LOGINتجمد ياسر في مكانه، بينما وجه مصباحه نحو مصدر الصوت، لكن الظلام كان كثيفًا إلى درجة ابتلع فيها الضوء بعد أمتار قليلة.
قلت بصوت ثابت، رغم أن قلبي كان ينبض بقوة: "من أنت؟ أظهر نفسك." ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم دوّت ضحكة قصيرة من آخر الممر، أعقبها صوت خطوات تبتعد بسرعة. صرخ ياسر: "إنه يهرب!" اندفع خلف الصوت، لكنني أمسكت بذراعه قبل أن يبتعد. قلت بحزم: "تذكر أول درس في التحقيقات... لا تطارد شخصًا داخل مكان يختاره هو. قد يقودك إلى فخ." تنفس ياسر بعمق، ثم أومأ برأسه موافقًا. بدأنا نتقدم بحذر، وكل خطوة كانت تثير سحابة من الغبار، حتى وصلنا إلى الغرفة التي وجدنا فيها الصناديق القديمة. لاحظت أن أحد الصناديق لم يكن مغطى بالغبار كبقية الصناديق، وكأن أحدًا فتحه مؤخرًا. رفعنا الغطاء. لم نجد ذهبًا ولا أموالًا كما توقعت في البداية، بل وجدنا ملفات قديمة، ودفاتر جلدية، وعددًا من الخرائط الباهتة التي رُسمت يدويًا. فتحت أحد الدفاتر، فإذا به يحتوي على أسماء أشخاص، وبجانب كل اسم تاريخ. بعض التواريخ يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا. قال ياسر باستغراب: "ما هذه الأسماء؟" أجبته: "لا أعرف... لكن صاحب هذا الدفتر كان يوثق شيئًا مهمًا." وأثناء تقليب الصفحات، لفت انتباهي اسم أعرفه جيدًا. عبد الرحمن. كان اسمه مكتوبًا بخط واضح، وإلى جانبه تاريخ يعود إلى خمسة وعشرين عامًا. توقفت عن الكلام. شعر ياسر بتغير ملامحي، فسألني: "ماذا وجدت؟" ناولته الدفتر دون أن أجيب. قرأ الاسم، ثم رفع رأسه نحوي وقال: "هل يعقل أن يكون عمي عبد الرحمن يعرف كل هذا؟" لم أستطع الإجابة. لكن الشك بدأ يتحول إلى يقين. واصلنا السير داخل السرداب، حتى وصلنا إلى ممر ضيق ينتهي بباب حديدي صغير. كان مفتوحًا. دخلنا بحذر. وجدنا غرفة أخرى، تختلف تمامًا عن الأولى. في وسطها طاولة خشبية، فوقها مصباح حديث، وزجاجة ماء لم يمض على فتحها وقت طويل. اقتربت ولمست الزجاجة. كانت لا تزال باردة. همست لياسر: "هناك شخص كان هنا قبل دقائق فقط." وفي تلك اللحظة... وصل إلى أنوفنا صوت محرك سيارة. نظرنا إلى بعضنا. ركضنا بسرعة نحو مخرج السرداب، وبعد جهد كبير استطعنا فتح الباب الذي أغلق خلفنا. خرجنا إلى الفناء. كانت سيارة رباعية الدفع السوداء تبتعد مسرعة في الطريق الترابي المؤدي إلى الغابة. حاول ياسر اللحاق بها، لكنها اختفت وسط الأشجار خلال ثوانٍ. عدنا إلى المنزل، وأنا أحمل الدفتر والخرائط. لم أخبر زوجتي بشيء حتى لا أقلقها. وفي المساء، جاء عبد الرحمن كعادته. كان يبدو طبيعيًا، لكنه ما إن رأى الدفتر فوق الطاولة حتى شحب وجهه فجأة. حاول أن يخفي ارتباكه وقال: "من أين وجدت هذا؟" ابتسمت وأنا أراقب ملامحه. قلت بهدوء: "هذا ما أريد أن أعرفه منك." ساد صمت طويل. ثم أجاب بسرعة: "لا أعرف