Masuk......الفصل الثاني
آخر يوم عادي لم تكن نوفيرا تعلم... أنها عندما فتحت نافذة غرفتها ذلك الصباح، كانت تودع حياتها القديمة للمرة الأخيرة. أشعة الشمس تسللت بين أغصان الأشجار العملاقة التي أحاطت بالقرية من كل اتجاه، بينما كان الضباب الأبيض يغطي أطراف الغابة كعادته كل صباح. بدت القرية هادئة... هادئة أكثر مما ينبغي. أغلقت نوفيرا النافذة، ثم التقطت حقيبتها الجلدية الصغيرة. "نوفيرا!" جاءها صوت امرأة من الطابق السفلي. "ستتأخرين." ابتسمت بخفة وهي تنزل الدرج بسرعة. كانت المرأة التي ربتها طوال حياتها تقف أمام المائدة، تضع الطعام في صمت، لكن عينيها كانتا مليئتين بقلق غريب. لاحظت نوفيرا ذلك. "ماذا هناك؟" هزت المرأة رأسها سريعًا. "لا شيء." لكنها كانت تكذب. منذ أيام... وأهل القرية يتحدثون همسًا عن غرباء شوهدوا حول الغابة. غرباء لا يشبهون التجار... ولا المسافرين. غرباء يسألون سؤالًا واحدًا فقط. "هل تعيش هنا فتاة في العشرين من عمرها؟" لم تهتم نوفيرا بالأمر كثيرًا. ظنت أنهم يبحثون عن شخص آخر. خرجت من المنزل، ولوحت بيدها للمرأة. "سأعود قبل الغروب." لم تعرف... أن تلك الكلمات لن تتحقق. --- في الطريق المؤدي إلى السوق، كانت الحياة تبدو طبيعية. الأطفال يركضون بين البيوت. الباعة ينادون على بضائعهم. ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان. تنهدت نوفيرا وهي تبتسم. كانت تحب هذه الحياة البسيطة. بعيدة عن الحروب... وبعيدة عن الدماء... وبعيدة عن كل الأساطير التي كان الكبار يروونها ليلًا. لكن... بينما كانت تمر بجوار البئر القديمة... شعرت بشيء. شعور غريب. كأن أحدًا يراقبها. التفتت بسرعة. لم تجد أحدًا. ابتسمت لنفسها. "أصبحت أتخيل." وأكملت سيرها. لكن فوق سطح أحد المنازل... كان رجل يرتدي عباءة داكنة يراقبها في صمت. رفع يده ببطء. ثم قال دون أن يحول نظره عنها: "وجدتها." وبين الأشجار المحيطة بالقرية... تحرك أكثر من ظل في الوقت نفسه. وبدأت) لم تسمع نوفيرا الكلمة... لكنها شعرت بها. ذلك الإحساس الغريب الذي هاجمها قبل دقائق عاد أقوى، حتى أصبحت دقات قلبها أسرع من المعتاد. توقفت في منتصف الطريق. التفتت مرة أخرى. هذه المرة... رأتهم. ثلاثة رجال يقفون عند مدخل السوق. ملابس سوداء طويلة. وجوه جامدة. وعيون لا تبحث إلا عن شخص واحد. عندما التقت عينا أحدهم بعينيها... ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كافية لتجمد الدم في عروقها. استدار الرجل ببطء وقال لرفيقيه: "هي." لم تفهم نوفيرا المقصود. نظرت خلفها. ربما كانوا يشيرون إلى شخص آخر. لكن الشارع كان خاليًا. عاد الرجل ينظر إليها مباشرة. ثم بدأ يمشي نحوها. خطوة... ثم أخرى. من دون استعجال. كأنه يعرف أنها لن تستطيع الهرب. تراجعت نوفيرا خطوة لا إراديًا. حاولت أن تقنع نفسها بأنها تبالغ. لكن عندما رأت الرجلين الآخرين يبدآن بالالتفاف حول الشارع من الجانبين... اختفى آخر شك. كانوا يقصدونها. استدارت... وركضت. --- "أمسكوها!" انطلق الرجال الثلاثة في اللحظة نفسها. اندفعت نوفيرا بين الناس، فاصطدمت بأحد الباعة، وسقطت سلة من الفاكهة على الأرض. تعالت أصوات الاحتجاج. لكنها لم تتوقف. كانت تسمع وقع الأقدام خلفها يقترب. دخلت زقاقًا ضيقًا بين منزلين. ثم انعطفت بسرعة. "هناك!" وصلها صوت أحدهم. بدأ الذعر يسيطر عليها. لماذا يطاردونها؟ من هم أصلًا؟ لم ترتكب أي شيء. خرجت من الزقاق إلى طرف القرية، حيث تبدأ الغابة. كانت تعرف هذه الأشجار جيدًا. منذ طفولتها كانت تدخلها لجمع الأعشاب، وتحفظ ممراتها أكثر من أي شخص. اندفعت بين الأشجار بأقصى سرعة. الأغصان كانت تخدش وجهها ويديها. لكنها لم تهتم. كل ما أرادته... أن تبتعد. --- بعد دقائق... توقفت خلف صخرة كبيرة وهي تلهث بقوة. وضعت يدها على فمها حتى لا يسمعوا أنفاسها. ساد الصمت. ظنت أنها نجت. لكن... خرج صوت هادئ من خلفها. "انتهى الهروب." تجمد جسدها. استدارت ببطء. كان أحد الرجال يقف على بعد خطوات قليلة. لم يكن يلهث. لم يكن حتى متوترًا. كأنه كان يعرف إلى أين ستهرب منذ البداية. تراجعت نوفيرا حتى التصق ظهرها بالصخرة. قالت بصوت مرتجف: "من أنتم؟" لم يجب. بل مد يده نحوها. "تعالي معنا." هزت رأسها بعنف. "لن أذهب معكم." تنهد الرجل. ثم قال ببرود: "إذن... لا تلومي إلا نفسك." في اللحظة التالية... اندفع نحوها بسرعة مخيفة. صرخت نوفيرا، وحاولت الابتعاد، لكنها تعثرت وسقطت على الأرض. ارتطمت يدها بصخرة حادة. شعرت بألم قوي. ونظرت إلى كفها. كان الجرح عميقًا... والدم يسيل بغزارة. لكن قبل أن تستوعب ما حدث... بدأ الدم يتوقف. ببطء... ثم بسرعة. وأمام عينيها... الجرح اختفى. اختفى تمامًا. حدقت في يدها بذهول. لا أثر للدم. ولا أثر للجرح. ولا حتى ندبة صغيرة. رفعت رأسها نحو الرجل. وجدته ينظر إليها... وعلى وجهه ابتسامة انتصار. همس لنفسه: "إذن... الإشاعة كانت صحيحة." شحب وجه نوفيرا. "ماذا... ماذا تقصد؟" لكن الرجل لم يجب. بل أخرج من جيبه قطعة معدنية سوداء، ضغط عليها بقوة. بعد ثوانٍ... اهتز الهواء حول الغابة. وشعرت نوفيرا لأول مرة... أن شيئًا أكبر بكثير منها... قد بدأ يتحرك. نهاية الجزء الثاني.الفصل السابععدو من الماضيضربت الرياح أسوار القلعة بقوة.كانت المشاعل المعلقة على الجدران تتمايل بعنف، بينما دوى جرس الإنذار للمرة الرابعة، حتى بدا وكأنه يهز الجبل بأكمله.ساد الارتباك داخل القلعة.تحرك الحراس في الممرات بسرعة، وكل واحد منهم يحمل سلاحًا مختلفًا.لكن وجوههم...لم تكن وجوه رجال يستعدون للقتال.بل وجوه رجال يعرفون أنهم قد يموتون.أغلق إلياس أزرار معطفه الأسود ببطء.كانت عيناه ثابتتين على الباب الحجري الضخم المؤدي إلى خارج القلعة.قال فيلوم بصوت منخفض:"لم أتخيل أن يأتي بنفسه."لم يلتفت إليه إلياس."وأنا كنت أعلم أنه سيأتي."نظر إليه فيلوم بدهشة."إذن كنت تنتظره؟"تنهد إلياس."منذ أن ظهر الختم."ساد الصمت.ثم قال فيلوم:"إذا خرجت الآن...""...فلن تكون معركة عادية."أجاب إلياس وهو يتجه نحو الباب:"لم تعد هناك معارك عادية منذ سبعمائة عام."كانت نوفيرا تراقبه من نهاية الممر.ما زالت كلمات فيلوم تتردد في رأسها.أبوك لم يمت.كل حياتك كانت كذبة.ثم ظهر هذا الرجل...كاسيان.من يكون؟ولماذا بدا اسمه كافيًا ليزرع الخوف في القلعة كلها؟تحرك إلياس نحو الخارج.انتظرت حتى اختفى.ثم ه
