Beranda / مافيا / الظل / انقشاع العاصفة

Share

انقشاع العاصفة

last update Tanggal publikasi: 2026-05-29 07:05:23

تبدد ضباب تلال فلورنسا القاسي والبارد مع صعود شمس الصباح الفضية، الشاحبة، والتي كانت ترسل أشعتها الدافئة لتنساب بنعومة عبر النوافذ الزجاجية العريضة والمقوسة للجناح الغربي لقصر عائلة الكامورا. كانت الأجواء داخل غرفة العناية الطبية الفاخرة تسبح في بحر من السكون المطبق والسكينة التامة؛ ولم يكن يقطع رتابة هذا المكان سوى صوت طقطقة حطب الصنوبر داخل المدفأة الحجرية الصغيرة، والذي كان يتآكل ببطء مخلّفاً رماداً دافئاً، ممتزجاً بالأنفاس المنتظمة، العميقة، والثابتة التي كانت تخرج من صدر أليساندرو العريض، لتعلم أركان الغرفة المعزولة عن انقشاع عاصفة الفناء الطبية، وتراجع خطر الموت المؤقت عن جسده الفاره.

تحركت أجفان أليساندرو ببطء شديد وبصعوبة بالغة، وكأن وعيه المستيقظ يجر خطواته جراً ليستعيد مكانه داخل بنيته العضلية الضخمة، بعد رحلة طويلة، مضنية، ومحترقة في سراديب الغيبوبة والحمى المطبقة التي نهشت أوصاله طوال الليل. شعر بألم حاد، مركز، وضاغط في خاصرته الأيمن؛ ألم يشبه شفرة من الجمر المشتعل تُغرس ببطء في أحشائه مع كل نفس يجلبه إلى رئتيه، لكنه كان ألماً يحمل نبرة من الاستقرار والثبات، تؤكد أن الغرز الطبية الجديدة الأعمق والأقوى قد نجحت تماماً في إغلاق مجرى النزيف الداخلي المروّع الذي كاد أن يودي بحياته. فتح عينيه الرماديتين فجأة، لتستقبله السقوف الخشبية الداكنة والمصقولة للغرفة، والضوء الذهبي الباهت الذي كان يرسم خطوطاً مستقيمة متوازية فوق الأرضية السجادية الوثيرة.

تحرك برأسه حركة طفيفة، حذرة، ومحكومة بغريزته الصقرية التي لا تنام حتى في أحلك لحظات ضعفه الجسدي، مستكشفاً المحيط زاوية تلو الأخرى دون أن يصدر عنه أنين واحد يكشف عن حجم وجعه المكتوم. وفي تلك اللحظة الخاطفة، تجمدت نظراته الرمادية الباردة، وحدث تحول سيكولوجي عميق وعنيف في أعماق روحه المظلومة، تحول أطاح بكل بروده الأرستقراطي وجعله يتنفس بإيقاع مغاير.

لم يكن محاطاً بحراسه الشخصيين الأشداء ذوي الوجوه الصخرية، ولم يكن ماركو يقف عند رأس سريره حاملاً تقارير الدم والبارود؛ بل كان هناك، جالساً فوق مقعد خشبي كلاسيكي مرتفع وملاصق لسريره مباشرة، إيلينا. كانت قد غادرت جناحها الجديد في غسق الفجر الباكر، مدفوعة بـالوجل والخوف الغامض الذي كان ينهش صدرها ويمنع النوم من استعمار جفونها، وجاءت لتجلس بجانبه وترقبه عن قرب، حتى غلبها النوم والإنهاك الشامل فوق المقعد الخشبي القاسي.

