LOGINلم يكن طارق كذاباً عادياً من أولئك الذين ينسون أكاذيبهم بعد خمس دقائق. طارق كان "مهندساً" للأكاذيب. كان يؤمن أن الكذبة الناجحة يجب أن تحترم قوانين الفيزياء، وعلم النفس، والاقتصاد العالمي. كان يقول دائماً لسامح: "الناس لا تكشف الكذب لأنه غير حقيقي، بل لأنه غير منطقي. أعطهم سياقاً سببياً متسلسلاً، وسيبتلعون الطُعم وهم يبتسمون".
View Moreالجزء الأول: نظرية الفراشة والكرواسون
لم يكن طارق كذاباً عادياً من أولئك الذين ينسون أكاذيبهم بعد خمس دقائق. طارق كان "مهندساً" للأكاذيب. كان يؤمن أن الكذبة الناجحة يجب أن تحترم قوانين الفيزياء، وعلم النفس، والاقتصاد العالمي. كان يقول دائماً لسامح: "الناس لا تكشف الكذب لأنه غير حقيقي، بل لأنه غير منطقي. أعطهم سياقاً سببياً متسلسلاً، وسيبتلعون الطُعم وهم يبتسمون". بدأت الحكاية في مقهى "لو شاتو" الهادئ وسط المدينة. كانت ياسمين تجلس هناك كل يوم ثلاثاء في تمام الساعة الخامسة مساءً، تشرب القهوة الأمريكية السوداء وتقرأ رواية ما. وطارق؟ طارق كان يجلس على الطاولة المقابلة، يتأملها كعاشق عذري في القرن التاسع عشر، ولكنه يرتدي سترته الحديثة. "اليوم سأحدثها يا سامح،" قال طارق وهو يراقبها بنظرات ثاقبة. رد سامح دون أن يرفع عينه عن هاتفه: "ممتاز. اذهب وقل لها: مرحباً، أنا طارق، وأريد التعرف عليكِ. البساطة تصنع المعجزات". سخر طارق: "بساطة؟ هل تعتقد أننا في فيلم أبيض وأسود؟ ياسمين فتاة تقرأ لـ 'أومبرتو إيكو'، لا يمكنك أن تدخل حياتها بكلمة 'مرحباً'. يجب أن يكون هناك حدث، رابط كوني، سبب منطقي يفسر لماذا يتحدث شخصان غريبان في عصر العزلة الرقمية!". بدأ عقل طارق "المنطقي" يعمل بسرعة فائقة. لاحظ أن ياسمين وضعت حقيبتها الجلدية على الكرسي المجاور لها، وأن هناك بقعة صغيرة من المطر بدأت تهطل بالخارج. كما لاحظ أن النادل يمر بصعوبة بين الطاولات المزدحمة. قام طارق من مكانه، وعدّل ياقته، واقترب من طاولتها بهدوء وثقة أثرياء الحرب. التفتت إليه ياسمين عندما توقف أمامها تماماً. انحنى قليلاً وقال بصوت خفيض ولهجة درامية: "معذرةً يا آنسة.. أرجو ألا تتحركي، ولا تنظري خلفكِ الآن بحركة مفاجئة". رفعت ياسمين حاجبيها بدهشة، وظهرت على وجهها علامات القلق: "عفواً؟ من أنت؟ وماذا هناك؟" جلس طارق على الكرسي المقابل لها مباشرة دون إذن، وبدت عليه علامات الجدية البالغة. قال: "أنا طارق، مهندس استشاري في ديناميكا السوائل وإدارة الأزمات البيئية. وأنا هنا لإنقاذ حقيبتكِ.. وحياتكِ المهنية ربما". نظرت ياسمين إلى حقيبتها ثم إليه: "حقيبتي؟ ما بها؟" هنا بدأ "الكدب المنطقي" يتدفق من فم طارق بسلاسة مذهلة: "المنطق البسيط يقول كالتالي: بالخارج بدأت أمطار خفيفة محملة بنسبة عالية من الكبريت بسبب التلوث الصناعي في الضواحي. النادل الذي يمر خلفكِ الآن يحمل صينية عليها كوب 'شوكولاتة ساخنة' زائد الوزن بمقدار 20 غراماً، وهو يعاني من عرج خفيف في قدمه اليسرى يجعله يميل بزاوية 4 درجات عند المنعطف. إذا تحركتِ الآن، سيرتبك، يختل توازنه، وتتحلل الشوكولاتة الساخنة بفعل الرطوبة لتسقط مباشرة على حقيبتك المصنوعة من جلد السويد الطبيعي، والذي -كما تعلمين- يتلف فوراً إذا تعرض لمركب سكري ساخن في بيئة رطبة. أنا لست هنا لأتطفل، أنا هنا لأنني كعالم، لا أحتمل رؤية كارثة سببية تحدث أمام عيني دون التدخل". رمشته ياسمين بعينيها عدة مرات. الكلام بدا معقداً، علمياً، ومليئاً بالتفاصيل التي لا يمكن لشخص أن يخترعها على الفور. سألته بذهول: "ديناميكا سوائل؟ وعرج النادل؟ هل أنت جاد؟" ابتسم طارق بثقة: "تماماُ. المنطق لا يمزح". في تلك اللحظة بالذات، وبينما كان طارق يهنئ نفسه داخلياً على هذه الحبكة الأسطورية، حدث ما لم يكن في الحسبان. النادل، الذي لم يكن أعرجاً على الإطلاق بل كان مراهقاً نشيطاً، تعثر فعلياً بسلك المذياع الأرضي للمقهى! تمايلت الصينية في يده، وبشكل يثير الرعب، طار كوب "الشوكولاتة الساخنة" في الهواء. لم يكن لدى طارق وقت للتفكير. المنطق تبخر وحلت غريزة البقاء الرومانسية. ارتمى طارق بجسده فوق الطاولة كبطل خارق يحمي مدنياً من قنبلة. استقر كوب الشوكولاتة الساخنة بالكامل على ظهر سترة طارق الفاخرة، وتناثرت بضع قطرات على وجهه، بينما بقيت حقيبة ياسمين آمنة تماماً تحت ذراعيه! ساد الصمت في المقهى. صرخ النادل باعتذارات حارة، وتجمع الزبائن. أما ياسمين، فقد كانت تنظر إلى طارق الذي يقطر شوكولاتة كأنه هبط للتو من كوكب آخر. امتدت يدها لتأخذ منديلاً وتمسح وجنته، وعيناها تلمعان بإعجاب غير مسبوق. "يا إلهي!" همست ياسمين بنبرة منبهرة تماماً: "لقد حدث ذلك فعلاً! النادل تعثر، والشوكولاتة طارت! أنت.. أنت لست مهندساً عادياً، أنت عبقري! لقد تنبأت بالحادثة بالثانية والزاوية!". طارق، ورغم الألم الحارق للشوكولاتة على ظهره، حافظ على هدوئه الدبلوماسي، ومسح وجهه وقال بنبرة متواضعة: "قلت لكِ.. إنه المنطق السببي. أنا فقط قمت بالحسابات في عقلي. الحمد لله أن حقيبتكِ بخير". من زاوية المقهى، كان الصديق سامح يضرب جبهته بكف يده، وهو لا يصدق كيف أن الصدفة العمياء قررت أن تدعم كذبة طارق المجنونة وتحوله إلى "بطل فيزياء الشوكولاتة". قالت ياسمين وهي تجر كرسيا لكي يجلس طارق: "أرجوك، يجب أن تجلس. يجب أن أشتري لك سترة جديدة، أو على الأقل أدعوك على عشاء كتعويض عن هذه التضحية العلمية الرائعة. أنا ياسمين، بالمناسبة". ابتسم طارق ابتسامته الساحرة، ورغم أن ظهره كان يحترق، إلا أن قلبه كان يرقص فرحاً: "تشرفنا يا