.ملجأ الغربانكانت الغابة غارقة في صمت ثقيل.اختفت المخلوقات المجنحة كما ظهرت.لكن الختم...ظل ينبض فوق صدر نوفيرا بضوء فضي خافت.كانت فاقدة الوعي بين ذراعي إلياس.وقف للحظة ينظر إلى العلامة، ثم أغلق معطفها حتى يخفيها.همس لنفسه:"ليس الآن..."ثم حملها واتجه إلى أعماق الغابة.لم يكن يسير على طريق.كان يتحرك بين الأشجار وكأنه يعرف المكان منذ قرون.كل عدة خطوات كان يغير اتجاهه فجأة.حتى لو بدا الطريق مستقيمًا.وكأنه يتجنب أعينًا لا تُرى.مر أكثر من ساعة...حتى توقف أمام جرف صخري ضخم.لم يكن هناك باب.ولا كهف.ولا أي شيء يوحي بوجود ممر.رفع إلياس يده.ووضع راحة كفه على الصخر.ثم نطق بكلمات بلغة قديمة.بدأت الرموز المنحوتة داخل الصخور تضيء بلون أزرق باهت.واهتز الجبل كله.ببطء...انشق الجرف إلى نصفين.ظهر ممر طويل، تضيئه مشاعل زرقاء لا يخرج منها دخان.دخل إلياس.وما إن عبر...عاد الجرف كما كان.وكأن شيئًا لم يحدث.كان المكان أشبه بمدينة مخفية داخل الجبل.أعمدة حجرية شاهقة.تماثيل لمحاربين مجهولي الوجوه.ونقوش تغطي الجدران بلغات اندثرت منذ مئات السنين.لم يتوقف إلياس.دخل إحدى القاعات.ووض
الفصل الخامسأنياب الخلودلم يكد الوحش يقطع نصف المسافة...حتى اختفى إلياس.اتسعت عينا نوفيرا.لم تره يتحرك...فجأة، دوى صوت ارتطام هائل بين الأشجار.التفتت بسرعة.كان الوحش قد اندفع عدة أمتار إلى الجانب، محطِّمًا ثلاثة جذوع ضخمة، بينما وقف إلياس أمامه في هدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.رفع الوحش رأسه ببطء.ومن بين أنيابه سال لعاب أسود كثيف.ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة."أسرع من السابق...""لكن ليس بالسرعة الكافية."أطلق الوحش زئيرًا غاضبًا، واندفع مرة أخرى.هذه المرة لم ينتظر إلياس.تحرك كظل أسود.اختفى...ثم ظهر فوق كتف الوحش.ضربه بكفه المفتوحة.دوى انفجار مكتوم.انحنى رأس الوحش بعنف، لكنه لم يسقط.بل استدار بسرعة غير طبيعية، وأطلق مخالبه نحو صدر إلياس.تراجع إلياس نصف خطوة فقط.مرت المخالب أمام وجهه، فقطعت الهواء بصوت حاد.ثم...ابتسم."جيد.""على الأقل... لن أشعر بالملل."وقفت نوفيرا عاجزة.لم تكن ترى القتال...بل ترى ومضات سوداء تتحرك بين الأشجار.كلما ظهر إلياس...كان الوحش قد تلقى ضربة جديدة.وكلما حاولت عينها تتبعه...كان قد اختفى.وفجأة...أمسك إلياس رأس الوحش بكلتا يديه.نظر مباشرة
.الفصل الرابعزئير في الظلاملم يتوقفا عن الركض.كانت أغصان الأشجار تضرب وجهيهما، والأرض المبتلة تجعل كل خطوة أخطر من سابقتها.لهاث نوفيرا ازداد.شعرت أن رئتيها تحترقان."توقف..."قالتها بصعوبة وهي تمسك جذع شجرة لتمنع نفسها من السقوط.أما إلياس...فلم يكن يتنفس حتى.وقف يراقب الغابة بصمت، كأنها تخبره بشيء لا يسمعه غيره.رفعت نوفيرا رأسها نحوه بغضب."إلى متى سنظل نهرب؟"لم يجب."أريد أن أفهم."صمت.اقتربت منه خطوة."