LOGINتجمد جاسر في مكانه.
لم تكن همسة سالم بالكلمات التي يمكن تجاهلها.
استدار إليه ببطء، وعيناه تضيقان في شك واضح.
"ماذا قلت؟"
ارتبك سالم للحظة، ثم أنزل بصره إلى ساعة الجيب الفضية.
"لم أقل شيئًا يا سيدي."
اقترب جاسر منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة واحدة.
"سمعتك بوضوح... قلت: عاد الوعد من جديد."
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
حتى أصوات إطلاق النار في الخارج خفتت، وكأن القصر نفسه ينتظر إجابة سالم.
تنهد الرجل العجوز طويلًا، ثم جلس على المقعد القريب، وأراح يديه المرتجفتين فوق عصاه الخشبية.
بدت على وجهه ملامح رجل يحمل سرًا أثقل من عمره.
تقدمت تريل ببطء، وجلست أمامه.
"أرجوك يا عم سالم... لم يعد هناك داعٍ لإخفاء شيء. اختفى أبي، وهناك من يلاحقنا داخل القصر... أخبرنا الحقيقة."
رفع سالم رأسه إليها، وامتلأت عيناه بالحزن.
"كنت أتمنى أن يرحل هذا السر معي إلى القبر."
سأله جاسر بنبرة ثابتة:
"أي سر؟"
أخذ سالم نفسًا عميقًا، ثم قال:
"قبل ثلاثين عامًا... لم تكن عائلة آل الأمير كما تعرفونها اليوم. كانت العائلة على وشك الإفلاس، والخلافات تحيط بها من كل جانب، حتى جاء رجل لم يعرف أحد اسمه الحقيقي."
تبادل جاسر وتريل نظرة سريعة.
واصل سالم حديثه:
"لم يكن يطلب مالًا... ولم يكن يبحث عن نفوذ. جاء بعرض واحد فقط."
همست تريل:
"أي عرض؟"
أجاب سالم بصوت منخفض:
"عهد."
انعقد حاجبا جاسر.
"أي عهد؟"
أغمض سالم عينيه للحظة، ثم قال:
"عهد يُكتب بالدم... ولا يستطيع أحد نقضه مهما مر الزمن."
شعرت تريل بقشعريرة تسري في جسدها.
أما جاسر، فظل صامتًا ينتظر بقية الحقيقة.
تابع سالم:
"وافق عمران، ومعه أربعة رجال آخرون، على ذلك العهد. لكن الرجل الغريب حذرهم قبل أن يغادر."
توقف لحظة، ثم قال ببطء:
"قال لهم: عندما يحين الموعد... سأعود لأطالب بالثمن."
ساد الصمت.
همست تريل، بالكاد خرج صوتها:
"من... كان ذلك الرجل؟"
رفع سالم عينيه إليها.
ولأول مرة، بدا الخوف واضحًا في ملامحه.
"لم يكن أحد يعرف اسمه... لكن الجميع كانوا ينادونه بلقب واحد..."
صمت لثوانٍ، ثم قال:
"الساحر."
وفي اللحظة نفسها...
دوّى صوت ارتطام عنيف في الطابق السفلي، اهتزت معه جدران القصر.
نظر جاسر نحو الباب بسرعة، ثم قبض على سلاحه.
لكن قبل أن يتحرك...
وصلهم صوت خطوات بطيئة، منتظمة، تصعد درجات السلم المؤدي إلى الطابق العلوي.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم ثالثة...
وكأن شخصًا ما يصعد إليهم، دون أي خوف، وهو يعلم أنهم جميعًا في انتظاره.
توقفت الخطوات أمام باب المكتبة.
ساد صمت مطبق.
لم يجرؤ أحد على التنفس.
رفع جاسر سلاحه، وأشار إلى الحارسين بالابتعاد عن الباب.
أما تريل، فكانت تقف خلفه مباشرة، وعيناها معلقتان بالمقبض النحاسي الذي بدأ يتحرك ببطء...
دون أن يلمسه أحد.
انفتح الباب ببطء شديد.
لكن...
لم يكن هناك أحد.
تبادل الجميع نظرات مرتبكة.
خرج جاسر أولًا إلى الممر، وسلط ضوء المصباح في الاتجاهين.