ياسمين. وقبول العشاء هو الخيار الوحيد المنطقي هنا". وهكذا، نجحت الكذبة الأولى، ليس لأنها كانت منطقية، بل لأن الحظ قرر أن يكون شريكاً في الجريمة الرومانسية. لكن طارق لم يكن يعلم أن الحفاظ على هذا المستوى من "الذكاء الخارق" أمام ياسمين سيتطلب منه أكاذيب أكبر.. وكوارث أشد في الأيام القادمة. إلى جميع القراء الأعزاء والقلوب الشغوفة التي رافقتنا في هذه الرحلة الممتعة، كلمات الشكر والامتنان تقف عاجزة أمام روعة متابعتكم ودعمكم المستمر الذي يمنحنا الشغف لنستمر في العطاء والكتابة. إن كل قراءة، وكل تعليق، وكل دقيقة تمنحونها لسطورنا تشكل لدينا دافعاً كبيراً لتقديم الأفضل دوماً وصناعة محتوى يليق بآرائكم الرفيعة.الجزء الرابع والعشرين: حصن جنيف وعالم النانو البيولوجي المستترلم يكن المختبر الفائق التابع لمنظمة الصحة العالمية في جنيف مكاناً عادياً، بل كان قبوًا معزولاً ومضغوطاً تحت الأرض، محاطاً بحقول تعقيم هوائي وأنظمة فلترة نانوية لا تسمح بمرور ذرة غبار واحدة. هبطت المروحية الدبلوماسية وسط الضباب السويسري، ونزل طارق يرتدي معطفاً مخملياً أبيض ناصعاً بنقوش طبية دقيقة ونظارات ذات عدسات مكبرة خفيفة منحت ملامحه وقار عباقرة الهندسة الوراثية، وبجانبه ياسمين التي كانت ترتدي وشاحاً حريرياً وتنظر إليه كأنه "المخترع الأول لشفرة الـ DNA البشري".وفي مؤخرة الوفد، كان اللواء عاصم يتفحص بوابات الحجر الصحي بحسه الأمني الصارم، وبجانبه سامح الذي كان يرتدي بدلة عزل بيولوجي كاملة (Hazmat Suit) تجعله يبدو كرواد فضاء من العصر الحجري، وهمس في أذن طارق بصوت يرتجف من خلف قناع التنفس:"الفيروسات والميكروبات النانوية يا طارق؟ بعد نيزك الفضاء وصلنا إلى عالم الخلايا! هؤلاء علماء بيولوجيا جزيئية ومحللو جينات أمضوا حياتهم يدرسون الطفرات تحت المجهر الإلكتروني! هناك سلالة ميكروبية تجريبية متحورة نامية في خطوط الإنتاج، لو سأ
الجزء الثالث والعشرين: منصة كيب كانافيرال والمسار الجاذبي المستترفي مركز التحكم الفضائي الأكثر تقدماً على وجه الأرض، كانت الأجواء مشحونة بالرعب الصامت. ترجل طارق من سيارة السلك الدبلوماسي الفاخرة وهو يرتدي بذلة زرقاء داكنة ذات تصميم "أيروديناميكي" مستقبلي، تزيّنها شارات فلكية رفيعة، وبجانبه ياسمين التي كانت ترتدي زياً أبيض شاهقاً كأنها رائدة فضاء من نسيج الخيال، وهي تمسك بجهاز لوحي يعرض إحداثيات السماء، وتنظر إليه بعيون تفيض بقداسة العشق العلمي المطلق، واثقة بأن جاذبية كوع زوجها أقوى من جاذبية الثقوب السوداء.وفي الخلف، كان اللواء عاصم يتأمل شاشات الرادار العملاقة بصرامة جنرال يستعد لحرب النجوم، وبجانبه سامح الذي كان يرتدي خوذة فضاء زجاجية مقلوبة فوق رأسه لحمايته من أي "أشعة كونية متسربة" ويبدو كالمخلوقات الفضائية المذعورة، واقترب من طارق وهمس له بنبرة يملؤها اليأس الفلكي المطلق:"طارق! أرجوك، فلنعد إلى بورا بورا أو حتى إلى مفاعل فيينا المشع! نحن هنا في قلب 'ناسا'! هذا الجدار الذي أمامك يمتلئ بخرائط التلسكوبات الفضائية، وهناك كويكب عملاق أطلقوا عليه اسم 'أبوفيس-2' انحرف عن حزام الكو
