Share

صباح يشبه الحلم

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-22 00:53:50

أشعة الشمس الخافتة بدأت تدخل من النوافذ القديمة ببطء.

ولأول مرة منذ شهور طويلة…

لم يستيقظ أحد على صوت رصاص.

المنزل كان هادئًا بشكل غريب.

رائحة القهوة الضعيفة القادمة من المطبخ، وصوت البحر البعيد، والأطفال النائمون بسلام…

كل شيء بدا طبيعيًا لدرجة مؤلمة.

كأن العالم منحهم صباحًا ليس لهم.

في غرفة لارا…

كانت ما تزال نائمة فوق صدر جواد.

شعرها الأسود منتشر فوقه، وإحدى ساقيها متشابكة مع ساقه دون وعي.

أما هو…

فكان مستيقظًا منذ فترة.

يراقبها فقط.

هادئة. رخوة بين ذراعيه. وبعيدة تمامًا عن تلك المرأة الباردة التي يخشاها الجميع.

يده تحركت ببطء فوق ظهرها العاري، فتمتمت بضيق خافت وهي تدفن وجهها أكثر بعنقه.

ابتسم فورًا.

“صباح الخير.”

“اخرس.”

قالتها بصوت نائم متحشرج.

ضحك بخفوت.

ثم قبّل أعلى رأسها.

“عدنا للطفك المعتاد إذًا.”

فتحت عينًا واحدة ببطء، ثم نظرت له لثوانٍ طويلة.

وكأنها تستوعب أنه ما زال هنا.

“أكرهك.”

همستها خرجت هادئة جدًا.

“كاذبة.”

وللمفاجأة…

ابتسمت فعلًا.

ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.

ثم رفعت يدها ولمست آثار الجروح على كتفه.

“تأذيت كثيرًا أمس.”

“وأنتِ طعنتِ رجلًا حتى الموت.”

قالها وهو يرفع حاجبه.

“أظننا تجاوزنا مرحلة القلق الصحي.”

ضحكت بخفوت هذه المرة، ثم أسندت جبينها على صدره.

لكن بعد لحظات قصيرة…

عادت تلك النظرة البعيدة لعينيها.

لاحظها فورًا.

“بماذا تفكرين؟”

صمتت قليلًا قبل أن ترد.

“أن الهدوء يخيفني.”

شدها أقرب إليه فورًا.

“لن يحدث شيء اليوم.”

رفعت عينيها نحوه.

“أنت لا تعرف ذلك.”

اقترب منها أكثر، ثم همس قرب شفتيها:

“إذن دعيني أكذب عليكِ قليلًا.”

شيء داخلها لان فورًا.

ثم قبّلها مجددًا.

قبلة بطيئة هذه المرة. صباحية. ناعمة بشكل نادر بينهما.

لكنها لم تبقَ هادئة طويلًا.

لأن لارا، كعادتها، أشعلت كل شيء بسرعة.

أصابعها شدت شعره للخلف، بينما قبلته بعمق أكبر، وكأنها لا تريد التفكير بأي شيء سوى به الآن.

تنفس جواد بصعوبة خافتة، ثم قلبها تحته بسرعة جعلتها تضحك بخفوت.

“مجنون.”

“بسببك.”

ردها جاءت مباشرة قبل أن يعود لتقبيلها بجوع واضح.

وفي الخارج…

كان سليم بالمطبخ يحاول إعداد أي شيء صالح للأكل.

“هل هذه بيضة أم جريمة حرب؟”

قالتها كارما وهي تدخل المطبخ بشعر فوضوي.

نظر لها سليم ببرود.

“كليها أو اخرجي.”

ضحكت وهي تجلس فوق الطاولة.

لكنها توقفت فجأة حين شعرت بشخص يقف خلفها.

ياسين.

نظر لها بهدوء، ثم وضع كوب قهوة أمامها دون كلام.

تغير شيء خفيف داخل ملامحها فورًا.

شيء دافئ.

“هل تحاول إفسادي؟”

سألته وهي تمسك الكوب.

“متأخر على ذلك.”

قالها وهو يجلس بجانبها.

كارما ابتسمت رغماً عنها.

ثم قربت قدميها منه تحت الطاولة دون وعي.

حركة صغيرة… لكنها جعلته ينظر لها للحظة أطول.

“نمتِ جيدًا؟”

سألها بهدوء.

ولأول مرة منذ عرفها…

أجابت دون مزاح.