كان الرواق خاليًا تمامًا.
لا أثر لأي شخص.
ولا حتى لصوت الخطوات التي سمعوها قبل لحظات.
قال أحد الحراس وهو يبتلع ريقه:
"أقسم أنني سمعتها يا سيدي..."
لم يرد جاسر.
كان يشعر أن هناك من يراقبه من مكان قريب.
عاد ببصره إلى أرضية الممر.
وفجأة...
لاحظ آثار أقدام مبللة تمتد فوق الرخام.
لم تكن آثار دخول...
بل آثار خروج.
تتبعها بعينيه.
كانت تقود إلى نهاية الرواق، حيث تقف مرآة قديمة ضخمة، ورثتها العائلة منذ عشرات السنين.
اقترب منها بحذر.
كانت المرآة تعكس وجوههم جميعًا...
إلا انعكاس شخص واحد.
تجمدت تريل.
"جاسر..."
نظر إليها.
أشارت بيد مرتجفة إلى المرآة.
"انظر..."
اقترب أكثر.
في انعكاس المرآة ظهر هو...
وظهرت تريل...
وظهر الحارسان...
لكن سالم...
لم يكن له أي انعكاس.
التفت الجميع إليه في اللحظة نفسها.
تراجع سالم خطوة إلى الخلف، وقد شحب وجهه.
هز رأسه بسرعة.
"لا... لا تنظروا إلي هكذا."
وقبل أن ينطق بكلمة أخرى...
صدر صوت تحطم المرآة فجأة، وتناثرت شظاياها في أنحاء الممر.
ارتفعت سحابة من الغبار، وانطفأت الأنوار مرة أخرى.
وعندما عادت الإضاءة بعد ثوانٍ...
كان سالم قد اختفى.
ولم يبقَ في مكانه...
إلا عصاه الخشبية، وعلى مقبضها ورقة صغيرة مطوية.
التقطها جاسر بحذر.
فتحها.
لم تكن تحمل سوى عبارة واحدة:
"ابحثوا عن الشجرة التي لا تموت... فهناك تبدأ الحكاية."
رفع جاسر عينيه نحو تريل.
همس بصوت خافت:
"يبدو أن والدك لم يترك لنا مفاتيح السر فقط..."
"بل ترك طريقًا كاملًا يجب أن نسير فيه."
وفي خارج القصر...
كانت عينان تراقبان النافذة من بين الأشجار، قبل أن يختفي صاحبهما داخل الظلام، وكأن الليل نفسه ابتلعه.
ابتسم جاسر وهو يمسك يد تريل، وقال وهو ينظر في عينيها: "لو كنتِ هتيجي بالشكل ده... كنت مستعد أستنى العمر كله." احمرّ وجه تريل، وابتسمت له ابتسامة صغيرة، لكنها أخفت خلفها خوفًا لم يفارق قلبها منذ أن قرأت كلمات الدفتر الأسود. تقدم المأذون بخطوات هادئة، ثم جلس أمامهما وقال: "بسم الله... نبدأ." ساد الهدوء في أرجاء الحديقة، وانخفضت أصوات الحضور، ولم يعد يُسمع سوى صوت المأذون وهو يبدأ إجراءات عقد القران. وقف سالم خلف جاسر، يراقب المكان بعينين لا تعرفان الراحة، وكأن قلبه يخبره أن شيئًا ما سيحدث. أما تريل... فشعرت فجأة بحرارة تسري في معصمها. نظرت سريعًا... فوجدت العلامة القديمة بدأت تضيء بضوء خافت. أغلقت يدها عليها بسرعة حتى لا يراها أحد. رفعت رأسها نحو جاسر... فلاحظت أن علامته هو الآخر بدأت تظهر أسفل كم بدلته، لكنها كانت خافتة لدرجة أنه لم ينتبه لها. همست لنفسها: "بدأ..." حاولت أن تتمالك نفسها، وابتسمت حتى لا يلاحظ جاسر شيئًا. قال المأذون: "يا أستاذ جاسر... هل تقبل..." وقبل أن يكمل... صدر صوت محركات سيارات توقفت أمام بوابة القصر. التفت الجميع في اللحظة