شيئًا عنه." لكنه لم يدرك أن عينيه كانتا تكشفان كذبه. بعد أن غادر، قررت مراقبته. وقبل منتصف الليل بقليل، ارتدى ياسر ملابس داكنة، بينما حملت منظارًا صغيرًا ومصباحًا يدويًا. اختبأنا بين الأشجار القريبة من منزل عبد الرحمن. انتظرنا قرابة ساعة. وفجأة... خرج عبد الرحمن من منزله متسللًا، وهو ينظر حوله بحذر شديد. كان يحمل حقيبة سوداء صغيرة. تبعناه بصمت. سار لمسافة طويلة حتى وصل إلى أطلال طاحونة قديمة مهجورة تقع على أطراف القرية. اختبأنا خلف جدار متهدم، نراقب ما يحدث. بعد دقائق، وصلت سيارة سوداء بلا لوحات. نزل منها رجلان، كان أحدهما طويل القامة ويضع قبعة تخفي ملامحه. صافح عبد الرحمن، ثم فتح الحقيبة التي كان يحملها. لم نستطع رؤية ما بداخلها. لكننا سمعنا الرجل يقول بوضوح: "إذا عرف سالم الحقيقة... فلن يبقى أحد منا على قيد الحياة." تجمد الدم في عروقي. لم يكن الأمر مجرد سرداب قديم أو رجل مجهول. لقد كنت قد عدت إلى القرية بحثًا عن الراحة... لكنني وجدت نفسي في مواجهة شبكة غامضة، تخفي سرًا ظل مدفونًا لعشرات السنين. وفي اللحظة التي هممت فيها بالانسحاب بهدوء... انكسر غصن يابس تحت قدم ياسر. التفت الرجال الثلاثة نحونا في وقت واحد... ثم صرخ أحدهم: "أمسكوهما... لا تدعوهما يهربان!"عدنا إلى بيت محمود بعد شروق الشمس بساعتين.كنت أعرف أنه لن يكون هناك، وكنت أعرف أيضًا أنني لم أنتهِ من غرفته الخلفية.الرجل الذي يترك خزانة مليئة بصور عائلتي، يتركها لأنه يريدني أن أراها. والرجل الذي يُري خصمه شيئًا، يخفي شيئًا آخر في المكان نفسه.وقفت أمام الجدار مرة أخرى.عشرات الصور، مرتبة بعناية موظف، كل واحدة عليها تاريخ بخط صغير في الخلف.قال ياسر من خلفي:"لماذا عدنا؟ لقد رأينا كل شيء."قلت:"رأينا الصور. ولم نقرأ الترتيب."بدأت أنزعها واحدة واحدة، وأصفّها على السرير حسب تواريخها.أقدمها قبل أربعة عشر عامًا. وأحدثها قبل أسبوع، أمام باب بيتي.لكن بينهما فجوة.سنة كاملة لا توجد فيها صورة واحدة.قلت لسليم:"السنة التي مات فيها ناصر السيوفي."رفع رأسه ببطء."تسع سنوات.""تسع سنوات بالضبط. توقف عن تصويرنا سنة كاملة، ثم عاد."جلس سليم على طرف السرير، وأخذ نفسًا طويلًا."لأنه في تلك السنة لم يكن يعمل لأحد. كان يقرر من سيرث."نظرت إلى الجدار الفارغ الذي تركته الصور المنزوعة.رجل قضى سنة كاملة يوزّع شبكة رجل ميت على ورثته، ثم عاد إلى مزرعتي يحمل دلو الأعلاف.قلت:"إذن نادر ليس رئيسه. نا
