Share

الفصل 32

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-08-02 07:58:21

أغلقت نرمين الهاتف ببطء.

بقيت جالسة في غرفة الجلوس، وعيناها معلقتان بالشاشة السوداء بين يديها.

كانت كلمات الرجل المجهول تتردد في رأسها.

"ابحثي أسفل المقعد الخلفي الأيمن."

رفعت رأسها نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي.

كان المنزل هادئًا.

بعد قليل، نزل ماهر من مكتبه.

اقترب منها وهو يبتسم.

"أراكِ شاردة منذ عدتِ."

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

"يبدو أن العمل أرهقني اليوم."

جلس بجانبها للحظات.

"إذن نامي مبكرًا، وغدًا سيكون يومًا أفضل."

أومأت برأسها.

"إن شاء الله."

---

مر الوقت بهدوء.

استعدا للنوم كعادتهما.

استلقى ماهر على السرير، وما هي إلا دقائق حتى غلبه النعاس.

أما نرمين...

فبقيت مستلقية، وعيناها مفتوحتان في الظلام.

كانت تنظر إلى عقارب الساعة تتحرك ببطء.

مرت نصف ساعة...

ثم ساعة كاملة.

التفتت نحوه.

كان نائمًا بعمق.

جلست بهدوء على طرف السرير.

انتظرت لحظة أخرى لتتأكد.

ثم نهضت ببطء شديد حتى لا يصدر أي صوت.

ارتدت معطفًا خفيفًا، وأخذت مفاتيح السيارة من فوق الطاولة.

فتحت باب الغرفة برفق، ثم خرجت.

---

كان الليل ساكنًا.

والحديقة يغمرها ضوء خافت صادر من مصابيح الممر.

وقفت أمام سيارة ماهر.

شعرت بتردد للحظة.

ثم همست لنفسها:

"إذا كان ذلك الرجل يكذب... فسأنهي هذا الأمر الليلة."

فتحت الباب الخلفي.

انحنت نحو المقعد الأيمن.

مدت يدها أسفله.

في البداية لم تجد شيئًا.

حركت يدها أكثر...

حتى لامست شيئًا صلبًا.

توقفت أنفاسها.

سحبته ببطء.

كان هاتفًا.

حدقت فيه لثوانٍ.

هو نفسه...

الهاتف الذي رأته يضيء من جيب ماهر.

شعرت بأن قلبها يخفق بقوة.

ضغطت زر التشغيل.

أضاءت الشاشة بعد لحظات.

ثم ظهرت عبارة قصيرة.

"أدخل كلمة المرور."

بقيت تنظر إليها.

مر في ذهنها أن تجرب تاريخ ميلاده.

أو تاريخ زواجهما.

لكنها تراجعت.

إذا أخطأت أكثر من مرة...

ربما يُقفل الهاتف أو يلفت انتباه ماهر.

أغلقت الشاشة بهدوء.

وظلت تمسك الهاتف بين يديها للحظات.

لم تكن تعرف ماذا تشعر.

ارتياح؟

خوف؟

أم صدمة؟

أعادت الهاتف إلى المكان نفسه تحت المقعد.

حرصت أن تضعه بالطريقة نفسها التي وجدته بها.

ثم أغلقت باب السيارة برفق.

---

عادت إلى غرفتها بخطوات بطيئة.

كان ماهر لا يزال نائمًا.

جلست على طرف السرير، وأخذت تنظر إليه.

كانت تعرف أنها تستطيع أن توقظه الآن.

أن تسأله ببساطة:

"لماذا تخفي هاتفًا في سيارتك؟"

لكنها لم تستطع.

إذا كان للهاتف تفسير طبيعي...

فسيعرف أنها فتشت سيارته.

وسيجرحه أنها شكّت فيه.

أما إذا لم يكن الأمر طبيعيًا...

فإنه لن يخبرها بالحقيقة مهما سألته.

أغمضت عينيها وهي تزفر ببطء.

ثم همست لنفسها:

"لن أواجهه الآن..."

"لن أفعل حتى أجد دليلًا لا يقبل أي تفسير."

استلقت إلى جواره.

لكن النوم...

لم يزر عينيها حتى اقترب الفجر.

استيقظت نرمين بعد ليلة لم تنم فيها إلا قليلًا.