مرت الأيام التالية، وكانت تريل تحاول أن تخفي القلق الذي يسكن داخلها. كانت تبتسم أمام الجميع، وتضحك مع جاسر، وكأن كل شيء عاد طبيعيًا... لكن في داخلها كانت تخوض حربًا لا يراها أحد. كان جاسر يعرفها أكثر من أي شخص آخر. وفي إحدى الليالي، وجدها تقف أمام نافذة غرفتها، تحدق في الظلام الذي يحيط بالقصر. قال بهدوء: "تريل... هناك شيء تخفينه عني." التفتت إليه بسرعة. "لا... ليس هناك شيء." اقترب منها ونظر في عينيها. "منذ متى وأنتِ تكذبين عليّ؟" صمتت طويلًا، ثم اتجهت إلى الخزانة، وأخرجت الكتاب القديم، ووضعته بين يديه. فتح جاسر صفحاته، وما إن وقعت عيناه على الكلمات الجديدة حتى تغيرت ملامحه. "الحب جمع الحارسين... لكنه أيقظ الثمن." رفع رأسه إليها. "ماذا يعني هذا؟" همست بصوت مرتجف: "رأيت النهاية يا جاسر..." "أي نهاية؟" أغمضت عينيها وهي تقول: "رأيت أننا إذا بقينا معًا... سيدفع أحدنا الثمن." ساد الصمت بينهما. ثم أغلق جاسر الكتاب برفق وقال: "وهل قررتِ أن تبتعدي عني وحدك... دون أن تسأليني ماذا أريد؟" انهمرت دموعها. "أنا فقط لا أريد أن أخسرك." اقترب منها وأمسك يديها. "وأنا لا أريد حيا
وصل جاسر وتريل إلى المعبد القديم، وكانت الجدران تحمل نفس الرموز التي ظهرت في القصر.وقف سالم أمام النقش الكبير وقال:"هذا هو المكان الذي بدأ منه كل شيء."اقتربت تريل من الكتابة المنقوشة على الحائط، وبدأت الكلمات تظهر ببطء:"العهد لا يُكسر بالقوة... بل بالاختيار."نظر جاسر إلى أدهم."إذن كل ما حدث كان اختبارًا؟"أجاب أدهم:"كان العهد يخشى أن تتحد أرواح الحارسين، لأنه يعرف أن قوتهما معًا قد تكون عظيمة."سألت تريل:"لكن لماذا كان يريد إبعادنا؟"قال أدهم:"لأن أسهل طريقة للسيطرة على القوة... هي زرع الخوف بين أصحابها."في تلك اللحظة، ظهر الساحر أمامهم."ما زلتم لا تفهمون."ارتفعت الظلال حوله."العهد طلب منكما الفراق، وأنتم تظنون أن التمسك ببعضكما سينقذكم؟"وقف جاسر أمام تريل."لن نسمح لك أن تختار لنا."ابتسم الساحر."إذن ستدفعون الثمن."لكن قبل أن يكمل، بدأ المعبد يهتز.ظهرت كلمات جديدة على الجدران:"الحارسان لا يُختبران بما يفصل بينهما... بل بما يجعلهما أقوى."تغير وجه الساحر."مستحيل..."أدرك الجميع الحقيقة.لم يكن العهد يريد دمارهما...بل كان يريد معرفة إن كانا سيختاران الثقة بدل الخوف.