وصلنا إلى المستشفى قبل الفجر بساعة. كان الممر خاليًا إلا من ممرضة شابة تجلس خلف مكتب الاستقبال، وأمامها سجل مفتوح لم يُغلق منذ ساعات. قلت لها: "الغرفة 17." رفعت رأسها. "سبق أن أخبرتك على الهاتف يا سيدي. غادر المريض مع ابنه." "أريد أن أرى ما وقّعه." ترددت، ثم أدارت السجل نحوي. كان الخط منتظمًا، هادئًا، بلا ارتجاف. قرأت الاسم: "محمود بن العربي... صفة القرابة: ابن." شعرت بشيء بارد ينزل في ظهري. سألتها: "وهل رأيتِه؟" "نعم. رجل في الأربعين، طويل، قليل الكلام. كان مهذبًا جدًا. حتى إنه شكرنا واحدًا واحدًا قبل أن يخرج." قال ياسر بصوت خافت: "محمود؟" لم أجب. كنت أفكر في شيء آخر. الرجل الذي يخطف مريضًا من مستشفى لا يقف ليشكر الممرضات. إلا إذا كان لا يخاف من أن يتذكره أحد. طلبت تسجيل كاميرا المدخل. بعد نصف ساعة من الجدال، جلسنا الثلاثة أمام شاشة صغيرة في غرفة الحراسة. الساعة 11:42 مساءً. يدخل رجل من الباب الرئيسي، يمشي بخطوات هادئة، لا يلتفت يمينًا ولا يسارًا. يعرف أين يذهب. بعد إحدى عشرة دقيقة، يخرج وهو يدفع كرسيًا متحركًا، وفوقه الشيخ ملفوفًا ببطانية. ثم يفعل شيئًا لم
لم أُنزل مسدسي. وقف سليم أمامي، وبندقية الصيد لا تزال في يده، بينما كان الدخان يتصاعد من نوافذ منزلي خلفنا، وأصوات الكلاب تملأ الليل. قلت له وأنا أصوّب نحو صدره: "خمسة وعشرون عامًا وأنت ميت. ثم تظهر فجأة في الليلة التي يحاول فيها أربعة رجال قتلي. هذه ليست صدفة." ابتسم ابتسامة متعبة، ثم وضع بندقيته على الأرض ببطء، ورفع يديه. قال: "لو كنت معهم، لما أطلقت النار على أحدهم أمام عينيك." قال ياسر وهو يمسح الدخان عن وجهه: "أو أنك أطلقت النار عليه لتكسب ثقتنا." نظر إليه سليم طويلًا، ثم قال: "ابنك يفكر مثلك تمامًا... هذا جيد. ستحتاجان إلى ذلك." لم نبقَ في المنزل. كان الضابط يعرف عنواني، ونادر يملك صورًا لبابي، ولم يعد للجدران معنى. أخذنا الحاسوب والملف الجلدي، وسرنا في الظلام قرابة نصف ساعة حتى وصلنا إلى المنزل المهجور الذي احتمينا فيه من قبل. أشعل ياسر شمعة قصيرة، ووضعها على الأرض، فامتدت ظلالنا الثلاثة على الجدار. جلس سليم مقابلي، وقال: "اسأل." قلت: "من هو الحاج؟" فوجئ بالسؤال. ثم قال ببطء: "من أخبرك بهذا الاسم؟" "رجل مسن قابلته في المقبرة، وأصيب برصاصة أمامي." صمت سليم
وقفت أحدق في سحابة الغبار التي خلفتها سيارة نادر السيوفي، بينما كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع. قال ياسر وهو يلهث: "لقد هرب مرة أخرى." أجبته وأنا أحمل الحاسوب المحمول: "لا يهم... هذه المرة ترك خلفه ما هو أخطر من وجوده." وصل رجال الشرطة بعد دقائق، وطلب الضابط المسؤول معرفة ما حدث. قدمت له رواية مختصرة، متجنبًا الحديث عن الحاسوب والملفات. لم أعد أميز بين من يمكن الوثوق به ومن يعمل لصالح نادر. عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس. كان البيت خاليًا منذ سافرت زوجتي إلى المدينة، ولأول مرة شعرت بالامتنان لذلك القرار. أغلقنا الأبواب والنوافذ، ثم وضع ياسر الحاسوب على الطاولة. قال وهو يبتسم: "أتمنى ألا يكون محميًا بكلمة مرور." ضغط زر التشغيل. ظهرت الشاشة... ثم ظهرت نافذة تطلب كلمة السر. حاول ياسر عدة كلمات، لكن جميع المحاولات فشلت. جلست أفكر في كل ما مررنا به خلال الأيام الماضية. ثم تذكرت العبارة المنقوشة على القلادة، والرقم المحفور في جذع الشجرة. قلت لياسر: "جرّب الرقم سبعة عشر." كتب الرقم. فشلت المحاولة. قلت له: "ابتعد." جلست مكانه. "الأرقام وحدها لن تنفع. هؤلاء لا يكت
