ANMELDENسحبت تريل أنفاسها ببطء وهي تستمع إلى الخطوات الغامضة في الأعلى، بينما ظل جاسر محاوطاً إياها بجسده، وكأنه يرفض أن ينهي تلك اللحظة الدافئة التي جمعتهما في العتمة.
تراجع شبراً واحداً، وضغط على زر المصباح اليدوي مجدداً ليخرج شعاع ضئيل أضاء عيني تريل المتعلقتين به.
قال جاسر بنبرة منخفضة وعميقة، وقد عادت ملامحه الصارمة لتغطية ذلك الضعف المؤقت:
"صاحب الخطوات في الأعلى يظن أنه حبسنا هنا لينفرد بالقصر..
إنه يبحث عن الدفتر الأسود الذي ذكرته الأوراق."
ابتسمت تريل برقة، ورفعت رأسها بكبرياء قائلة:
"لقد أخطأ في تقدير ذكائك يا جاسر..
وأخطأ حين ظن أن هذا السرداب بلا مخرج آخر.
خلف هذا المكتب الخشبي، هناك نفق ضيق صممه جدي القديم، يخرج مباشرة إلى الصوبة الزجاجية في حدائق القصر الخلفية."
---
اتسعت عينا جاسر بإعجاب مكتوم.
لم تكن تريل مجرد فتاة رقيقة تعيش في قصر عائلتها، بل كانت تملك مفاتيح المكان بأكمله.
تحرك جاسر بسرعة، ودفع المكتب الخشبي الثقيل ب عضلاته القوية، ليظهر بالفعل شق ضيق في الجدار الصخري يتسع لمرور شخص واحد.
نظر إليها جاسر، ومد يده الكبيرة نحوها وقال بنبرة دافئة لم تعهدها منه:
"امسكي بيدي.. ودعينا نخرج لنصطاد هذا الثعلب معاً."
وضعت تريل كفها الصغيرة في يده، فشعرت ب أمان غريب يسري في عروقها، وكأن يد هذا الرجل الذي جاء ليدمر عائلتها، هي المكان الوحيد الذي ترغب في الاختباء داخله.
تحركا داخل النفق الضيق، وجاسر يتقدمها ب خطوات حذرة، ممسكاً ب يدها بقوة وكأنه يخشى أن تضيع منه في عتمة الممر.
---
بعد دقائق من السير الصامت، دفع جاسر باباً حديدياً صغيراً مغطى بنباتات اللبلاب، لتلفح وجهيهما أمطار الليل الباردة.
كانا قد خرجا بالفعل إلى الصوبة الزجاجية المهجورة في أطراف الحديقة الخلفية.
توقف جاسر والتفت إليها، وكان المطر ينساب على خصلات شعره الأسود ويمر فوق فكه الحاد.
نظر إلى يدها التي ما زال يقبض عليها، وبدلاً من أن يفلتها، شد عليها برفق وقال وعيناه تخترقان ملامحها:
"الآن خرجنا.. وأنتِ حرة يا تريل.
كان بإمكانكِ أن تتركيني محاصراً في الأسفل وتنقذي عائلتكِ..
لماذا ساعدتِني؟"
نظرت تريل في عينيه، وشعرت برغبة عارمة في الاعتراف له بكل ما يخفيه قلبها منذ سنوات، منذ أن كانت تسمع عن ابن عمها الغائب وتتخيل ملامحه..
لكنها كتمت مشاعرها وراء قناع من الغموض، وقالت بصوت دافئ يغلفه المطر:
"لأنني لا أريد إنقاذ عائلة بُنيت على زيف..
ولأنني.. لا أريد لعالمي أن يخلو منك مجدداً بعد أن عدت إليه."
---
تصلبت نظرات جاسر، ومرت لحظة صمت طويلة امتزجت بصوت الرعد، كاد فيها أن يجذبها ل حضنه،
لكن صوت حركة قريبة بين أشجار الحديقة الخلفية قطعت هذا الحبل الخفي من المشاعر الحارقة.
لمح جاسر ظلاً يركض متجهاً نحو الباب الخلفي للمطبخ، وبيده شيء يشبه الدفتر!
انطلق جاسر كـ السهم ينقضّ عبر المطر، ولم يفلت يد تريل بل سحبها معه بخفة لحمايتها، فـ الغموض المحيط بـ القصر يثبت أن الخطر قد يأتي من أي زاوية.
كانت حبات المطر الباردة تضرب وجهيهما، بينما يطاردان ذلك الظل الغامض الذي كان يتحرك بـ خفة مريبة بين أشجار الحديقة الخلفية العتيقة، ممسكاً بـ الدفتر الأسود تحت معطفه.
