداً، لتظل محاصرة بين ذراعيه، بعيداً عن أسرار عائلتها وجحيم خطاياهم.
لكن هذا الدفء المؤقت تبدد فجأة، عندما تناهى إلى مسامعهما صوت خطوات خفيفة تتحرك في الأعلى، وتحديداً في الممر المؤدي لغرفة تريل..
خطوات كانت تبدو كأنها تبحث عن شيء ما جرى إخفاؤه في الطابق العلوي.
--
ابتسم جاسر وهو يمسك يد تريل، وقال وهو ينظر في عينيها: "لو كنتِ هتيجي بالشكل ده... كنت مستعد أستنى العمر كله." احمرّ وجه تريل، وابتسمت له ابتسامة صغيرة، لكنها أخفت خلفها خوفًا لم يفارق قلبها منذ أن قرأت كلمات الدفتر الأسود. تقدم المأذون بخطوات هادئة، ثم جلس أمامهما وقال: "بسم الله... نبدأ." ساد الهدوء في أرجاء الحديقة، وانخفضت أصوات الحضور، ولم يعد يُسمع سوى صوت المأذون وهو يبدأ إجراءات عقد القران. وقف سالم خلف جاسر، يراقب المكان بعينين لا تعرفان الراحة، وكأن قلبه يخبره أن شيئًا ما سيحدث. أما تريل... فشعرت فجأة بحرارة تسري في معصمها. نظرت سريعًا... فوجدت العلامة القديمة بدأت تضيء بضوء خافت. أغلقت يدها عليها بسرعة حتى لا يراها أحد. رفعت رأسها نحو جاسر... فلاحظت أن علامته هو الآخر بدأت تظهر أسفل كم بدلته، لكنها كانت خافتة لدرجة أنه لم ينتبه لها. همست لنفسها: "بدأ..." حاولت أن تتمالك نفسها، وابتسمت حتى لا يلاحظ جاسر شيئًا. قال المأذون: "يا أستاذ جاسر... هل تقبل..." وقبل أن يكمل... صدر صوت محركات سيارات توقفت أمام بوابة القصر. التفت الجميع في اللحظة
مرت الأيام التالية، وكانت تريل تحاول أن تخفي القلق الذي يسكن داخلها. كانت تبتسم أمام الجميع، وتضحك مع جاسر، وكأن كل شيء عاد طبيعيًا... لكن في داخلها كانت تخوض حربًا لا يراها أحد. كان جاسر يعرفها أكثر من أي شخص آخر. وفي إحدى الليالي، وجدها تقف أمام نافذة غرفتها، تحدق في الظلام الذي يحيط بالقصر. قال بهدوء: "تريل... هناك شيء تخفينه عني." التفتت إليه بسرعة. "لا... ليس هناك شيء." اقترب منها ونظر في عينيها. "منذ متى وأنتِ تكذبين عليّ؟" صمتت طويلًا، ثم اتجهت إلى الخزانة، وأخرجت الكتاب القديم، ووضعته بين يديه. فتح جاسر صفحاته، وما إن وقعت عيناه على الكلمات الجديدة حتى تغيرت ملامحه. "الحب جمع الحارسين... لكنه أيقظ الثمن." رفع رأسه إليها. "ماذا يعني هذا؟" همست بصوت مرتجف: "رأيت النهاية يا جاسر..." "أي نهاية؟" أغمضت عينيها وهي تقول: "رأيت أننا إذا بقينا معًا... سيدفع أحدنا الثمن." ساد الصمت بينهما. ثم أغلق جاسر الكتاب برفق وقال: "وهل قررتِ أن تبتعدي عني وحدك... دون أن تسأليني ماذا أريد؟" انهمرت دموعها. "أنا فقط لا أريد أن أخسرك." اقترب منها وأمسك يديها. "وأنا لا أريد حيا
وصل جاسر وتريل إلى المعبد القديم، وكانت الجدران تحمل نفس الرموز التي ظهرت في القصر.وقف سالم أمام النقش الكبير وقال:"هذا هو المكان الذي بدأ منه كل شيء."اقتربت تريل من الكتابة المنقوشة على الحائط، وبدأت الكلمات تظهر ببطء:"العهد لا يُكسر بالقوة... بل بالاختيار."نظر جاسر إلى أدهم."إذن كل ما حدث كان اختبارًا؟"أجاب أدهم:"كان العهد يخشى أن تتحد أرواح الحارسين، لأنه يعرف أن قوتهما معًا قد تكون عظيمة."سألت تريل:"لكن لماذا كان يريد إبعادنا؟"قال أدهم:"لأن أسهل طريقة للسيطرة على القوة... هي زرع الخوف بين أصحابها."في تلك اللحظة، ظهر الساحر أمامهم."ما زلتم لا تفهمون."ارتفعت الظلال حوله."العهد طلب منكما الفراق، وأنتم تظنون أن التمسك ببعضكما سينقذكم؟"وقف جاسر أمام تريل."لن نسمح لك أن تختار لنا."ابتسم الساحر."إذن ستدفعون الثمن."لكن قبل أن يكمل، بدأ المعبد يهتز.ظهرت كلمات جديدة على الجدران:"الحارسان لا يُختبران بما يفصل بينهما... بل بما يجعلهما أقوى."تغير وجه الساحر."مستحيل..."أدرك الجميع الحقيقة.لم يكن العهد يريد دمارهما...بل كان يريد معرفة إن كانا سيختاران الثقة بدل الخوف.