كانت كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة الهاتف المخبأ أسفل المقعد الخلفي في سيارة ماهر.

أنهت استعدادها للعمل، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.

كان ماهر يجلس إلى المائدة يحتسي قهوته ويطالع بعض الأوراق.

رفع رأسه عندما رآها.

"صباح الخير."

ابتسمت ابتسامة هادئة.

"صباح النور."

جلست أمامه، وتبادلا حديثًا قصيرًا عن العمل وخطط اليوم.

كانت تنظر إليه بين الحين والآخر.

يحمل هاتفه المعتاد ككل يوم...

أما الهاتف الآخر، فلم يظهر.

وقبل أن يغادر، اقترب منها وقبّل رأسها.

"لا تجهدي نفسك كثيرًا."

ابتسمت.

"وأنت أيضًا."

غادر المنزل، وبقيت نرمين تحدق في الباب بعد خروجه.

ثم تنهدت.

كانت تشعر أن المسافة بينها وبين الحقيقة أصبحت أقصر من أي وقت مضى... لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر خوفًا من الوصول إليها.

---

مر النهار بطيئًا.

حاولت الانشغال بالعمل، لكن أفكارها كانت تسبقها.

كانت تتساءل باستمرار:

من يكون ذلك الرجل؟

كيف عرف مكان الهاتف؟

وكيف عرف أنها ستذهب للبحث عنه؟

هل كان يراقبها؟

أم أن هناك شخصًا آخر ينقل إليه كل تحركاتها؟

كلما حاولت إيجاد تفسير، وجدت أسئلة جديدة.

---

مع اقتراب نهاية الدوام، رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة.

رقم مجهول.

شعرت بانقباض في صدرها.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أجابت.

"ألو."

جاءها الصوت نفسه.

هادئًا...

وواثقًا.

"يبدو أنك وجدتِ الهاتف."

لم تنطق بكلمة.

ابتسم الرجل وكأنه سمع صمتها.

"لا تقلقي... لم أتصل لأطلب منك شيئًا جديدًا."

تماسكت وقالت:

"من أنت؟"

تجاهل السؤال.

وقال بهدوء:

"أظن أنك حاولتِ تشغيل الهاتف."

اتسعت عيناها.

"كيف تعرف؟"

ضحك ضحكة خفيفة.

"قلت لك سابقًا... أعرف أكثر مما تتصورين."

ساد الصمت للحظات.

ثم قال:

"إذا كنتِ تريدين كلمة المرور... فهي عندي."

شعرت بأنفاسها تتسارع.

"وما المقابل؟"

قال دون تردد:

"شرطان."

قبضت على الهاتف بقوة.

"ما هما؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 32

    أغلقت نرمين الهاتف ببطء. بقيت جالسة في غرفة الجلوس، وعيناها معلقتان بالشاشة السوداء بين يديها. كانت كلمات الرجل المجهول تتردد في رأسها. "ابحثي أسفل المقعد الخلفي الأيمن." رفعت رأسها نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي. كان المنزل هادئًا. بعد قليل، نزل ماهر من مكتبه. اقترب منها وهو يبتسم. "أراكِ شاردة منذ عدتِ." ابتسمت ابتسامة خفيفة. "يبدو أن العمل أرهقني اليوم." جلس بجانبها للحظات. "إذن نامي مبكرًا، وغدًا سيكون يومًا أفضل." أومأت برأسها. "إن شاء الله." --- مر الوقت بهدوء. استعدا للنوم كعادتهما. استلقى ماهر على السرير، وما هي إلا دقائق حتى غلبه النعاس. أما نرمين... فبقيت مستلقية، وعيناها مفتوحتان في الظلام. كانت تنظر إلى عقارب الساعة تتحرك ببطء. مرت نصف ساعة... ثم ساعة كاملة. التفتت نحوه. كان نائمًا بعمق. جلست بهدوء على طرف السرير. انتظرت لحظة أخرى لتتأكد. ثم نهضت ببطء شديد حتى لا يصدر أي صوت. ارتدت معطفًا خفيفًا، وأخذت مفاتيح السيارة من فوق الطاولة. فتحت باب الغرفة برفق، ثم خرجت. --- كان الليل ساكنًا. والحديقة يغمرها ضوء خافت صادر من مصابيح الممر. وقف