كان رأسها الكستنائي الناعم مائلاً برقة بالغة إلى الخلف، وخصلات شعرها المتمردة المنسدلة كانت تداعب وجهها الشاحب ذي الملامح الهادئة والصافية كمرمر التماثيل المنسية. يداها النحيلتان اللتان تم غسلهما بعناية من آثار الفحم الأسود ودماء البارود الجافة، استقرتا في حجر مئزرها القطني النظيف، وصدرها الرقيق كان يرتفع وينخفض بأنفاس هادئة، متزنة، وصامتة كأنفاس الأطفال النيام الذين لم تلمس عوالمهم قسوة البشر. كانت تبدو في ضوء الصباح الفضي وكأنها كائن لا ينتمي لهذا القصر الملطخ بالدماء، مخلوق نقي سقط بالخطأ داخل أسوار قلعة الظل ليصبح الجزء الأكثر جاذبية وخطورة فيها.

تأملها أليساندرو بنظرات يملؤها هوس أعمى، وتملك مطلق، وتعلق سري بدأ ينبت ويتجذر في أعماق روحه الملتوعة منذ اللحظة الأولى التي أنقذته فيها تحت المطر. كانت نظراته دافئة، خالية تماماً ولأول مرة من ذلك الجبروت المخيف الذي يواجه به عائلات روما وصقلية؛ كان يتأمل خط وجنتها، وأثر الصفعة القاسية لرجال ليون الذي بدأ يتحول من اللون الأحمر القاني إلى لون وردي خفيف يشبه ألوان الشفق، ويتأمل شفتها الممزقة التي جفت جراحها الصغيرة لتترك ندبة رقيقة زادت من عمق براءتها. شعر برغبة عارمة، رغبة أنانية تطبق على أنفاسه، في أن يمد يده اليمنى الموشومة بشعار الخنجر والتاج ليمسح وجهها ويتحسس طهر جلدها، لكنه عندما حاول رفع ساعده الثقيل، تحرك جسده حركة طفيفة جعلت خشب السرير يصدر صريراً خافتاً ورناناً انقشع في صمت الغرفة الرتيب.

على وقع هذا الصرير الخفيف، تحركت أجفان إيلينا ببطء شديد، وفتحت عينيها العسليتين الواسعتين الصافيتين لتستقبل ضوء الصباح الساطع. فركت عينيها بأطراف أصابعها النحيلة بآلية ناعمة يملؤها النعاس، ثم التفتت بنظراتها نحو السرير لتفقد وضع المريض، لتلتقي عيناها مباشرة ودفعة واحدة بعيني أليساندرو الرماديتين اللتين كانتا تراقبانها بثبات، وركود، وعمق مرعب جعل الهواء يتجمد بينهما.

تسمرت إيلينا في مكانها فوق المقعد الخشبي، وتراجعت الأنفاس في صدرها الرقيق لثوانٍ معدودة من فرط المفاجأة والقرب الجسدي والنفسي الحاد والمفاجئ بينهما. لم تصرخ في وجهه، ولم ترفع رأسها بكبرياء غاضب أو تهاجمه بكلمات حادة عن سلب حريتها واختطافها كما فعلت في مواجهاتهما السابقة داخل الجناح الشرقي؛ بل بدا وكأن فظاعة معركة البارحة، ورؤيتها لجسده الفاره وهو يتلقى الرصاص ويتمزق لأجل أن يمنحها الحياة، قد أطاحتا بكل رغبتها في العناد الجاف والمقاومة الواهنة، ليحل محل ذلك كله شجن عميق، وهدوء غامض، ونبرة من التفاهم السري لفت ملامحها بالكامل وجعلت عينيها العسليتين تبدوان كبحيرة جبلية ساكنة تخفي تحت سطحها أسراراً لا تنتهي.

ساد الصمت لبرهة طويلة بينهما، صمت أثقل من الجبال وأعمق من دهاليز التاريخ الفلورنسي القديم، صمت كانت تتصارع فيه النظرات والأفكار في مساحة ضيقة للغاية تفصل بين نقاء المرأة ونار الرجل. تحدث أليساندرو أخيراً، وكان صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة حادة من الوجع الجسدي المكتوم والكبرياء العنيف الذي رفض الانكسار حتى أمام الموت، ونبس باللغة الفصحى التي تعكس مهابته الأرستقراطية الباردة: "أرى أنكِ غادرتِ سريركِ العاجي الفاخر وجئتِ لتسهري بجانب الوحش الجريح يا حارسة التاريخ. هل جئتِ لتتأكدي من أن غرز الطبيب قد نجحت في إغلاق النزيف الداخلي، أم أن خوفكِ الخفي على حياة أليساندرو قد غلب كبرياء غضبكِ في هذه الليلة العاصفة؟"