صاح جاسر بنبرة حادة هزت أركان السكون، وهو يحاول محاصرة الظل قبل أن يبلغ أبواب المطبخ الخلفية:
"قف مكانك! وإلا جعلت رجالي يملؤون جسدك بـ الرصاص!"
لكن الظل لم يتوقف، بل زاد من سرعته، والالتفاف السريع للرجل الهارب خلف شجيرات الورد الضخمة جعل قطعة من القماش المبتل لـ معطفه تقع أرضاً.
انحنت تريل بـ سرعة مذهلة لتلتقطها، لـ تجد أنها قطعة من مخمل فاخر أخضر اللون..
قماش لا يرتديه في هذا القصر سوى شخص واحد!
---
اتسعت عينا تريل، وتوقفت أنفاسها لـ ثوانٍ، ثم التفتت إلى جاسر وصاحت بنبرة امتزجت بـ المطر والذهول:
"جاسر! توقف.. إنه أمجد! أخي هو من كان في السرداب.. وهو من يملك الدفتر الأسود!"
تباطأت خطوات جاسر الثقيلة، واستدار نحوها وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب المكتوم.
اقترب منها حتى تلاقت ملامحهما المبتلة، وأمسك بـ كتفيها برفق ولكن بـ حزم، وقال بصوت جهوري متهدج:
"أخوكِ؟ أمجد الذي كان يدعي الذعر والخوف أمام حراسي في الأعلى؟
إذن عائلتكِ بأكملها تلعب دور الضحية، بينما ينسجون الخيوط من خلف ظهري!"
شعرت تريل بـ قسوة كلماته تذبح قلبها، لكنها نظرت في عينيه بـ ثبات وعمق، واقتربت منه أكثر حتى تلامست ثيابهما المبتلة، وقالت بـ لوعة صادقة بدأت تذيب برودها المعتاد:
"انظر في عينيّ يا جاسر.. أتراني أخدعك؟
لو كنت شريكة لأخي، هل كنت سأمنعك من إطلاق النار عليه؟
هل كنت سأعطيك دليل إدانته؟
أنا أحميك أنت.. أحميك حتى من أفراد دمي!"
---
توقف الزمن بضع ثوانٍ بينهما تحت المطر الغزير.
نظر جاسر إلى عينيها السوداوين اللتين تفيضان بـ الصدق والمشاعر التي لم تعد قادرة على إخفائها.
تلاشت قسوة ملامحه ببطء، وامتدت يده الكبيرة الدافئة لـ تحيط بـ وجنتها المبتلة، لـ يمسح قطرات المطر عن جلدها بـ حنان أربك دقات قلبه هو الآخر.
همس جاسر بـ صوت منخفض وعميق حمل نبرة حائرة:
"لماذا تفعلين هذا يا تريل؟
لماذا تقفين مع الغريب ضد أخيكِ وأبيكِ؟"
انحفض صوت تريل حتى كاد يكون همساً يضيع في هدير الرعد، وقالت وهي تنظر إلى شفتيه بـ شغف مكتوم:
"لأنك لست غريباً.. ولأن الحق معك.
ولأنني.. لا أحتمل أن يصيبك مكروه في هذا البيت."
---
تصلبت نظرات جاسر، وشعر بـ جاذبية طاغية تسحبه نحوها، كاد أن يضمها إلى صدره لـ ينهي كل هذا الشك والبعد،
لكن صرخة ذعر عالية دوت فجأة من داخل القصر، وتحديداً من جناح "عمران الأمير"!
كانت صرخة الأم "سهام" وهي تستغيث بـ أعلى صوتها.
التفت جاسر بـ سرعة وعاد قناع الحسم إلى وجهه، وقال وهو يمسك يد تريل بـ قوة مجدداً:
"اللعبة انتقلت إلى الداخل.. دعينا نرى ما الذي يفعله أخوكِ بـ الدفتر الأسود الآن!"