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 31

    لم تغادر كلمات الرجل المجهول ذهن نرمين طوال ذلك اليوم.كلما عادت بذاكرتها إلى المكالمة، ازداد شعورها بأن الأمر لم يعد مجرد رسائل غامضة.كان يعرف ما يحدث معها...ويعرف إلى أين وصلت في بحثها.استندت إلى كرسيها وأغمضت عينيها.قالت في نفسها:"كيف عرف أنني بدأت أشك؟"تذكرت عبارته بوضوح:"أعتقد أنك بدأتِ تفتحين عينيكِ."لم تكن جملة يمكن أن يقولها شخص يخمن.بل شخص يعرف.شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.هل كان يراقبها؟هل رآها وهي تذهب إلى شركة التوصيل؟أم عندما زارت شركة ماهر؟أم أنه يعرف تفاصيل أكثر مما تتخيل؟فتحت هاتفها، وعادت إلى سجل المكالمات.لم تجد رقمًا.كان مكتوبًا فقط:"رقم مجهول."ضغطت عليه أكثر من مرة، علها تجد أي معلومة.لكن لم يظهر شيء.وضعت الهاتف على المكتب وهي تزفر ببطء.حتى لو أرادت الاتصال به...فلن تستطيع.هو وحده من يختار متى يتحدث معها.وهو وحده من يقرر متى يختفي.ذلك الشعور أفقدها شيئًا من الطمأنينة.لأول مرة، شعرت أنها ليست من تقود الأحداث...بل هناك شخص آخر يقودها خطوة بعد خطوة.---عادت إلى عملها، لكنها لم تنجز إلا القليل.كانت ترفع رأسها بين الحين والآخر نحو باب المكتب

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 30

    ــ لم تنم نرمين تلك الليلة إلا لساعات قليلة. ــ كلما أغلقت عينيها، عادت إليها صورة الهاتف الذي أضاء من جيب ماهر. ــ كانت تستدير في فراشها، ثم تحاول إقناع نفسها بأن الأمر أبسط مما تتخيل. "ربما هو هاتف للعمل." كانت تكررها في داخلها أكثر من مرة. ــ لكن السؤال الذي لم تجد له جوابًا ظل يطاردها. ــ إذا كان مجرد هاتف للعمل... ــ فلماذا لم يخبرها بوجوده؟ ــ ــ ــ مع أول خيوط الصباح، فتحت عينيها. التفتت نحو ماهر. كان لا يزال نائمًا، وملامحه هادئة كما اعتادت أن تراها كل صباح. ظلت تنظر إليه طويلًا. ثم ابتسمت بحزن. "هل يمكن أن أكون قد ظلمتك؟" لم يجبها سوى الصمت. تنهدت وهي تنهض من السرير بهدوء حتى لا توقظه. ــ ــ ــ بعد دقائق، استيقظ ماهر. وجدها تجهز القهوة في المطبخ. اقترب منها مبتسمًا. "استيقظتِ مبكرًا اليوم." ناولته فنجانًا. "لم أستطع النوم جيدًا." نظر إليها باهتمام. "هل أنتِ متعبة؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة. "مجرد إرهاق." لم يزدها بأسئلة أخرى. بل ابتسم وربت على يدها برفق. "لا ترهقي نفسك كثيرًا في العمل." هزت رأسها موافقة. جلسا يتناولان الفطور وسط حديث هادئ عن الع