من أنت؟"ظل ينظر إلى الأشجار."ولماذا أنقذتني؟"لا رد.قبضت على ذراعه بقوة."تكلم!"أنزل عينيه إليها أخيرًا.كانت نظرته باردة...لكنها لم تكن قاسية.قال بهدوء:"كلما عرفتِ أكثر...""...أصبحتِ في خطر أكبر."سحبت يدها بعنف."وهل أنا لست في خطر الآن؟!"ساد الصمت.ثم استدار إلياس وأكمل السير.صرخت خلفه:"أكره الأشخاص الذين يتصرفون وكأنهم يعرفون كل شيء!"توقف للحظة.ومن دون أن يلتفت قال:"وأنا أكره الأشخاص الذين يصرخون في الغابة."عقدت حاجبيها."ماذا تقصد؟"...لم يُجب.لكن بعد ثانيتين...تقدمت نوفيرا ببطء خلف إلياس.كانت تحاول أن تبدو قوية، لكن ارتجافة يديها كانت تفضحها.قالت بص
الفصل الثالثأول من وصللم يكن الزئير صوتًا عاديًا...كان أشبه بصوتٍ خرج من أعماق الأرض.تجمد الرجال الثلاثة في أماكنهم، واختفت الابتسامة من وجوههم.أما نوفيرا...فلم تفهم شيئًا.لكنها رأت الخوف في أعين مطارديها لأول مرة.قال أحدهم بصوت منخفض:"لا... مستحيل."رد الآخر وهو ينظر بين الأشجار المظلمة:"إنه قريب..."ثم صاح في زعيمهم:"علينا الانسحاب!"لكن الزعيم لم يتحرك.كانت عيناه مثبتتين على نوفيرا."لن أعود بدونهـا."قبض على سيفه القصير، ثم تقدم نحوها خطوة أخرى.في تلك اللحظة...اهتزت الأشجار بعنف، وانطلقت عشرات الغربان إلى السماء دفعة واحدة.ساد صمت مخيف...ثم انقطع بصوت خطوات بطيئة.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة.لم يكن صاحب الخطوات يحاول إخفاء وجوده.بل كان يتقدم بثقة، كأنه يعرف أن كل من في الغابة سيقف في طريقه... أو يسقط.خرج من بين الضباب رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود يمتد حتى ركبتيه.كان وجهه هادئًا...هادئًا بصورة مرعبة.أما عيناه...فكانتا رماديتين، بلا أي تعبير.توقفت أنفاس نوفيرا.لا تعرفه.لكن شيئًا بداخلها أخبرها أنها رأته من قبل...في حلم...أو ذكرى ليست لها.أما الرجال
......الفصل الثانيآخر يوم عاديلم تكن نوفيرا تعلم...أنها عندما فتحت نافذة غرفتها ذلك الصباح، كانت تودع حياتها القديمة للمرة الأخيرة.أشعة الشمس تسللت بين أغصان الأشجار العملاقة التي أحاطت بالقرية من كل اتجاه، بينما كان الضباب الأبيض يغطي أطراف الغابة كعادته كل صباح.بدت القرية هادئة...هادئة أكثر مما ينبغي.أغلقت نوفيرا النافذة، ثم التقطت حقيبتها الجلدية الصغيرة."نوفيرا!"جاءها صوت امرأة من الطابق السفلي."ستتأخرين."ابتسمت بخفة وهي تنزل الدرج بسرعة.كانت المرأة التي ربتها طوال حياتها تقف أمام المائدة، تضع الطعام في صمت، لكن عينيها كانتا مليئتين بقلق غريب.لاحظت نوفيرا ذلك."ماذا هناك؟"هزت المرأة رأسها سريعًا."لا شيء."لكنها كانت تكذب.منذ أيام...وأهل القرية يتحدثون همسًا عن غرباء شوهدوا حول الغابة.غرباء لا يشبهون التجار...ولا المسافرين.غرباء يسألون سؤالًا واحدًا فقط."هل تعيش هنا فتاة في العشرين من عمرها؟"لم تهتم نوفيرا بالأمر كثيرًا.ظنت أنهم يبحثون عن شخص آخر.خرجت من المنزل، ولوحت بيدها للمرأة."سأعود قبل الغروب."لم تعرف...أن تلك الكلمات لن تتحقق.---في الطريق المؤدي







