Masukالفصل الثالث
أول من وصل لم يكن الزئير صوتًا عاديًا... كان أشبه بصوتٍ خرج من أعماق الأرض. تجمد الرجال الثلاثة في أماكنهم، واختفت الابتسامة من وجوههم. أما نوفيرا... فلم تفهم شيئًا. لكنها رأت الخوف في أعين مطارديها لأول مرة. قال أحدهم بصوت منخفض: "لا... مستحيل." رد الآخر وهو ينظر بين الأشجار المظلمة: "إنه قريب..." ثم صاح في زعيمهم: "علينا الانسحاب!" لكن الزعيم لم يتحرك. كانت عيناه مثبتتين على نوفيرا. "لن أعود بدونهـا." قبض على سيفه القصير، ثم تقدم نحوها خطوة أخرى. في تلك اللحظة... اهتزت الأشجار بعنف، وانطلقت عشرات الغربان إلى السماء دفعة واحدة. ساد صمت مخيف... ثم انقطع بصوت خطوات بطيئة. خطوة... ثم أخرى... ثم ثالثة. لم يكن صاحب الخطوات يحاول إخفاء وجوده. بل كان يتقدم بثقة، كأنه يعرف أن كل من في الغابة سيقف في طريقه... أو يسقط. خرج من بين الضباب رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود يمتد حتى ركبتيه. كان وجهه هادئًا... هادئًا بصورة مرعبة. أما عيناه... فكانتا رماديتين، بلا أي تعبير. توقفت أنفاس نوفيرا. لا تعرفه. لكن شيئًا بداخلها أخبرها أنها رأته من قبل... في حلم... أو ذكرى ليست لها. أما الرجال الثلاثة... فتراجعوا خطوة كاملة. همس أحدهم: "القائد..." ورد الآخر وهو يكاد يفقد صوته: "إلياس..." لم يلتفت إليهم. كانت عيناه معلقتين على نوفيرا. رآها تقف وهي تضم يدها إلى صدرها، ما زالت آثار الدم على ملابسها رغم أن الجرح اختفى تمامًا. نظر إلى يدها... ثم إلى وجوه الرجال. وفهم. قال بهدوء: "ابتعدوا عنها." ضحك الزعيم بسخرية. "حتى أنت لا تستطيع أخذها منا." ولم ينتظر الرد. اندفع بكل قوته. لكن... قبل أن يصل إلى إلياس... اختفى الأخير. اتسعت عينا الرجل. "أين...؟" جاءه الصوت من خلفه. "هنا." استدار بسرعة، لكن الأوان كان قد فات. قبضة واحدة أصابت صدره. لم تكن ضربة عنيفة فقط... بل كانت كافية لتقذفه عدة أمتار، حتى ارتطم بجذع شجرة ضخمة فانشق نصفها. تجمد الرجلان الآخران. لم يجرؤ أي منهما على الهجوم. رفع إلياس نظره إليهما. لم يتخذ وضعية قتال. ولم يخرج أنيابه. فقط قال: "ارحلا." نظر الرجلان إلى قائدهما الملقى على الأرض، ثم إلى إلياس. وفي النهاية... اختارا الهرب. ركضا بين الأشجار دون أن يلتفتا. أما الزعيم، فحاول النهوض بصعوبة. رفع رأسه وهو يبتسم رغم الدماء. "انتهى الأمر..." عبس إلياس. "ماذا تقصد؟" ضحك الرجل ضحكة متقطعة. "نحن... لم نكن أول من يبحث عنها." ثم أخرج من جيبه قلادة معدنية سوداء. ضغط عليها بأصابعه... فتحولت إلى رماد. وقبل أن يتمكن إلياس من منعه... توقف قلب الرجل، وسقط جسده بلا حراك. اقترب إلياس منه بسرعة. تفحصه. ثم همس: "قتل نفسه..." رفع رأسه ببطء. هذه ليست مطاردة عادية. هناك منظمة كاملة تتحرك في الظل... وسبقتهم بخطوة. استدار نحو نوفيرا. كانت ما تزال تنظر إليه بخوف وحيرة. سألته بصوت مرتجف: "من... أنت؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال جملة واحدة... كانت كافية لتقلب عالمها كله: "أنا الرجل الذي كان يجب ألا تلتقيه أبدًا." ظل الصمت يسيطر على الغابة. حتى الرياح التي كانت تحرك الأغصان قبل لحظات... اختفت. حدقت نوفيرا في الرجل الواقف أمامها. كانت تملك عشرات