نظرت إليه إيلينا بثبات هادئ، وعيناها العسليتان تعكسان نقاءً داخلياً نادراً اختلط بنبرة من الحزن والشجن المرير، وقالت بصوت خافت، رصين، ويحمل بحة الأنوثة والإنهاك الشامل: "لقد جئتُ لأنني امرأة لا تحتمل العيش في الجهل بمصير جسد بشري كاد أن يموت ويتحول إلى رماد لأجل أن يمنحها الحياة ويحميها من رصاص الخيانة يا سيد أليساندرو. البارحة.. رأيتُ دمك ينزف بغزارة كالشلال، ورأيتُ كبرياءك يتفتت تحت مباضع الأطباء في القبو، وعلمتُ من ماركو أنك خاطرت بوجودك وبوجود عائلتك بأكملها لحمايتي من رجال عائلة ليون. أنا لا أكرهك الليلة بنفس القسوة والنفور اللذين كنتُ أكنهما لك في أيامنا الأولى؛ بل أشعر بـذهول حقيقي، وغصة حارقة في صدري، تجعلني أقف عاجزة عن فهم الطبيعة الروحية والنفسية المعقدة التي تختبئ خلف هذا القناع الصخري البارد الذي تواجه به العالم."

تحركت تقاطيع وجه أليساندرو الصخرية حركية طفيفة تحت ضوء الصباح، وتخلى لأول مرة عن جبروته وسلطته المطلقة أمامها، وسحب يده اليمنى الموشومة ببطء شديد يصارع به طعنات الألم ليضع كفه فوق الشرشف الحريري الفاخر قريباً من يدها، قائلاً بنبرة منخفضة للغاية وعميقة تغلغلت في مسام روحها الملتوعة: "الروح التي تسألين عن تفاصيلها يا إيلينا هي روح ولدت في وسط النار والدمار، ولم تعرف معنى النقاء أو السلام إلا عندما لمست أصابعكِ الناعمة والباردة جبهتي المشتعلة بالح حمى في ليلتنا الأولى تحت المطر. أنتِ ترين فيّ مجرماً وزعيماً يحرك الموت بلمحة من عينيه، وهذا صحيح تماماً في كفن عالمي المظلم؛ لكنكِ هنا.. في محراب غرفتي، لستِ أسيرة خطفتها رغبتي، بل أنتِ الأنفاس الوحيدة التي تمنح هذا الجسد القدرة على الصمود في وجه الخيانات والمؤامرات السياسية التي تحيط به من كل جانب."

مدت إيلينا يدها النحيلة ببطء شديد وعفوية نادرة لم تعهدها من قبل، وأشارت بأطراف أصابعها نحو وجنته اليسرى دون أن تلمسه، قائلة بنبرة يملؤها الفضول الإنساني المعقد والشجن المرير: "هذه الندبة الصغيرة الفاتحة على وجنتك.. والندوب الكثيرة المخفية تحت ضمادات خاصرتك وصدرك؛ إنها ليست مجرد آثار لرصاص وسكاكين عابرة، إنها حكايات قديمة تخفي خلفها تاريخ ماضيك المظلم وقسوة الحياة التي تحياها. أخبرني يا أليساندرو.. كيف يتحول رجل بهذه الوسامة الأرستقراطية وهذه المهابة الطاغية إلى وحش يرتعد منه الشمال بأكمله؟ كيف قضيت طفولتك اليتيمة وحيداً داخل هذا القصر الشاسع البارد المحاط بالبنادق؟"