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 29

    لم تستطع نرمين أن تتخلص من تلك الفكرة. كلما حاولت إقناع نفسها بأن الهاتف الذي رأته مع ماهر لا علاقة له بالرقم الموجود في الرسالة، عاد المشهد إلى ذهنها من جديد. كانت تقول لنفسها: "ربما كان هاتفًا خاصًا بالعمل." ثم تبتسم ساخرة من أفكارها. "بل بالتأكيد هو كذلك." فوجود هاتفين مع رجل يدير شركة كبيرة لم يكن أمرًا يدعو إلى الاستغراب. لكنها، رغم ذلك، لم تستطع أن تنسى رسالة شركة الاتصالات. --- انتهى دوامها مع غروب الشمس. أغلقت مكتبها، ثم عادت إلى الفيلا. ما إن دخلت حتى سمعت صوت ماهر يتحدث في مكتبه. ألقت نظرة من الباب المفتوح. كان يراجع بعض الملفات أمام حاسوبه، ويتحدث مع أحد مديري الأقسام عبر مكالمة قصيرة. ما إن انتهى حتى ابتسم عندما رآها. "عدتِ أخيرًا." ابتسمت وهي تقترب منه. "وأنت أيضًا لم تترك العمل حتى داخل المنزل." ضحك وهو يغلق الحاسوب. "يبدو أن الملفات أصبحت تلاحقني." اقتربت منه وجلست على الأريكة المقابلة. تحدثا قليلًا عن يومهما، ثم نهض وهو يتمطى. "سأصعد لأستحم، ثم نتناول العشاء." أومأت برأسها. "حسنًا." خرج من المكتب، وترك هاتفه على سطح المكتب قبل أن يصعد إلى الطا

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 28

    انتهى دوام العمل مع اقتراب المساء، لكن عقل نرمين ظل عالقًا بذلك الرقم المكتوب في الرسالة.أغلقت آخر ملف على مكتبها، ثم وضعت الرسالة داخل حقيبتها وغادرت الشركة.في طريق عودتها، توقفت عند أحد متاجر الاتصالات.اشترت شريحة هاتف جديدة، ثم جلست داخل سيارتها.أخرجت هاتفها القديم، وركبت الشريحة الجديدة، قبل أن تنظر مرة أخرى إلى الرقم المكتوب في الرسالة.أخذت نفسًا عميقًا، ثم ضغطت زر الاتصال.انتظرت...لكن بعد لحظات جاءها الصوت الآلي:"الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق حاليًا."أغلقت المكالمة وهي تزفر بضيق.ظلت تحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ، ثم وضعته داخل حقيبتها."يبدو أنني لن أحصل على أي إجابة اليوم."أدارت محرك السيارة، واتجهت إلى الفيلا.---عندما دخلت المنزل، كان الهدوء يملأ المكان.نظرت حولها، لكنها لم تجد ماهر.سألت الخادمة:"أين ماهر؟"أجابتها وهي ترتب المائدة:"اتصل قبل قليل، وقال إنه لا يزال في الشركة."أومأت نرمين، ثم أخرجت هاتفها واتصلت به.لم يطل الانتظار حتى جاءها صوته."مرحبًا."ابتسمت دون أن تشعر."أين أنت؟""ما زلت في الشركة. لدينا بعض الأعمال التي تأخرت، وقد أبقى هنا حتى وقت متأ

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 27

    دخلت المبنى، وأخذت رقم انتظار، ثم جلست تراقب شاشة الأرقام المعلقة على الجدار. لم يكن المكان مزدحمًا، لكن الدقائق مرت ببطء شديد. أخيرًا، ظهر رقمها. تقدمت نحو الموظف، ثم وضعت الورقة أمامه. قالت بهدوء: "أريد أن أعرف لمن يعود هذا الرقم." نظر الموظف إلى الرقم، ثم رفع رأسه معتذرًا. "أعتذر يا سيدتي، لكن لا يحق لنا إعطاء بيانات المشتركين." حاولت أن تشرح له أن الأمر مهم. إلا أنه كرر اعتذاره بنفس الهدوء. "هذه معلومات خاصة، ولا يمكننا الكشف عنها." أدركت أن إصرارها لن يغير شيئًا. شكرته، وغادرت الشركة. جلست داخل سيارتها وهي تشعر بخيبة أمل. أخرجت هاتفها، ثم بقيت تحدق فيه للحظات. تذكرت رجلًا يعرف والدها منذ سنوات، ويشغل منصبًا إداريًا في إحدى شركات الاتصالات. كانت تثق به، وتعرف أنه لن يتجاوز القانون، لكنه ربما يستطيع مساعدتها بما تسمح به صلاحياته. بحثت عن رقمه، ثم اتصلت به. "السلام عليكم، عمّ فؤاد." جاءها صوته الهادئ. "وعليكم السلام يا ابنتي نرمين، كيف حالك؟" "بخير، الحمد لله. أعتذر لإزعاجك." ابتسم. "لا تقولي هذا، ماذا هناك؟" ترددت قليلًا، ثم قالت: "أحتاج مساعدتك في معرفة ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status