الجزء الثاني والعشرين: حصن فيينا والانشطار الحراري المستترلم يكن مقر "المنظمة الدولية للطاقة الذرية" في فيينا مجرد مبنى إداري، بل كان أشبه بقلعة محصنة تحت الأرض تحيط بها جدران من الرصاص والخرسانة المسلحة بسماكة خمسة أمتار. ترجل طارق من سيارة الليموزين السوداء الفاخرة وهو يرتدي معطفاً شتوياً طويلاً من الصوف الكشميري الأسود، يحمل هيبة كبار المفتشين الدوليين، وبجانبه ياسمين التي كانت ترتدي زياً رسمياً أنيقاً وتمسك بملف يحمل شعار "الطاقة النظيفة والتحكم الذري"، وتنظر إليه كأنه "الآب الروحي للفيزياء النووية الحديثة".وفي الخلف، كان اللواء عاصم يتفحص بوابات الفحص الإشعاعي بيقظة عسكرية مطلقة، وبجانبه سامح الذي كان يرتدي بدلة واقية من الإشعاع باللون الأصفر الفاقع تحت معطفه، ويحمل جهاز "عداد جيجر" (Geiger Counter) لقياس الإشعاع، ويهمس لطارق برعب ذري هستيري:"إلى أين جئنا يا طارق؟ البركان والذكاء الاصطناعي كانا أرحم! نحن هنا في مواجهة مفاعل نووي تجريبي اسمه 'ثيربوس-X' يعتمد على 'الانشطار الكوانتي المتسلسل'، وقد حدث فيه خلل في قضبان التحكم (Control Rods) وارتفعت حرارة اللب إلى 4000 درجة مئوية!
الجزء الحادي والعشرين: جزيرة بورا بورا وأزمة التناضح الملحي المستتربعد التتويج التاريخي في نيويورك، قرر طارق الهروب من فلاشات الصحافة وعدسات القنوات العالمية لقضاء إجازة استرخاء ملكية في جزيرة "بورا بورا" الساحرة في المحيط الهادئ. كان طارق يستلقي على شاطئ رملي أبيض ناصع، يرتدي قميص سفاري مشجراً بنقوش استوائية فاخرة ونظارة شمسية عاكسة، ممسكاً بكوب من عصير جوز الهند الطازج. بجانبه ياسمين بفستان صيفي رقيق، تتأمل مياه المحيط الفيروزية ثم تلتفت لطارق بنظرات تفيض بعشق أسطوري دائم وهي تهمس: "طارق، حبيبي.. حتى أمواج المحيط هنا تبدو وكأنها تهبط بهدوء احتراراً لنواميس المنطق التي تفرضها على الطبيعة".وفي الجانب الآخر، كان اللواء عاصم يرتدي ملابس رياضية عسكرية ويقوم بتمارين الصباح على الشاطئ بجدية حربية، وبجانبه سامح الذي كان يرتدي قبعة قش عملاقة ويغطي وجهه بطبقة سميكة من كريم واقي الشمس ويبدو كشبح أبيض، واقترب من طارق وهمس له بنبرة يملؤها اليأس الاستوائي الصافي:"إجازة يا طارق؟ في وسط المحيط الهادئ؟ هذه الجزيرة تحتوي على 'أكبر محطة دولية تجريبية لتحلية مياه البحر بالطاقة الجيوديناميكية' تغذي





