ログインحاولت أن تخفي انزعاجها، ثم قالت متحججة بهدوء . — لكننا لن نستطيع المبيت هنا يا عمي، فنحن لم نحضر معنا أي أغراض أو ملابس نحتاج إليها. كيف سنقضي الليلة إذا ؟ ابتسمت نبيلة وهي تطمئنها: — لا تقلقي يا ليان، الأمر بسيط. أي شيء تحتاجين إليه يمكننا طلبه وسيصل إلينا فورًا، أو يمكنك الاتصال بسميرة وطلب إحضار ما تحتاجين إليه من المنزل. المنزل ليس بعيدًا عن الفندق. صمتت ليان، وراحت تفكر في حجة أخرى يمكنها استخدامها للاعتذار عن المبيت، لكنها لم تجد الوقت الكافي لترتيب رد مناسب، فقد سبقها نوح إلى الكلام قائلًا: — حسنًا يا أمي، لا أرى أي مشكلة في ذلك. لقد اشتقت إليكم بالفعل، وأريد أن أقضي معكم وقتًا أطول. لذلك أعتقد أن اقتراح أبي جيد، ولا مانع لدي من أن أبيت أنا وليان هنا الليلة. أنهى كلامه، ثم التفت إلى ليان وابتسم ابتسامة ذات مغزى، وكأنه يتعمد وضعها أمام الأمر الواقع. فهمت ليان ما وراء ابتسامته، وأدركت أنه يتعمد إحراجها بعد أن وافق على اقتراح والده دون أن يمنحها فرصة للاعتراض. لكنها لم تظهر انزعاجها، بل ابتسمت في سرها وقالت لنفسها: حسنًا يا نوح... أنت من بدأ هذه اللعبة. ثم رفعت عينيها إلي
في الجهة الأخرى من القاعة، كان حازم وسارة لا يزالان منشغلين بالحديث معًا. ومع مرور الوقت، بدأت سارة تتجاوز شيئًا من ارتباكها الأول، وتندمج تدريجيًا في الحوار معه. كانت تستمع إلى حديثه باهتمام، وتراقب طريقته في التعبير عن أفكاره، واختياره لكلماته، وأسلوبه المهذب والمنمق. كان حازم يتحدث بثقة ولباقة، ويبدو في مظهره وتصرفاته رجلًا أنيقًا يعرف كيف يتعامل مع الآخرين. ومع كل دقيقة تمر، بدأت سارة تكتشف جانبًا مختلفًا منه، جانبًا لم تكن تتوقع أن تراه. فقد كانت ليان تحاول دائمًا إقناعها بأن حازم لا يختلف كثيرًا عن نوح، وأنه ربما يحمل الطباع نفسها . لكن سارة، وهي تتحدث إليه الآن، لم تجد ما يؤكد تلك الصورة التي رسمتها صديقتها أمامها. على العكس، بدأ يتكون لديها انطباع بأنه إنسان جيد، وأنه يستحق على الأقل أن تمنحه فرصة للتعرف إليه بصورة أفضل. وللمرة الأولى منذ بداية الحفل، وجدت نفسها تفكر في احتمال أن تمنح حازم فرصة حقيقية، وأن ترى إلى أين يمكن أن يصل التعارف بينهما. لم تكن قد اتخذت قرارًا نهائيًا، لكنها لم تعد ترفض الفكرة كما كانت تفعل في السابق. ومع ذلك، كانت هناك عقبة لا يمكنها تجاهلها؛ فال
ابتسم وهو يجيب: — أقصد أنني أريد أن أشكركِ على هذا الحفل الجميل. لقد كانت مفاجأة رائعة حقًا، ولا تتصورين مدى تأثيرها في نفسي. ارتسمت على شفتي ليان ابتسامة خجولة، وقالت: — شكرًا لك، لكن كما أخبرتك، لم أقم بكل هذا بمفردي. هز نوح رأسه، ثم قال بنبرة صادقة: — حتى لو لم تفعلي ذلك وحدكِ، يكفيني أنكِ فكرتِ في الأمر وحرصتِ على إسعادي. حتى لو كانت مساهمتكِ واحدًا في المئة فقط، فأنتِ لا تعرفين كم أسعدتني تلك النسبة الصغيرة. ابتسمت ليان في هدوء. كانت تدرك أن خطتها تسير في الاتجاه الذي أرادته تمامًا، وأن كلمات نوح تكشف لها مدى تأثره بما فعلته. لكنها لم تشأ أن تضيف شيئًا، فاكتفت بابتسامتها وتركت الصمت يمتد بينهما للحظات. أما نوح، فظل ينظر إليها قبل أن يقول: — وهناك أمر آخر أريد التحدث معكِ بشأنه يا ليان. لدي بعض الأسئلة التي أود أن أطرحها عليكِ. أجابته بهدوء: — تفضل يا نوح، ما الأمر؟ تردد قليلًا قبل أن يقول: — أتذكرين آخر لقاء جمعنا؟ كنتِ حينها لا تطيقين وجودي إلى جواركِ، ولم تكوني ترغبين حتى في الجلوس معي. كان كل ما تتحدثين عنه هو رغبتكِ في الانفصال عني والعودة إلى حياتكِ السابقة. كنتِ
