ホーム / مافيا / الظل / أروقة النسيان

共有

أروقة النسيان

last update 公開日: 2026-06-05 06:05:11

انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.

في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمين البري، وخصلات شعرها الكستنائي الناعم تنساب بنعومة فوق كتفيها الرقيقين، وسارت بخطوات واهية متباطئة تستكشف الأجنحة الخلفية المنسية للجناح الغربي الشاسع، محاولةً طرد بقايا ذعر السراديب الفولاذية السفلية من تجاويف وعيها وعظامها المنهكة التي ارتعدت طويلاً تحت أزيز الرصاص وقذائف المدافع الثقيلة بالخارج.

تجاوزت الردهة الشرفية الكبرى، وسلكت ممراً حجرياً ضيقاً وملتوياً لم تطأه أقدامها من قبل، ممراً تميز بـأسقفه المرتفعة والمبنية من العقود المتقاطعة العتيقة التي تنضح برائحة الورق القديم والشمع المعتق والممزوج برائحة الخشب المصقول بآلية محترفة. كانت الجدران الحجرية النيئة هنا خالية تماماً من نقوش الأسلحة وسترات النخبة التكتيكية؛ بل زُينت بـمصبوعات زيتية كلاسيكية نادرة وفخمة تنتمي لعصر النهضة الإيطالي، وهي لوحات دقيقة تفصل تفاصيل الطبيعة الساحرة والوجوه الأرستقراطية القديمة لـسلالة الكامورا بفلورنسا، مما صبغ الممر بنبرة فنية من العزلة التاريخية التي هزت وجدان إيلينا وأثارت فضولها المعذّب الشارد في ملكوت الذكريات الميتة.

وصلت إلى نهاية الممر الممتد، حيث ينتصب بوابتان خشبيتان عملاقتان ومصنوعتان من خشب الأبنوس الأسود النادر، منقوشتان بزخارف نباتية دقيقة وهندسية معقدة خلت تماماً من شعارات الخنجر والتاج الحديدية التي طالما أرعبتها في غرف القيادة والاستنفار العسكري. مدت يدها النحيلة المرتجفة برفق شديد، ودفعت البوابتين لتنفتحا بانسيابية هيدروليكية صامتة وناعمة، ودلفت إلى داخل مساحة شاسعة ومهيبة جمدت الدماء في عروقها الشاحبة وأصابتها بـذهول صرف لم تحسب له أي حساب في معسكر الجريمة المنظمة وحياة قياصرة الدماء في الشمال.

كانت الغرفة عبارة عن مكتبة أثرية عملاقة ومعزولة تمتد على مساحة طابقين كاملين، جدرانها مغطاة بالكامل برفوف خشبية شاهقة ومصنوعة من الجوز الداكن الفاخر، وتصطف فوقها آلاف المخطوطات القديمة، والكتب الجلدية السميكة، والمجلدات العتيقة النادرة التي كُتبت سطورها باللاتينية القديمة والإيطالية الكلاسيكية الشاعرية الرفيعة. تتدلى من الأسقف المزخرفة بالرسوم الفلكية والنجوم ثريات برونزية ضخمة تطلق ومضات دافئة تتقاطع مع خيوط غسق الليل الفضي الذي بدأ يتسلل عبر النوافذ الزجاجية المقوسة والشاهقة، لترسم مسارات مستقيمة من الضوء الساحر فوق الأرضية المفروشة بـالسجاد العجمي الوثير الداكن الممتد بين الأروقة.

خطت إيلينا خطوات بطيئة ومتعثرة وسط أروقة النسيان، وأنفاسها المتسارعة تتنفس بعمق رائحة الكتب العتيقة والمخطوطات القديمة التي تحبها وتعشق تفاصيلها الفنية وترميمها منذ نعومة أظفارها؛ ففي ثوانٍ معدودة، تلاشت من عقلها صورة أليساندرو الوحش الدموي الذي يحرك القتل بلمحة من عينيه الرماديتين الباردتين، وحل محلها ذهول حقيقي وصادق أمام هذا المحراب السري الذي يحفظ تاريخ الفن والأدب الإيطالي في قلب قلعة المافيا الحصينة. سارت أصابعها النحيلة تتحسس بـرقة بالغة ظهور المجلدات الجلدية السميكة، وشعرت برغبة عارمة في البكاء والبهجة بآن واحد؛ فالمرممة الرقيقة قد وجدت أخيراً واحتها الآمنة والسكينة الدافئة التي طالما بحثت عنها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا وضياع ألوانها الدافئة تحت الرماد.

توجّهت نحو عمق القاعة الشاسعة، ورصدت في زاوية معزولة طاولة خشبية دائرية كبيرة وضعت فوقها عدة صناديق مخملية مفتوحة تحتوي على أدوات فنية دقيقة لترميم الأوراق واللوحات الميتة؛ محابر زجاجية مليئة بالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش عريضة، وريش قصب قديمة، وسكاكين عاجية ناعمة لقطع الحواف الميتة للمخطوطات العتيقة. وبجانب الطاولة، كانت هناك لوحات تشكيلية كلاسيكية قديمة وبعض المخطوطات الأثرية التي تآكلت أطرافها بفعل الرطوبة والزمن، وكأن هناك شخصاً ما في هذا القصر المظلم يعتكف سراً في هذا المكان ويمارس هواية الترميم بدقة وشغف محترف يشبه شغفها القديم المعذّب الذي طواه النسيان خلف جدران الأسر.