انقبض فك أليساندرو العريض بركود يملؤه الأسى الذاتي المكبوت والذكريات القاسية، ونظر نحو النافذة الزجاجية الكبيرة حيث كانت الشمس تضيء قمم أشجار السرو العالية المحيطة بالتلال، وبدأ في سرد جحيم ماضيه بصوت رخيم، عميق، ومؤثر سرى في جسدها كالتيار الدافئ: "الطفولة في عائلتي يا إيلينا ليست سوى ميدان تدريب عسكري قاسٍ وضارٍ لا يرحم الضعفاء ولا يعترف بالدموع. لقد فقدتُ والدي وأنا في سن العاشرة، في كمين غادر يشبه تماماً الكمين الذي تعرضتُ له البارحة في ملهى فلورنسا الخلفي. وجدتُ نفسي وحيداً، طفلاً خائفاً في قلب هذا القصر الشاسع، محاطاً بـأعمام وأقارب يبتسمون في وجهي علناً، ويخفون خلف ستراتهم الخناجر المسمومة لسرقة إرث عائلتي ونفوذ عائلة الكامورا. ماركو كان الصديق الوحيد والذراع الحقيقية التي أسندتُ عليها ظلي الصغير لكي لا أسقط تحت أقدامهم."

تابع أليساندرو وهو يلتفت بنظراته الرمادية الحادة كشفرة الخنجر المسموم نحو عينيها العسليتين الصافيتين بثبات مطلق: "تعلمتُ قبل أن يشتد عودي أن الخطأ الأول في عالمي هو الخطأ الأخير، وأن الرحمة رذيلة يدفع صاحبها حياته وثوب كبريائه ثمناً لها أمام الخصوم. قتلتُ أول رجل حاول اغتيالي في ممرات هذا القصر وأنا في سن الخامسة عشرة، بدم بارد ومن مسافة صفر، ومنذ ذلك الحين.. دفنتُ ملامح الطفل الذي كنتُه، وارتديتُ هذا القناع الصخري ليصبح اسم أليساندرو بمثابة قانون صارم يحكم المصائر بالدم والرماد والنار. لم أكن أؤمن يوماً بوجود شيء نظيف أو طاهر في هذا العالم المنافق، حتى سقطتُ ملوثاً بالدم والنزيف على عتبة بابكِ الخشبي العتيق، ورأيتُ في عينيكِ العسليتين تحت سيول المطر براءة ونقاءً لم تستطع كل قسوة الواقع أن تلوث تفاصيلهما النظيفة."

امتدت دمعة ساخنة من عيني إيلينا العسليتين المنهمرتين، وامتزجت بدم شفتها الممزقة وهي تستمع إلى ترانيم جحيمه القديم ومونولوغه المليء بالوجع؛ فلأول مرة بدأت تفهم العمق النفسي والسيكولوجي الحاد الذي يحرك شخصية أليساندرو، وعلمت أن قسوته وبطشه وجبروته المطلق لم يكونوا سوى دروع حديدية متينة صنعها لحماية وجوده وحياة رجاله من خيانات البشر المستمرة. شعرت بجاذبية مظلمة، مرعبة، وعميقة تزداد قوة وتغلغلاً في أعماق روحها المعذبة تجاهه، جاذبية تكمن في ذلك التداخل السري والغامض بين نقائها الطاهر وناره المحرقة التي تحاصر تفاصيل حياتها الجديدة بجانبه.

قالت بصوت خافت، مبحوح، ويحمل نبرة من الشجن الطاغي: "ماضيك قاسٍ ومملوء بالرماد يا أليساندرو، لكنه لا يمنحك الحق في سلب حرية الآخرين وجعل حياتهم الهادئة جزءاً لا يتجزأ من مجازرك وحروبك الدموية. أنا أنقذتُ جسدك مرتين، وأعَدْتُ خياطة غرزك البارحة في القبو بدموع قهرى، ولكنني أرجوك بكبريائي المكسور.. لا تجعل من هوسك بنقائي وتملكك المطلق لروحي سبباً في تدمير ما تبقى من براءتي الفنية. هذه الحرب الشرسة التي تدور بينك وبين عائلة ليون قد جعلت اسمي الرقيق عنواناً للدم والقتل، وأنا امرأة لا تريد سوى السلام.. لا تريد سوى العودة لمرسمها القديم والعيش في صمت بعيداً عن البنادق."