وقفت للحظات أحدق في وجه عبد الرحمن، وقد فارق الحياة وهو يحمل في صدره أسرارًا كثيرة لم يمهله القدر ليكشفها كاملة. أغمضت عينيه بيدي، ثم وقفت بصمت. قال ياسر بصوت يملؤه الحزن: "رحل قبل أن يخبرنا بكل شيء." أجبته وأنا أضم مفتاح السيارة في قبضتي: "لكنه ترك لنا خيطًا جديدًا... ويجب ألا نضيعه." بعد وصول الشرطة، أدليت بإفادة مختصرة، وتعمدت إخفاء أمر المفتاح والملف الجلدي. لم أكن أشك في نزاهة الجميع، لكنني لم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة. وفي صباح اليوم التالي، انطلقت أنا وياسر إلى المستودع القديم الذي ذكره عبد الرحمن. كان يقع في منطقة نائية، تحيط به الأشجار من كل جانب، ويبدو مهجورًا منذ سنوات. اقتربنا بحذر. كان الباب الحديدي الضخم موصدًا بسلسلة غليظة. أخرجت المفتاح الذي سلمني إياه عبد الرحمن، فإذا به يفتح القفل بسهولة. تبادلنا النظرات. ثم دفعنا الباب. أصدر صريرًا حادًا، وانفتح ببطء. دخلنا إلى الداخل. كان المستودع واسعًا، تغطي الغبار معظم محتوياته، وتنتشر فيه سيارات قديمة وآلات زراعية مهترئة. لكن في الزاوية البعيدة، كانت تقف سيارة رباعية الدفع سوداء، مغطاة
عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس، وأخفيت الملف الجلدي والرسالة في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه. كنت أعلم أن ما أصبح بحوزتنا كافٍ لإسقاط شبكة كاملة، لكنني كنت أفتقد العنصر الأهم... الشاهد الذي يعرف الحقيقة من بدايتها. ذلك الشاهد كان عبد الرحمن. جلس ياسر أمامي وقال: "إذا كان عبد الرحمن قد هرب منهم، فلماذا لا يسلم نفسه للشرطة؟" أجبته بعد لحظة من التفكير: "لأنه يعلم أن الشبكة تمتد إلى أشخاص نافذين. ربما لم يعد يثق بأحد، أو ربما يخشى أن يُقتل قبل أن يدلي بشهادته." وفي تلك اللحظة، رن هاتفي. كان رقمًا مجهولًا. ترددت في الرد، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءني صوت خافت ومضطرب: "سالم... لا وقت لدي." عرفت الصوت فورًا. "عبد الرحمن!" قال وهو يلهث: "إنهم يطاردونني منذ يومين. أخطأت عندما تعاونت معهم، لكنني لم أشارك في قتل والدك، أقسم بذلك." قلت بحزم: "أين أنت؟" ساد صمت قصير، ثم قال: "الليلة... بعد صلاة العشاء... عند الطاحونة القديمة." وقبل أن أسأله أي سؤال آخر، انقطع الاتصال. نظر إليّ ياسر وقال: "سنذهب معًا." أومأت برأسي، لكنني كنت أشعر أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. مع حلول الليل، توجه