الأسئلة، لكن لسانها رفض أن ينطق بأيٍ منها. أما إلياس... فلم يبعد نظره عنها. كان يبحث عن شيء. ليس في ملامحها... بل في عينيها. وفجأة... تغيرت ملامحه لأول مرة. بشكل خفيف جدًا، لكنه كان كافيًا. إنها تشبهها... دفن الفكرة في أعماقه فورًا. لا... هذا مستحيل. مرّت سبعمائة سنة. لا أحد يبقى كل هذا الوقت. ولا أحد يعود من الموت. تنهد بهدوء، ثم قال: "هل تستطيعين المشي؟" هزت رأسها دون أن تنطق. وقبل أن تخطو خطوة... اخترق سهم جذع الشجرة بجوار رأسها. ثـــــاك! استدار إلياس في اللحظة نفسها. لم يسأل من أطلق السهم. كان يعرف. "لم ينتهِ الأمر..." خرج خمسة رجال آخرون من بين الأشجار. لكنهم لم يكونوا مثل من سبقهم. كانت دروعهم سوداء بالكامل، وعلى صدورهم شعار على هيئة هلال تتوسطه قطرة دم. وقفوا في صف واحد. ثم تقدم قائدهم خطوة. قال وهو ينظر إلى إلياس: "ابتعد." لم يرد إلياس. "هذه أوامر المجلس." ابتسم إلياس ابتسامة باردة. "أوامرهم... لا تعنيني." ساد الصمت. ثم... اندفع الرجال الخمسة دفعة واحدة. هذه المرة... لم يختفِ إلياس. ثبت قدميه في مكانه. وأغمض عينيه. وفي اللحظة التي أصبح أول مهاجم على بعد متر واحد... فتح عينيه. تحول لونهما إلى الأحمر. وفي أقل من ثانية... اختفى. لم تستطع نوفيرا رؤية ما حدث. كل ما رأته... أن الرجال الخمسة أصبحوا في أماكن مختلفة. أحدهم اصطدم بشجرة. الثاني انقلب فوق صخرة. الثالث سقط على ركبتيه وهو يصرخ. أما الرابع... فلم يفهم أصلًا كيف أصبح سيفه في يد خصمه. وقف إلياس يحمل السيف بين أصابعه. نظر إليه للحظة. ثم كسره بيد واحدة. ساد الصمت. ارتجف آخر المهاجمين. "وحش..." لم يرد إلياس. لكنه لم يهاجم أيضًا. وهنا... لاحظت نوفيرا شيئًا غريبًا. رغم أنه يستطيع قتلهم جميعًا بسهولة... إلا أنه يتجنب الضربات القاتلة. كان يسقطهم فقط. كأنه لا يريد سفك الدماء. وفي اللحظة نفسها... وصل صوت صفير حاد من أعماق الغابة. تغيرت وجوه الرجال الخمسة. قال قائدهم بسرعة: "انسحبوا!" خلال ثوانٍ... اختفوا بين الأشجار. لم يطاردهم إلياس. بل ظل ينظر في الاتجاه الذي جاء منه الصفير. كانت نظرته مختلفة. قلقة. همس لنفسه: "لا... ليس الآن." سألته نوفيرا بتردد: "من هؤلاء؟" أجاب دون أن ينظر إليها: "لو عرفتِ الإجابة..." "لن تنامي ليلة واحدة في حياتك." وقبل أن تسأله مجددًا... اهتزت الأرض تحت قدميهما. ثم... سمعا صوتًا ثقيلًا. خطوة... ثم أخرى... لكن هذه المرة... لم تكن خطوات إنسان. رفع إلياس رأسه ببطء. ولأول مرة منذ بداية الأحداث... ظهر التوتر على وجهه. همس بكلمة واحدة: "اهربي." لكن نوفيرا لم تتحرك. كانت تحدق في الظلام بين الأشجار. شيءٌ ضخم... كان يقترب. نهاية يتبع...الفصل السابععدو من الماضيضربت الرياح أسوار القلعة بقوة.كانت المشاعل المعلقة على الجدران تتمايل بعنف، بينما دوى جرس الإنذار للمرة الرابعة، حتى بدا وكأنه يهز الجبل بأكمله.ساد الارتباك داخل القلعة.تحرك الحراس في الممرات بسرعة، وكل واحد منهم يحمل سلاحًا مختلفًا.لكن وجوههم...لم تكن وجوه رجال يستعدون للقتال.بل وجوه رجال يعرفون أنهم قد يموتون.أغلق إلياس أزرار معطفه الأسود ببطء.كانت عيناه ثابتتين على الباب الحجري الضخم المؤدي إلى خارج القلعة.قال فيلوم بصوت منخفض:"لم أتخيل أن يأتي بنفسه."