ساد الصمت داخل الغرفة بعد كلمات أدهم."لكنه لم يأتِ وحده."نظر جاسر نحو الباب."إذن أخبرنا بالحقيقة كاملة قبل أن يصل."تنهد أدهم، ثم اقترب من الكتاب ووضع يده عليه.بدأت الصفحات تتحرك، وظهرت كلمات جديدة:"العهد لا يُفتح إلا بثمن... والثمن هو أثر من يحملونه."نظرت تريل إلى أدهم."ما معنى هذا؟"قال بصوت هادئ:"العهد القديم لم يكن مجرد وعد بين حارسين... كان رابطًا. وعندما يجتمع الحارسان في الوقت الخطأ، تتحول القوة التي تحميهما إلى قوة لا يمكن السيطرة عليها."نظر جاسر إلى تريل."يعني وجودنا معًا هو المشكلة؟"خفض أدهم عينيه."ليس وجودكما فقط... بل اجتماع قوّتكما."اقتربت تريل من الكتاب."وماذا يريد العهد منا؟"ساد الصمت للحظة.ثم قال أدهم:"يريد الاختيار."قطبت حاجبيها."أي اختيار؟"أجاب:"إذا اختار الحارسان السير في الطريق نفسه، يطلب العهد ثمنًا كبيرًا... لأن القوة التي تُولد من اتحادهما قد تفتح بابًا لقوة مظلمة."نظر جاسر إليه بجدية."يعني العهد يريد أن يمنعنا من البقاء معًا."أومأ أدهم."لأنه يخشى ما قد يحدث إذا اجتمعت العلامتان بالكامل."نظرت تريل إلى جاسر.ولأول مرة لم يكن خوفها من الع
ظلت تريل تحدق في كلمات أبيها، وكأنها تحاول أن تجد بين الحروف تفسيرًا لما يحدث حولها.مد جاسر يده وأمسك بالكتاب بهدوء."عمران كان يعرف أن هذا سيحدث."قال سالم بصوت منخفض:"كان يعرف أكثر مما أخبرنا به."قلب جاسر الصفحات بحذر، حتى وصل إلى صفحة كانت مختلفة عن باقي الصفحات.لم تكن تحتوي على حكاية...بل على أسماء.أسماء كثيرة من عائلات قديمة، وبجانب بعضها علامات غريبة.قالت تريل:"ما هذه العلامات؟"اقترب سالم.ثم تغيرت ملامحه."هذه ليست أسماء..."نظر إليه جاسر."إذن ماذا تكون؟"أجاب سالم:"هذه قائمة بمن حملوا العهد عبر السنين."سكت لحظة."وبعضهم لم يكمل الطريق."شعرت تريل بالقلق."ماذا يعني لم يكمل؟"لم يجب سالم.لكن جاسر لاحظ شيئًا في أسفل الصفحة.اسم قديم كان مشطوبًا بعناية.اقترب أكثر.ثم اتسعت عيناه."سالم..."اقترب سالم، وما إن رأى الاسم حتى تجمد.قالت تريل:"من هذا؟"أجاب سالم بصوت متردد:"أول شخص خان العهد."ساد الصمت.ثم سألت تريل:"ولماذا شطبوا اسمه؟"أغلق سالم الكتاب قليلًا."لأن الحقيقة كانت أخطر من أن تُكتب."في تلك اللحظة...تحركت إحدى صفحات الكتاب وحدها.ظهرت كلمات جديدة أمامه
لم يكن الصمت الذي حلّ داخل القصر صمتًا عاديًا...كان كأنه انتظار لشيء قادم.ظل جاسر واقفًا في منتصف المكتب، وعيناه لا تفارقان الكلمات التي ظهرت على الورقة."أحدهما سيحمل النهاية... والآخر سيحمل الخيانة."قال بصوت منخفض:"من يكتب مثل هذه الكلمات؟ ولماذا يريد أن يجعلنا نشك في بعضنا؟"لم يرد سالم فورًا.كان ينظر إلى الورقة وكأنه يرى شيئًا من الماضي يعود أمامه.قالت تريل:"أنت تعرف أكثر مما تقول."رفع سالم عينيه إليها."أعرف ما يكفي لأخاف."اقتربت منه."الخوف لا يحمي أحدًا يا سالم."تنهد."أحيانًا يكون الصمت هو الشيء الوحيد الذي يبقي الناس أحياء."تدخل جاسر بنبرة حاسمة:"انتهى وقت الأسرار."نظر إليه سالم طويلًا، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا قديمًا.وضعه فوق المكتب."هناك مكان في القصر لم يدخله أحد منذ سنوات."نظرت تريل إلى المفتاح."أين؟"أجاب سالم:"الغرفة التي أُغلق بابها يوم اختفى أصحاب العهد الأول."شعر جاسر بثقل في صدره."ولماذا نذهب إليها الآن؟"نظر سالم إلى الظلام خلف النوافذ."لأنها فتحت من تلقاء نفسها."ساد الصمت.ثم جاء صوت خافت من آخر الممر...صوت باب قديم يُفتح ببطء.تبادلت