ساد الصمت داخل الغرفة بعد كلمات أدهم."لكنه لم يأتِ وحده."نظر جاسر نحو الباب."إذن أخبرنا بالحقيقة كاملة قبل أن يصل."تنهد أدهم، ثم اقترب من الكتاب ووضع يده عليه.بدأت الصفحات تتحرك، وظهرت كلمات جديدة:"العهد لا يُفتح إلا بثمن... والثمن هو أثر من يحملونه."نظرت تريل إلى أدهم."ما معنى هذا؟"قال بصوت هادئ:"العهد القديم لم يكن مجرد وعد بين حارسين... كان رابطًا. وعندما يجتمع الحارسان في الوقت الخطأ، تتحول القوة التي تحميهما إلى قوة لا يمكن السيطرة عليها."نظر جاسر إلى تريل."يعني وجودنا معًا هو المشكلة؟"خفض أدهم عينيه."ليس وجودكما فقط... بل اجتماع قوّتكما."اقتربت تريل من الكتاب."وماذا يريد العهد منا؟"ساد الصمت للحظة.ثم قال أدهم:"يريد الاختيار."قطبت حاجبيها."أي اختيار؟"أجاب:"إذا اختار الحارسان السير في الطريق نفسه، يطلب العهد ثمنًا كبيرًا... لأن القوة التي تُولد من اتحادهما قد تفتح بابًا لقوة مظلمة."نظر جاسر إليه بجدية."يعني العهد يريد أن يمنعنا من البقاء معًا."أومأ أدهم."لأنه يخشى ما قد يحدث إذا اجتمعت العلامتان بالكامل."نظرت تريل إلى جاسر.ولأول مرة لم يكن خوفها من الع
ظلت تريل تحدق في كلمات أبيها، وكأنها تحاول أن تجد بين الحروف تفسيرًا لما يحدث حولها.مد جاسر يده وأمسك بالكتاب بهدوء."عمران كان يعرف أن هذا سيحدث."قال سالم بصوت منخفض:"كان يعرف أكثر مما أخبرنا به."قلب جاسر الصفحات بحذر، حتى وصل إلى صفحة كانت مختلفة عن باقي الصفحات.لم تكن تحتوي على حكاية...بل على أسماء.أسماء كثيرة من عائلات قديمة، وبجانب بعضها علامات غريبة.قالت تريل:"ما هذه العلامات؟"اقترب سالم.ثم تغيرت ملامحه."هذه ليست أسماء..."نظر إليه جاسر."إذن ماذا تكون؟"أجاب سالم:"هذه قائمة بمن حملوا العهد عبر السنين."سكت لحظة."وبعضهم لم يكمل الطريق."شعرت تريل بالقلق."ماذا يعني لم يكمل؟"لم يجب سالم.لكن جاسر لاحظ شيئًا في أسفل الصفحة.اسم قديم كان مشطوبًا بعناية.اقترب أكثر.ثم اتسعت عيناه."سالم..."اقترب سالم، وما إن رأى الاسم حتى تجمد.قالت تريل:"من هذا؟"أجاب سالم بصوت متردد:"أول شخص خان العهد."ساد الصمت.ثم سألت تريل:"ولماذا شطبوا اسمه؟"أغلق سالم الكتاب قليلًا."لأن الحقيقة كانت أخطر من أن تُكتب."في تلك اللحظة...تحركت إحدى صفحات الكتاب وحدها.ظهرت كلمات جديدة أمامه
لم يكن الصمت الذي حلّ داخل القصر صمتًا عاديًا...كان كأنه انتظار لشيء قادم.ظل جاسر واقفًا في منتصف المكتب، وعيناه لا تفارقان الكلمات التي ظهرت على الورقة."أحدهما سيحمل النهاية... والآخر سيحمل الخيانة."قال بصوت منخفض:"من يكتب مثل هذه الكلمات؟ ولماذا يريد أن يجعلنا نشك في بعضنا؟"لم يرد سالم فورًا.كان ينظر إلى الورقة وكأنه يرى شيئًا من الماضي يعود أمامه.قالت تريل:"أنت تعرف أكثر مما تقول."رفع سالم عينيه إليها."أعرف ما يكفي لأخاف."اقتربت منه."الخوف لا يحمي أحدًا يا سالم."تنهد."أحيانًا يكون الصمت هو الشيء الوحيد الذي يبقي الناس أحياء."تدخل جاسر بنبرة حاسمة:"انتهى وقت الأسرار."نظر إليه سالم طويلًا، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا قديمًا.وضعه فوق المكتب."هناك مكان في القصر لم يدخله أحد منذ سنوات."نظرت تريل إلى المفتاح."أين؟"أجاب سالم:"الغرفة التي أُغلق بابها يوم اختفى أصحاب العهد الأول."شعر جاسر بثقل في صدره."ولماذا نذهب إليها الآن؟"نظر سالم إلى الظلام خلف النوافذ."لأنها فتحت من تلقاء نفسها."ساد الصمت.ثم جاء صوت خافت من آخر الممر...صوت باب قديم يُفتح ببطء.تبادلت