ابتسم جاسر وهو يمسك يد تريل، وقال وهو ينظر في عينيها: "لو كنتِ هتيجي بالشكل ده... كنت مستعد أستنى العمر كله." احمرّ وجه تريل، وابتسمت له ابتسامة صغيرة، لكنها أخفت خلفها خوفًا لم يفارق قلبها منذ أن قرأت كلمات الدفتر الأسود. تقدم المأذون بخطوات هادئة، ثم جلس أمامهما وقال: "بسم الله... نبدأ." ساد الهدوء في أرجاء الحديقة، وانخفضت أصوات الحضور، ولم يعد يُسمع سوى صوت المأذون وهو يبدأ إجراءات عقد القران. وقف سالم خلف جاسر، يراقب المكان بعينين لا تعرفان الراحة، وكأن قلبه يخبره أن شيئًا ما سيحدث. أما تريل... فشعرت فجأة بحرارة تسري في معصمها. نظرت سريعًا... فوجدت العلامة القديمة بدأت تضيء بضوء خافت. أغلقت يدها عليها بسرعة حتى لا يراها أحد. رفعت رأسها نحو جاسر... فلاحظت أن علامته هو الآخر بدأت تظهر أسفل كم بدلته، لكنها كانت خافتة لدرجة أنه لم ينتبه لها. همست لنفسها: "بدأ..." حاولت أن تتمالك نفسها، وابتسمت حتى لا يلاحظ جاسر شيئًا. قال المأذون: "يا أستاذ جاسر... هل تقبل..." وقبل أن يكمل... صدر صوت محركات سيارات توقفت أمام بوابة القصر. التفت الجميع في اللحظة
مرت الأيام التالية، وكانت تريل تحاول أن تخفي القلق الذي يسكن داخلها. كانت تبتسم أمام الجميع، وتضحك مع جاسر، وكأن كل شيء عاد طبيعيًا... لكن في داخلها كانت تخوض حربًا لا يراها أحد. كان جاسر يعرفها أكثر من أي شخص آخر. وفي إحدى الليالي، وجدها تقف أمام نافذة غرفتها، تحدق في الظلام الذي يحيط بالقصر. قال بهدوء: "تريل... هناك شيء تخفينه عني." التفتت إليه بسرعة. "لا... ليس هناك شيء." اقترب منها ونظر في عينيها. "منذ متى وأنتِ تكذبين عليّ؟" صمتت طويلًا، ثم اتجهت إلى الخزانة، وأخرجت الكتاب القديم، ووضعته بين يديه. فتح جاسر صفحاته، وما إن وقعت عيناه على الكلمات الجديدة حتى تغيرت ملامحه. "الحب جمع الحارسين... لكنه أيقظ الثمن." رفع رأسه إليها. "ماذا يعني هذا؟" همست بصوت مرتجف: "رأيت النهاية يا جاسر..." "أي نهاية؟" أغمضت عينيها وهي تقول: "رأيت أننا إذا بقينا معًا... سيدفع أحدنا الثمن." ساد الصمت بينهما. ثم أغلق جاسر الكتاب برفق وقال: "وهل قررتِ أن تبتعدي عني وحدك... دون أن تسأليني ماذا أريد؟" انهمرت دموعها. "أنا فقط لا أريد أن أخسرك." اقترب منها وأمسك يديها. "وأنا لا أريد حيا
وصل جاسر وتريل إلى المعبد القديم، وكانت الجدران تحمل نفس الرموز التي ظهرت في القصر.وقف سالم أمام النقش الكبير وقال:"هذا هو المكان الذي بدأ منه كل شيء."اقتربت تريل من الكتابة المنقوشة على الحائط، وبدأت الكلمات تظهر ببطء:"العهد لا يُكسر بالقوة... بل بالاختيار."نظر جاسر إلى أدهم."إذن كل ما حدث كان اختبارًا؟"أجاب أدهم:"كان العهد يخشى أن تتحد أرواح الحارسين، لأنه يعرف أن قوتهما معًا قد تكون عظيمة."سألت تريل:"لكن لماذا كان يريد إبعادنا؟"قال أدهم:"لأن أسهل طريقة للسيطرة على القوة... هي زرع الخوف بين أصحابها."في تلك اللحظة، ظهر الساحر أمامهم."ما زلتم لا تفهمون."ارتفعت الظلال حوله."العهد طلب منكما الفراق، وأنتم تظنون أن التمسك ببعضكما سينقذكم؟"وقف جاسر أمام تريل."لن نسمح لك أن تختار لنا."ابتسم الساحر."إذن ستدفعون الثمن."لكن قبل أن يكمل، بدأ المعبد يهتز.ظهرت كلمات جديدة على الجدران:"الحارسان لا يُختبران بما يفصل بينهما... بل بما يجعلهما أقوى."تغير وجه الساحر."مستحيل..."أدرك الجميع الحقيقة.لم يكن العهد يريد دمارهما...بل كان يريد معرفة إن كانا سيختاران الثقة بدل الخوف.