“أفضل ليلة منذ سنوات.”

أما في الغرفة الأخرى…

فكانت ليلان ما تزال نائمة.

لكن هذه المرة… بهدوء حقيقي.

آدم كان ما يزال جالسًا قرب النافذة، رغم أن الفجر انتهى منذ وقت طويل.

لم ينم دقيقة واحدة.

عندما فتحت ليلان عينيها أخيرًا، تجمدت للحظة حين رأته هناك.

“أنت… لم تنم؟”

سألته بصوت متعب.

هز كتفيه ببساطة.

“كنت أراقب الباب.”

عرفت أنه يكذب.

لكنه لم يبدُ كشخص يريد الاعتراف بالحقيقة.

حاولت الجلوس، لكن الألم جعلها تنكمش فورًا.

توتر جسد آدم بالكامل دون وعي، فاقترب منها بسرعة.

“ببطء.”

قالها بصوت أخفض من المعتاد.

نظرت له بصمت قصير.

ثم لاحظت شيئًا غريبًا.

هو لا ينظر لها بنفس الطريقة القديمة.

لا كأداة. ولا كشخص غير مهم.

بل بحذر شديد… كأنه يخاف كسرها.

“لماذا ساعدتنا؟”

سألته فجأة.

صمت طويل مرّ بينهما.

ثم قال أخيرًا:

“لأن جواد كان سيحترق معهم.”

“فقط لهذا السبب؟”

رفع عينيه لها أخيرًا.

وكان هناك شيء مرتبك داخل نظرته لأول مرة.

شيء لم يفهمه حتى هو.

“نعم.”

قالها سريعًا أكثر من اللازم.

فهمت أنه يكذب.

لكنه هو نفسه لا يعرف ذلك بعد.

وفي الصالة…

بدأ الأطفال يستيقظون تدريجيًا.

ضحكات صغيرة بدأت تظهر بالمكان.

طفل صغير ركض نحو سليم وهو يطلب الطعام، فنظر له سليم لثوانٍ بجمود…

ثم أعطاه قطعة خبز بهدوء.

كارما انفجرت ضاحكة.

“يا إلهي… سليم يملك قلبًا!”

“سأقتلك.”

قالها ببرود، لكن الطفل كان بالفعل جالسًا بحضنه الآن.

ولأول مرة منذ زمن طويل جدًا…

بدا المشهد كله طبيعيًا تقريبًا.

عائلة غريبة، مكسورة، وملطخة بالدماء…

لكنها تحاول العيش رغم ذلك.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الهروب من الجحيم

    الانفجار الذي ضرب السقف لم يكن مجرد اهتزاز. كان انهيارًا كاملًا. الحديد المشتعل سقط بينهم بعنف، والنار انفجرت داخل الممرات الجانبية كوحش خرج أخيرًا من قفصه. الصراخ ارتفع. الدخان غطى الرؤية. والحرارة أصبحت خانقة خلال ثوانٍ. “لارا!” صوت جواد اخترق الفوضى بعنف. لكنه لم يرها. الانهيار فصلهم. جدار كامل من المعدن والنار سقط بينه وبينها. “تبًا!” صرخ وهو يندفع نحو الحطام. لكن الحرارة كانت مرعبة. حتى هو اضطر للتراجع لحظة عندما انفجر أنبوب غاز قريب. على الجهة الأخرى… لارا سقطت أرضًا بعنف. أذناها تصفران. ورأسها يدور بشدة. لكن أول شيء رأته عندما رفعت عينيها… كان الجدة. تقف وسط الدخان وكأن الجحيم لا يمسها. “قفي.” قالتها الجدة بهدوء. لارا نهضت بصعوبة وهي تسعل بعنف. “أين أمي؟” خرج السؤال منها فورًا. بلا تفكير. الجدة راقبتها لثوانٍ طويلة. ثم قالت: “إذا أردتِ الحقيقة… تعالي معي.” “لا تستمعي لها!” جواد كان يصرخ من الجهة الأخرى. يضرب الحطام المعدني بعنف محاولًا الوصول إليها. لكن لارا بالكاد سمعته. كل شيء داخل رأسها كان ينهار. أمها حية؟ هاربة؟ كل هذه السنوات؟ “أنتِ تكذبي