وقفت إيلينا أمام الطاولة، وتملكتها حيرة حادة وسؤال صامت زلزل حصونها الفكرية: من يكون صاحب هذا المحراب الفني؟ هل يعقل أن يكون ماركو الأرستقراطي الصارم، أم أن الخدم يجمعون التاريخ هنا بأوامر قديمة من أسلاف عائلة الكامورا؟ لفت نظراتها العسلية الصافية نحو كتاب مفتوح يستقر فوق حامل خشبي صغير بجانب الصناديق؛ تقدمت ببطء وتأملت السطور المكتوبة بـحبر أسود قانٍ وخط يد لاتيني رشيق للغاية ومتقن، لتجده كتاباً في الفلسفة اللاتينية القديمة للشاعر (فيرجيل) يتحدث عن لوعة الروح وتداخل المصائر البشرية بين النور والظلام في عوالم القدر الشاعرية التي لا ترحم الضعفاء.

امتدت يدها لتتصفح الأوراق النيئة، فشعرت بـدفء غامض يسري في جلدها، وبأن أنفاس القصر العتيق بدأت تتكشف لها عن جانب آخر مغاير تماماً، جانب يخلو من البنادق والأوامر العسكرية الصارمة ويذوب في تفاصيل الثقافة الرفيعة والأدب الكلاسيكي الصارم الذي لا يفهمه سوى النخبة من القياصرة الحقيقيين في تاريخ الجريمة. شعرت بغصة حارقة في صدرها المنهك تلاشت تدريجياً ليحل محلها ترقب مشحون بالفضول والجاذبية الغامضة نحو الشخصية السرية والمخفية لـسجانها الشاب الذي أباد الخصوم بالخارج ليمنحها الأمان المطلق والحرية الكاملة للتجول في أروقة نسيانه العتيقة دون قيد حديدي يشل نبضاتها الواهنة.

كانت حركة خيوط الضوء الفضي وهي تنساب فوق الرفوف الخشبية العالية، وتناثر ذرات الغبار الدقيقة في الهواء الدافئ للمكتبة، وحفيف الأوراق القديمة التي كانت تتحرك برقة بالغة تحت لفحات الهواء البارد المتسلل من النوافذ الشاهقة. كانت إيلينا تتأمل المقاعد المخملية الطويلة ذات اللون القرمزي الداكن، والطاولات الجانبية الصغيرة المصنوعة من خشب الورد، والخرائط الجغرافية القديمة المعلقة فوق الجدران والتي توضح حدود التجارة والنفوذ البحري لإيطاليا في العصور الوسطى، مما جعلها تشعر بأنها انتقلت عبر الزمن إلى عصر آخر يخلو من قسوة رصاص الكامورا ووحشية الصراع القائم بين تحالف روما وصقلية بالخارج.

سارت نحو الطابق العلوي للمكتبة عبر أدراج خشبية لولبية ناعمة أصدرت صوتاً خافتاً ومكتوماً تحت قدميها الخائرتين، ورصدت هناك رفوفاً خاصة بـالموسيقى الكلاسيكية القديمة؛ مجلدات نوتات موسيقية لـ (بتهوفن) و (موزارت)، وبعض الآلات الوترية القديمة المستقرة داخل صناديقها الزجاجية المحصنة، وكأن هذا المكان غدا المتحف السري والشخصي لرجل يحمل عقلاً فصيحاً وثقافة تضاهي ثقافة ملوك أوروبا القدامى. زاد هذا الاكتشاف الصادم من حيرتها النفسية العميقة، وبدأت تتساءل في جوفها الشارد إن كان هذا الوحش البركاني الذي عَمّدت خاصرته بالدم يحمل قلباً يفهم لوعة الأنغام ويقدس صمت المخطوطات، أم أن وجود هذه الأشياء ليس سوى قناع أرستقراطي فاخر يغطي به فظاعة دمار المجازر التي يرتكبها باسم النفوذ والهوس.

تراجعت هواجسها قليلاً وهي تتناول مخطوطة صغيرة تآكلت حوافها القطنية، وجلست فوق مقعد مخملي طويل ومريح مستقر بجانب شرفة المكتبة العريضة، وضمت ركبتيها إلى صدرها الرقيق، وعيناها العسليتان تتأملان خطوط الضوء الفضي للقمر وهو يطوي بساط الغسق ويفتح أروقة الليل الساحر الدافئ فوق تلال فيسولي الغناء. استسلمت لـالهدوء التام الذي لف القاعة، وشعرت بأن مشاعرها تجاه أليساندرو بدأت تأخذ مساراً مختلفاً تماماً ونبرة جديدة من التفاهم الصامت والتعلق السري الغامض؛ فالرجل الذي ظنته وحشاً كاسراً ومسلخاً متحركاً أثبت لها الليلة أنه يحمل في جوف حصنه المنيع محراباً يحترم طهر الفن ويحمي براءة الأوراق الميتة من الفناء والنسيان بـنفس الضراوة والهوس الأعمى الذي يحمي به نقاء وجودها حياً داخل ظله المطبق.

كانت حركة السحب الرمادية الخفيفة التي بدأت تغطي وجه القمر بالخارج، وحفيف ثوبها الناعم الملوث بـعطر الصنوبر والبخور الدافئ للجناح، وتتابع النبضات الهادئة الصادرة عن صدرها الرقيق المنهك الذي وجد أخيراً هدنة حقيقية من بطش البنادق وصخب الحروب الطاحنة التي مزقت سلامها القديم.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status