لم يلتفت إليه إلياس."وأنا كنت أعلم أنه سيأتي."نظر إليه فيلوم بدهشة."إذن كنت تنتظره؟"تنهد إلياس."منذ أن ظهر الختم."ساد الصمت.ثم قال فيلوم:"إذا خرجت الآن...""...فلن تكون معركة عادية."أجاب إلياس وهو يتجه نحو الباب:"لم تعد هناك معارك عادية منذ سبعمائة عام."كانت نوفيرا تراقبه من نهاية الممر.ما زالت كلمات فيلوم تتردد في رأسها.أبوك لم يمت.كل حياتك كانت كذبة.ثم ظهر هذا الرجل...كاسيان.من يكون؟ولماذا بدا اسمه كافيًا ليزرع الخوف في القلعة كلها؟تحرك إلياس نحو الخارج.انتظرت حتى اختفى.ثم ه
.ملجأ الغربانكانت الغابة غارقة في صمت ثقيل.اختفت المخلوقات المجنحة كما ظهرت.لكن الختم...ظل ينبض فوق صدر نوفيرا بضوء فضي خافت.كانت فاقدة الوعي بين ذراعي إلياس.وقف للحظة ينظر إلى العلامة، ثم أغلق معطفها حتى يخفيها.همس لنفسه:"ليس الآن..."ثم حملها واتجه إلى أعماق الغابة.لم يكن يسير على طريق.كان يتحرك بين الأشجار وكأنه يعرف المكان منذ قرون.كل عدة خطوات كان يغير اتجاهه فجأة.حتى لو بدا الطريق مستقيمًا.وكأنه يتجنب أعينًا لا تُرى.مر أكثر من ساعة...حتى توقف أمام جرف صخري ضخم.لم يكن هناك باب.ولا كهف.ولا أي شيء يوحي بوجود ممر.رفع إلياس يده.ووضع راحة كفه على الصخر.ثم نطق بكلمات بلغة قديمة.بدأت الرموز المنحوتة داخل الصخور تضيء بلون أزرق باهت.واهتز الجبل كله.ببطء...انشق الجرف إلى نصفين.ظهر ممر طويل، تضيئه مشاعل زرقاء لا يخرج منها دخان.دخل إلياس.وما إن عبر...عاد الجرف كما كان.وكأن شيئًا لم يحدث.كان المكان أشبه بمدينة مخفية داخل الجبل.أعمدة حجرية شاهقة.تماثيل لمحاربين مجهولي الوجوه.ونقوش تغطي الجدران بلغات اندثرت منذ مئات السنين.لم يتوقف إلياس.دخل إحدى القاعات.ووض
الفصل الخامسأنياب الخلودلم يكد الوحش يقطع نصف المسافة...حتى اختفى إلياس.اتسعت عينا نوفيرا.لم تره يتحرك...فجأة، دوى صوت ارتطام هائل بين الأشجار.التفتت بسرعة.كان الوحش قد اندفع عدة أمتار إلى الجانب، محطِّمًا ثلاثة جذوع ضخمة، بينما وقف إلياس أمامه في هدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.رفع الوحش رأسه ببطء.ومن بين أنيابه سال لعاب أسود كثيف.ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة."أسرع من السابق...""لكن ليس بالسرعة الكافية."أطلق الوحش زئيرًا غاضبًا، واندفع مرة أخرى.هذه المرة لم ينتظر إلياس.تحرك كظل أسود.اختفى...ثم ظهر فوق كتف الوحش.ضربه بكفه المفتوحة.دوى انفجار مكتوم.انحنى رأس الوحش بعنف، لكنه لم يسقط.بل استدار بسرعة غير طبيعية، وأطلق مخالبه نحو صدر إلياس.تراجع إلياس نصف خطوة فقط.مرت المخالب أمام وجهه، فقطعت الهواء بصوت حاد.ثم...ابتسم."جيد.""على الأقل... لن أشعر بالملل."وقفت نوفيرا عاجزة.لم تكن ترى القتال...بل ترى ومضات سوداء تتحرك بين الأشجار.كلما ظهر إلياس...كان الوحش قد تلقى ضربة جديدة.وكلما حاولت عينها تتبعه...كان قد اختفى.وفجأة...أمسك إلياس رأس الوحش بكلتا يديه.نظر مباشرة