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الأخ الذي لم يمت

    الصمت داخل غرفة الاحتجاز أصبح حيًا. ثقيلاً. باردًا. وممتلئًا بشيء أسوأ من الخوف. الكل كان ينظر للرجل الواقف آخر الغرفة. للابتسامة المشوهة فوق وجهه. ولعينيه اللتين بدتا فارغتين… ومجنونتين في الوقت نفسه. لكن أكثر شخص تجمد فعلًا… كان كيان. “أخي.” كررها الرجل بصوت متقطع غريب. ثم أخذ خطوة للأمام. السلاسل الملتفة حول ذراعه أصدرت صوتًا معدنيًا حادًا. لارا لاحظت فورًا أن كيان لم يرفع سلاحه. وهذا وحده كان مرعبًا. لأن كيان قتل رجالًا دون أن يرمش. أما الآن… فكان واقفًا كأن الماضي خنقه فجأة. “ظننتك ميتًا.” قالها أخيرًا. صوته خرج منخفضًا، وخاليًا تقريبًا من بروده المعتاد. الرجل ضحك. ضحكة خشنة مكسورة. “هذا ما أخبروك به؟” ثم اقترب أكثر. الأضواء الحمراء المتقطعة كشفت أخيرًا ملامحه بوضوح. ندوب كثيرة. حروق قديمة. وعينه اليسرى باهتة بشكل شبه أعمى. لكن رغم كل ذلك… كان يشبه كيان بشكل مخيف. “يا إلهي…” همست كارما. أما جواد… فضاقت عيناه فورًا. لأنه فهم شيئًا مهمًا. هذا الرجل ليس مجرد ناجٍ. إنه واحد من “البدايات”. من الجيل الأول للتجارب. “ابتعدوا.” قالها جواد بهدوء وهو يتحر

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   العدّ التنازلي الأخير

    اللون الأحمر غرق به المختبر بالكامل.الأضواء تومض بجنون. الإنذارات تصرخ دون توقف. والحرارة بدأت ترتفع تدريجيًا داخل الممرات المعدنية.لكن رغم كل ذلك…لم تستطع لارا إبعاد عينيها عن جدتها.أو بالأصح…عن المرأة التي قضت سنوات طفولتها تناديها “تيتا”، ثم اكتشفت فجأة أنها أصل الكابوس كله.“الحرق الكامل.”كرر سليم الكلمة بتوتر.“ماذا يعني ذلك بالضبط؟”كيان أبعد نظره عن الشاشة أخيرًا.وجهه كان أبرد من المعتاد، لكن التوتر داخل عينيه كان واضحًا هذه المرة.“يعني أن النظام سيغلق جميع المخارج، ثم يضخ غازًا حارقًا داخل الطوابق السفلية.”صمت لحظة.“وبعدها سيفجر المنشأة بالكامل.”“يا سلام.”تمتم ياسين بسخرية عصبية.“ليلة رومانسية فعلًا.”لكن أحدًا لم يضحك.لأنهم فهموا شيئًا مهمًا:هذه ليست مجرد محاولة قتل.بل تنظيف كامل.محو. إبادة. دفن لكل الأسرار.“هناك مخرج آخر.”قالت الجدة فجأة بهدوء.الجميع التفت نحوها فورًا.أما كيان فضاقت عيناه بريبة.“ما زال موجودًا؟”ابتسمت بخفوت.“أنا من صمم هذا المكان.”“ولماذا نصدقك أصلًا؟”سأل آدم بحدة وهو يبقي ليان خلفه.الجدة نظرت إليه للحظة.“لأنكم ستموتون خلال أقل من

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الجدة

    الصمت الذي سقط داخل المختبر كان أسوأ من إطلاق النار. أسوأ من الإنذارات. وأسوأ حتى من العدّ التنازلي للموت. لأن الجميع رأى شيئًا واحدًا بوضوح مرعب: كيان خاف. المرأة خرجت من الظلام بخطوات هادئة ثابتة. فستان أسود طويل. شعرها الفضي مرتب بعناية. ووجهها يحمل ذلك الهدوء المخيف الذي يجعل الشخص يبدو أخطر من أي سلاح. رجال الفرقة السوداء توقفوا فور ظهورها. أنزلوا أسلحتهم قليلًا. كأن وجودها وحده أمر. أما لارا… فتجمدت بالكامل. الهواء اختفى من صدرها دفعة واحدة. وعيناها اتسعتا ببطء شديد وهي تحدق بالمرأة. لا. هذا مستحيل. “تيتا…؟” خرجت منها الهمسة مرتجفة بشكل صدم الجميع. سليم التفت نحوها بصدمة. “ماذا؟” أما ليلان… فتراجعت خطوة للخلف وكأن الأرض اختفت تحتها. حتى وجهها شحب بالكامل. “لا…” همستها خرجت مكسورة. “لا… لا يمكن…” المرأة ابتسمت ابتسامة صغيرة هادئة. تلك الابتسامة المألوفة. الابتسامة نفسها التي كانت تضعها وهي تمشط شعرهما وهما صغيرتان. وهي تطعمهما. وهي تخبرهما أن كل شيء سيكون بخير. لكن الآن… بدت مرعبة. “كبرتما كثيرًا.” قالتها الجدة بهدوء. وكأنهم ليسوا وسط مجزرة وانفجارا