ساد الصمت داخل الغرفة بعد كلمات أدهم."لكنه لم يأتِ وحده."نظر جاسر نحو الباب."إذن أخبرنا بالحقيقة كاملة قبل أن يصل."تنهد أدهم، ثم اقترب من الكتاب ووضع يده عليه.بدأت الصفحات تتحرك، وظهرت كلمات جديدة:"العهد لا يُفتح إلا بثمن... والثمن هو أثر من يحملونه."نظرت تريل إلى أدهم."ما معنى هذا؟"قال بصوت هادئ:"العهد القديم لم يكن مجرد وعد بين حارسين... كان رابطًا. وعندما يجتمع الحارسان في الوقت الخطأ، تتحول القوة التي تحميهما إلى قوة لا يمكن السيطرة عليها."نظر جاسر إلى تريل."يعني وجودنا معًا هو المشكلة؟"خفض أدهم عينيه."ليس وجودكما فقط... بل اجتماع قوّتكما."اقتربت تريل من الكتاب."وماذا يريد العهد منا؟"ساد الصمت للحظة.ثم قال أدهم:"يريد الاختيار."قطبت حاجبيها."أي اختيار؟"أجاب:"إذا اختار الحارسان السير في الطريق نفسه، يطلب العهد ثمنًا كبيرًا... لأن القوة التي تُولد من اتحادهما قد تفتح بابًا لقوة مظلمة."نظر جاسر إليه بجدية."يعني العهد يريد أن يمنعنا من البقاء معًا."أومأ أدهم."لأنه يخشى ما قد يحدث إذا اجتمعت العلامتان بالكامل."نظرت تريل إلى جاسر.ولأول مرة لم يكن خوفها من الع
ظلت تريل تحدق في كلمات أبيها، وكأنها تحاول أن تجد بين الحروف تفسيرًا لما يحدث حولها.مد جاسر يده وأمسك بالكتاب بهدوء."عمران كان يعرف أن هذا سيحدث."قال سالم بصوت منخفض:"كان يعرف أكثر مما أخبرنا به."قلب جاسر الصفحات بحذر، حتى وصل إلى صفحة كانت مختلفة عن باقي الصفحات.لم تكن تحتوي على حكاية...بل على أسماء.أسماء كثيرة من عائلات قديمة، وبجانب بعضها علامات غريبة.قالت تريل:"ما هذه العلامات؟"اقترب سالم.ثم تغيرت ملامحه."هذه ليست أسماء..."نظر إليه جاسر."إذن ماذا تكون؟"أجاب سالم:"هذه قائمة بمن حملوا العهد عبر السنين."سكت لحظة."وبعضهم لم يكمل الطريق."شعرت تريل بالقلق."ماذا يعني لم يكمل؟"لم يجب سالم.لكن جاسر لاحظ شيئًا في أسفل الصفحة.اسم قديم كان مشطوبًا بعناية.اقترب أكثر.ثم اتسعت عيناه."سالم..."اقترب سالم، وما إن رأى الاسم حتى تجمد.قالت تريل:"من هذا؟"أجاب سالم بصوت متردد:"أول شخص خان العهد."ساد الصمت.ثم سألت تريل:"ولماذا شطبوا اسمه؟"أغلق سالم الكتاب قليلًا."لأن الحقيقة كانت أخطر من أن تُكتب."في تلك اللحظة...تحركت إحدى صفحات الكتاب وحدها.ظهرت كلمات جديدة أمامه
لم يكن الصمت الذي حلّ داخل القصر صمتًا عاديًا...كان كأنه انتظار لشيء قادم.ظل جاسر واقفًا في منتصف المكتب، وعيناه لا تفارقان الكلمات التي ظهرت على الورقة."أحدهما سيحمل النهاية... والآخر سيحمل الخيانة."قال بصوت منخفض:"من يكتب مثل هذه الكلمات؟ ولماذا يريد أن يجعلنا نشك في بعضنا؟"لم يرد سالم فورًا.كان ينظر إلى الورقة وكأنه يرى شيئًا من الماضي يعود أمامه.قالت تريل:"أنت تعرف أكثر مما تقول."رفع سالم عينيه إليها."أعرف ما يكفي لأخاف."اقتربت منه."الخوف لا يحمي أحدًا يا سالم."تنهد."أحيانًا يكون الصمت هو الشيء الوحيد الذي يبقي الناس أحياء."تدخل جاسر بنبرة حاسمة:"انتهى وقت الأسرار."نظر إليه سالم طويلًا، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا قديمًا.وضعه فوق المكتب."هناك مكان في القصر لم يدخله أحد منذ سنوات."نظرت تريل إلى المفتاح."أين؟"أجاب سالم:"الغرفة التي أُغلق بابها يوم اختفى أصحاب العهد الأول."شعر جاسر بثقل في صدره."ولماذا نذهب إليها الآن؟"نظر سالم إلى الظلام خلف النوافذ."لأنها فتحت من تلقاء نفسها."ساد الصمت.ثم جاء صوت خافت من آخر الممر...صوت باب قديم يُفتح ببطء.تبادلت