اقترب حازم و نوح، من الفتاتين، وما إن وصل إليهما حتى تبادل الرجال النظرات والابتسامات، قبل أن تتجه أنظارهم نحو ليان وسارة. ابتسم نوح وهو ينظر إلى ليان، بينما ابتسم حازم موجّهًا نظره إلى سارة، التي بدت عليها علامات الارتباك والخجل بوضوح. لم تكن سارة تتصنع تلك المشاعر كما تفعل ليان؛ فقد كانت مرتبكة بالفعل، ولا تعرف كيف تتصرف أمام نظرات حازم المعجبة التي لم يحاول إخفاءها. قال نوح مخاطبًا ليان: — ليان، هل يمكنني التحدث معكِ لبضع دقائق على انفراد؟ أريد أن أناقشكِ في أمر ما. أومأت ليان موافقة، ثم ألقت نظرة سريعة على سارة، التي ازداد اضطرابها فور أن أدركت أن صديقتها ستتركها وحدها مع حازم. لم تكن تلك المرة الأولى التي تجد فيها سارة نفسها واقفة مع حازم منذ بداية حفل عيد الميلاد، لكنها اعتادت في كل مرة أن تبحث عن أي حجة للابتعاد عنه. وكانت ليان، حين تلاحظ ذلك، تلمح لها بعينيها كي تأتي وتنقذها من الموقف، فتتدخل سارة على الفور وتقطع حديثها مع نوح. لكن الأمر بدا مختلفًا هذه المرة؛ فقد شعرت سارة أن حازم مصمم على البقاء معها وقتًا أطول، وأنه لن يسمح لها بالانسحاب بسهولة. أما نوح، فمن النظرة ال
صمت نوح، ولم يجد ما يقوله. أما حازم، فلم ينتبه إلى ما دار في نفس صديقه، وظل للحظات مستمتعًا بخياله، قبل أن يلتفت إليه ويسأله: — أخبرني يا نوح، ألم تفكر في اتخاذ خطوة جدية مع ليان؟ نظر إليه نوح وقال. — أي خطوة تقصد يا حازم؟ لم أفهم. قال حازم موضحًا: — أقصد أن تتحدث معها وتحاول إقناعها بأن تمنح زواجكما فرصة حقيقية. أخبرها أنك تريدها أن تبقى معك، وأنكما لا يجب أن تنفصلا. حاول أن تجعلها تعرف أن لديك مشاعر تجاهها، وأنك ترغب في أن تستمر حياتكما معًا. تنهد نوح، ثم قال بصوت هادئ: — الأمر ليس بهذه السهولة يا حازم. الكلام سهل، لكن تنفيذه أصعب بكثير. توقف قليلًا، ثم أضاف: — لقد أخبرتها بالفعل أنني انفصلت عن شيري. نظر إليه حازم باهتمام. — حقًا؟ وكيف أخبرتها بذلك؟ أجابه نوح: — كنا نتحدث، وجاء الكلام على ذكر شيري، فوجدت نفسي مضطرًا إلى إخبارها بالحقيقة بشأن انفصالنا. سأله حازم محاولا أن يبدو مهتماً. — وماذا كان رد فعلها؟ قال نوح: — بدت مصدومة، وسألتني كيف انتهى الأمر بيننا بعد كل تلك السنوات التي قضيناها معًا، وكيف يمكن لشخصين كانا يحبان بعضهما أن ينفصلا بهذه الس
مرّت قرابة ساعة على بداية الحفل، وكان نوح قد وصل إلى مرحلة من الضيق لم يعد قادرًا معها على إخفاء انزعاجه. فقد كان كلما اقترب من ليان وبدأ الحديث معها، ووجد فرصة ليتحدث إليها بحرية ويسألها عما يدور في ذهنه، ظهرت سارة فجأة لتأخذها منه، وتتركه واقفًا وحده من جديد. كان الأمر يثير غضبه، ليس لأنه يريد مجرد قضاء بعض الوقت معها فحسب، بل لأنه كان يحمل في داخله عشرات الأسئلة التي يتوق إلى الحصول على إجابة عنها. أراد أن يعرف ما إذا كانت تصرفات ليان في هذا اليوم مجرد تمثيل أمام أفراد العائلة، وأن إعدادها لحفل عيد ميلاده لم يكن سوى جزء من الدور الذي تؤديه، أم أن وراء تلك الابتسامات والنظرات الخجولة مشاعر حقيقية بدأت تتغير تجاهه. كان يريد أن يسألها بصراحة عما تقصده بكل ما فعلته، وأن يفهم حقيقة موقفها منه، لكنه لم يجد الفرصة المناسبة لذلك. وبينما كان يتابعها بعينيه من بعيد، تذكر آخر لقاء جمعهما في المقهى القريب من الجامعة، حين تحدثت معه بوضوح عن اللعبة التي يخوضانها، وسألته متى سينتهي كل شيء، ومتى سيعيد إليها حياتها التي فقدتها بسببه. لم يستطع أن ينسى كلماتها ولا الطريقة التي تحدثت بها إليه آنذ