.الفصل الرابعزئير في الظلاملم يتوقفا عن الركض.كانت أغصان الأشجار تضرب وجهيهما، والأرض المبتلة تجعل كل خطوة أخطر من سابقتها.لهاث نوفيرا ازداد.شعرت أن رئتيها تحترقان."توقف..."قالتها بصعوبة وهي تمسك جذع شجرة لتمنع نفسها من السقوط.أما إلياس...فلم يكن يتنفس حتى.وقف يراقب الغابة بصمت، كأنها تخبره بشيء لا يسمعه غيره.رفعت نوفيرا رأسها نحوه بغضب."إلى متى سنظل نهرب؟"لم يجب."أريد أن أفهم."صمت.اقتربت منه خطوة."من أنت؟"ظل ينظر إلى الأشجار."ولماذا أنقذتني؟"لا رد.قبضت على ذراعه بقوة."تكلم!"أنزل عينيه إليها أخيرًا.كانت نظرته باردة...لكنها لم تكن قاسية.قال بهدوء:"كلما عرفتِ أكثر...""...أصبحتِ في خطر أكبر."سحبت يدها بعنف."وهل أنا لست في خطر الآن؟!"ساد الصمت.ثم استدار إلياس وأكمل السير.صرخت خلفه:"أكره الأشخاص الذين يتصرفون وكأنهم يعرفون كل شيء!"توقف للحظة.ومن دون أن يلتفت قال:"وأنا أكره الأشخاص الذين يصرخون في الغابة."عقدت حاجبيها."ماذا تقصد؟"...لم يُجب.لكن بعد ثانيتين...تقدمت نوفيرا ببطء خلف إلياس.كانت تحاول أن تبدو قوية، لكن ارتجافة يديها كانت تفضحها.قالت بص
الفصل الثالثأول من وصللم يكن الزئير صوتًا عاديًا...كان أشبه بصوتٍ خرج من أعماق الأرض.تجمد الرجال الثلاثة في أماكنهم، واختفت الابتسامة من وجوههم.أما نوفيرا...فلم تفهم شيئًا.لكنها رأت الخوف في أعين مطارديها لأول مرة.قال أحدهم بصوت منخفض:"لا... مستحيل."رد الآخر وهو ينظر بين الأشجار المظلمة:"إنه قريب..."ثم صاح في زعيمهم:"علينا الانسحاب!"لكن الزعيم لم يتحرك.كانت عيناه مثبتتين على نوفيرا."لن أعود بدونهـا."قبض على سيفه القصير، ثم تقدم نحوها خطوة أخرى.في تلك اللحظة...اهتزت الأشجار بعنف، وانطلقت عشرات الغربان إلى السماء دفعة واحدة.ساد صمت مخيف...ثم انقطع بصوت خطوات بطيئة.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة.لم يكن صاحب الخطوات يحاول إخفاء وجوده.بل كان يتقدم بثقة، كأنه يعرف أن كل من في الغابة سيقف في طريقه... أو يسقط.خرج من بين الضباب رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود يمتد حتى ركبتيه.كان وجهه هادئًا...هادئًا بصورة مرعبة.أما عيناه...فكانتا رماديتين، بلا أي تعبير.توقفت أنفاس نوفيرا.لا تعرفه.لكن شيئًا بداخلها أخبرها أنها رأته من قبل...في حلم...أو ذكرى ليست لها.أما الرجال
......الفصل الثانيآخر يوم عاديلم تكن نوفيرا تعلم...أنها عندما فتحت نافذة غرفتها ذلك الصباح، كانت تودع حياتها القديمة للمرة الأخيرة.أشعة الشمس تسللت بين أغصان الأشجار العملاقة التي أحاطت بالقرية من كل اتجاه، بينما كان الضباب الأبيض يغطي أطراف الغابة كعادته كل صباح.بدت القرية هادئة...هادئة أكثر مما ينبغي.أغلقت نوفيرا النافذة، ثم التقطت حقيبتها الجلدية الصغيرة."نوفيرا!"جاءها صوت امرأة من الطابق السفلي."ستتأخرين."ابتسمت بخفة وهي تنزل الدرج بسرعة.كانت المرأة التي ربتها طوال حياتها تقف أمام المائدة، تضع الطعام في صمت، لكن عينيها كانتا مليئتين بقلق غريب.لاحظت نوفيرا ذلك."ماذا هناك؟"هزت المرأة رأسها سريعًا."لا شيء."لكنها كانت تكذب.منذ أيام...وأهل القرية يتحدثون همسًا عن غرباء شوهدوا حول الغابة.غرباء لا يشبهون التجار...ولا المسافرين.غرباء يسألون سؤالًا واحدًا فقط."هل تعيش هنا فتاة في العشرين من عمرها؟"لم تهتم نوفيرا بالأمر كثيرًا.ظنت أنهم يبحثون عن شخص آخر.خرجت من المنزل، ولوحت بيدها للمرأة."سأعود قبل الغروب."لم تعرف...أن تلك الكلمات لن تتحقق.---في الطريق المؤدي