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الإبادة

    الرسالة الحمراء ظلت تومض فوق جميع الشاشات. INTERNAL PURGE ACTIVATED وصوت الإنذار تغيّر بالكامل. لم يعد مجرد تحذير. بل أصبح أشبه بعدٍّ تنازلي للموت. “ما معنى هذا؟” سأل آدم بحدة وهو يشد ليان نحوه أكثر. لكن كيان كان الوحيد الذي بدا وكأنه فهم فورًا. ولأول مرة منذ عرفوه… ظهر شيء قريب من القلق الحقيقي بعينيه. “إنهم يمسحون كل شيء.” قالها ببطء. “الملفات. المختبرات. الشهود.” ثم رفع عينيه نحو الجنود المنتشرين حولهم. “ونحن ضمن الشهود.” الصمت انفجر داخل القاعة. “تبًا.” همس سليم. أما الجنود أنفسهم… فبدأ التوتر يظهر عليهم لأول مرة. أحدهم ضغط على السماعة بأذنه بعصبية. “سيدي؟” لا رد. “سيدي!” فجأة— انقطع الاتصال بالكامل. صوت تشويش حاد دوّى بالمكان. ثم… الصمت. “لقد قطعوا النظام المركزي.” قال كيان ببرود. “هذا يعني أنهم قرروا التضحية بالجميع هنا.” “حتى رجالهم؟” سألت كارما بصدمة. “خصوصًا رجالهم.” رد بهدوء قاتل. “المنظمة لا تترك أثرًا.” توتر الجنود ازداد فورًا. بعضهم بدأ يتبادل النظرات. آخرون تراجعوا خطوة للخلف. الخوف بدأ ينتشر بينهم بوضوح. أما والد لارا… فظلت صورت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الفتاة التي خرجت من النار

    النقاط الحمراء انتشرت فوق أجسادهم جميعًا.على الصدور. الرؤوس. حتى الأطفال.وفي اللحظة نفسها…انفتحت الأبواب المعدنية المحيطة بالقاعة دفعة واحدة.خرج رجال مسلحون بملابس سوداء بالكامل، وجوههم مخفية، وحركتهم متطابقة بشكل مخيف.كأنهم نسخ من بعضهم.“لا تتحركوا.”صدر الصوت عبر السماعات ببرود آلي.“أي مقاومة ستقابل بالإعدام الفوري.”ليلان رفعت سلاحها فورًا.“تبًا لهذا!”لكن آدم أمسك ذراعها بسرعة.“لا.”قالها بحدة منخفضة.“سيقتلون الأطفال أولًا.”تجمدت للحظة.ثم نظرت نحو الأطفال الملتصقين بكارما بخوف، فأنزلت سلاحها ببطء وهي تلهث غضبًا.لكن عينيها بقيتا مليئتين بالعنف.أما لارا…فكانت بالكاد تسمع شيئًا حولها.صوت أبيها فقط كان يتكرر داخل رأسها بلا توقف.“أخيرًا بدأت ذاكرتكِ تعود.”والذكريات التي انفجرت قبل لحظات ما زالت تخنقها.الدم. صراخ أمها. الرصاصة.جواد وقف أمامها بالكامل الآن.جسده حاجز بينها وبين البنادق.غريزيًا. كما يفعل دائمًا.وكأنه حتى الآن ما زال مستعدًا أن يأخذ الرصاص بدلًا عنها دون تفكير.كيان راقب الجنود بصمت بارد.ثم تحرك خطوة للأمام.فورًا، تحولت عدة أسلحة نحوه.لكن أحد الرجا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status