ارتسمت على شفتي أليساندرو ابتسامة غامضة، مظلمة، وتنضح بالحب والتعلق السري المطبق، ومد يده اليمنى الموشومة برقة بالغة وبطء شديد ليقبض على كفها الرقيقة والناعمة المستقرة فوق الشرشف الفاخر، وضغط عليها بثبات وعزم عطل كل حركتها، قائلاً بصوت رصين، حاد، ويحمل حكماً نهائياً لا رجعة فيه ولا مناقشة: "السلام في عالمي يا حارسة التاريخ لا يُصنع بالترجي أو الانسحاب والفرار؛ بل يُصنع بحيرات من دماء الخصوم وبتحطيم عروشهم تحت الأقدام حتى لا يجرؤ أحد على التفكير في مواجهتنا. عائلة ليون دمرت مرسمكِ القديم البارحة، ولطخت وجنتكِ الرقيقة بالدم في قلب حصني، وهذا جعل الحرب بيننا حرب إبادة شاملة وضارية لن تتوقف حتى أقتلع رأس الدون ليون من جسده وأحرق قلعتهم في روما بالكامل وأحول نفوذهم إلى رماد تذروه الرياح."

تابع أليساندرو وهو يقترب بوجهه الشاحب منها لدرجة شعورها بحرارة أنفاسه التي تداعب وجهها: "بقاؤكِ بجانبي في هذا القصر وتحت حماية رجالي هو الأمان الوحيد المتبقي لكِ في هذا العالم، ونقاؤكِ الصرف قد أصبح العهد السري والقانون الشخصي الذي سأحمي وجوده بناري وبأرواح نخبة رجالي، حتى لو كان الثمن حرق إيطاليا بأكملها وتدمير عائلات صقلية ونابولي للاحتفاظ بكِ وبوجودكِ داخل ظلي الذي لن يتخلى عنكِ أبداً."

لم تسحب إيلينا يدها النحيلة من بين كفيه القويتين الموشومتين هذه المرة؛ بل استسلمت بضعف شديد وتركت قبضته تطوق أصابعها النحيلة بالكامل، وشعرت بأن صدى كلماته المليئة بالهوس والتملك المطلق ينقش سطوره الأولى بقسوة وعمق في لوح مصيرها المستقبلي بجانبه، مدركة بغصة حارقة في صدرها المنهك أن انقشاع العاصفة البارحة لم يكن سوى هدنة مؤقتة بطعم الدموع والترقب المشحون بالخطر، وبأن تداخل عوالمهم المتناقضة قد أصبح قدراً محتوماً لا يمكن لدموع قهرها أو غضب كبريائها الفرار من دهاليز نفوذه المطبق داخل قلعته العاجية الفاخرة التي لا تعرف معنى الرحمة أو النسيان، لتولد بينهما نبرة جديدة وغامضة من التفاهم الصامت الذي سيغير ملامح العناد في أروقة قصر الكامورا ويفتح الباب أمام نيران الحرب الشاملة القادمة بالخارج.

امتدت الساعات بعد ذلك الحوار الطويل والبطيء، وظلت إيلينا جالسة بجانبه تستمع لـأنفاسه المنتظمة التي تعلن عن تراجع الحمى بالكامل واستقرار وضعه الصحي بفضل غرز الطبيب ومراقبتها الساهرة له. كان التداخل بين نقائها وناره يزداد وثوقاً وعمقاً مع كل دقيقة تمر تحت ضوء النهار الساطع؛ فالعواطف المخفية خلف ملامح أليساندرو الصخرية بدأت تظهر لها بوضوح، وعلمت أن هوسه بها ليس مجرد رغبة في السيطرة بل هو طوق النجاة الوحيد الذي يتشبث به وحش الشمال ليظل إنساناً في عالم يملؤه الغدر والخيانة من كل جانب، لتكتمل ترانيم انقشاع العاصفة بحبر لا يمكن للزمن محو أثره من سجلات حياتهم المشتركة داخل أسوار القفص الذهبي الفاخر.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status