Share

الفصل التسعون

Author: Noona
last update publish date: 2026-06-30 11:31:16

ارتسمت على وجه القاهرة ملامح فجرٍ جديد يحمل طمأنينةً لم تعهدها المدينة منذ سنوات، فجرٍ يخلع ثوب الصراعات الطاحنة والمطاردات الليلية في السراديب، ليرتدي ثوب البناء، والترميم، والبدء من جديد. غادرت الشاحنة الزرقاء غبار المعارك، واستقرت أخيراً في باحة هادئة تطل على مياه النيل عند منطقة المعادي، حيث تهمس أشجار الصفصاف للمياه العذبة بحكايات السلام والاستقرار.

انتهى زمن الاختباء ومواجهة الكارتلات الدولية، فمع إغلاق الملفات القديمة بالشمع الأحمر وبسط السيادة الكاملة على دفاتر الأرض وطاقتها، انفتح بابٌ عريض لصفحات جديدة بيضاء تماماً، صفحات لا يُكتب فيها بمداد الخوف والتوجس، بل بحبر الشغف، والإعمار، والمشاعر الدافئة التي أخذت تلوح في الأفق كشمس دافئة لا تغيب.

كان عماد يجلس على شرفة خشبية تطل على النهر مباشرة، وبجانبه الكشكول الجلدي الصغير. لكنه لم يعد يفتحه مرتعش اليدين بحثاً عن شفرة أو مخرج من مأزق؛ بل كان يفتحه ليدون فيه فصلاً جديداً من البناء الروحي والفكري. وبجانبه، كانت سارة ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، تختفي خلف ملامحها القمحية كل آثار الإجهاد القديم، وتحل محلها سكينة عميقة تفيض بالحب واليقين.

أمسكت سارة بيد عماد، ولم تكن الضغطة هذه المرة تنبيهاً لخطر قادم أو تحفيزاً لمعركة؛ بل كانت نبضة حب خالصة وتلاحماً روحياً يعلن بداية عمر جديد. نظرت إلى عينيْه وقالت بنبرة عذبة يملأها الأمل والطاقة الإيجابية:

"عماد.. لأول مرة من سنين، بحس إن النسمة اللي جاية من النيل مش شايلة ريحة بارود أو ورق محروق. قفلنا الدفاتر القديمة وحمينا التاريخ، والنهاردة إحنا قدام بداية حقيقية.. بداية نبني فيها اللي اتكسر، ونزرع في الأرض اللي حرسناها. تفتكر الحكاية الجديدة شكلها إيه؟"

ابتسم عماد ونظر إلى صفحة المياه الفضية، ثم وضع قلمه الجاف الأسود على الورق المصقول، وبدأ يخط حروفاً تتدفق بالحياة والحماس الهادئ، بعيداً عن صخب السلاح والمكائد:

> *"تبدأ الحكاية الحقيقية عندما تصمت المدافع وتنتهي المطاردات، ليتحول حراس الأرض إلى بناة فجرها. نحن لا نغلق الدفاتر لنيأس أو لنرتاح راحة الخمول، بل لنفتح صفحات جديدة من الإعمار، والتعليم، وترميم الأرواح التي أنهكتها الأيام. المعركة الجديدة هي معركة الوعي، معركة الحب الذي ينبت وسط الركام ليصنع جدار حماية أقوى من الحديد.. جداراً من القلوب المؤمنة بالحق والجمال والمستقبل. صفحاتنا القادمة ممتدة بامتداد النهر، تروي قصة أمة قررت أن تعيش السلام بكل طاقاتها، وتشرع أبوابها للأمل دون نهاية."*

لم تكن البدايات الجديدة تعني التوقف عن الحركة، بل كانت تعني تحول الطاقة التدميرية للصراع إلى طاقة إبداعية خلاقة ومثمرة. وفي إطار هذا التحول الشامل، انتقل الأبطال برفقة الجهات السيادية والتنموية إلى قلب القاهرة التاريخية—ولكن هذه المرة ليس لمطاردة هارب أو البحث عن سرداب مفقود، بل لافتتاح المشروعات القومية لـ **"إحياء وترميم التراث الإنساني والمعماري"** لإعادة البريق لبيوت الحارة القديمة ووكالاتها الأثرية.

هناك، وسط رائحة الأخشاب العتيقة والملاط الجيري التقليدي وأزاميل النحاتين، التقت المجموعة بشخصية ملهمة تمثل روح البناء الجديد.. **"الدكتور يوسف المنشاوي"**، الأستاذ المتميز في الهندسة المعمارية وإعادة إحياء المدن التراثية بوزارة الآثار، وهو رجل في أوائل الأربعينيات، يتفجر حماساً وطاقة، وعيناه تشعان بشغف حقيقي لترميم كل حجر يحمل ملامح الهوية المصرية والشرقية.

كان الدكتور يوسف يقف وسط فناء "وكالة الغوري" المرممة حديثاً، ومعه مخططات هندسية ملونة تعيد رسم الفراغات العمرانية وتحويلها إلى مراكز ثقافية ومراسم للفنون المستدامة لشباب الأجيال الجديدة.

"أهلاً بكم يا حماة الهوية،" قال الدكتور يوسف بصوت دافئ ونبرة تتدفق بالطاقة الحيوية وهو يرحب بعماد وسارة. "الأستاذ عاصم الجارحي أخبرني أنكم حركتم الصخر لحماية أصول هذه الخرائط. والنهاردة، دورنا نحول الأوراق دي لواقع حي وجميل. إحنا مش بس بنرمم جدران وحجر مات من قرون؛ إحنا بنعيد الروح للحارة، وبنخلق مساحات أمل للشباب عشان يتعلموا الفنون، والحرف، والتكنولوجيا المدمجة اللي بتربط الماضي بالمستقبل بعيداً عن أي صراع أو تدمير!"

تقدمت سارة وعيناها تلمعان ببهجة حقيقية وجديدة: "يعني الكشكول والختم القديم هيكونوا جزء من توثيق الجمال ده يا دكتور يوسف؟"

"بالتأكيد يا فندم،" رد يوسف المنشاوي وهو يبسط خريطة الإحياء العمراني الشامل فوق طاولة خشبية عتيقة. "الختم المرجعي الخديوي الخالص مش أداة للحرب وبس، ده أعلى وثيقة سيادية وجمالية بتعتمد 'الهوية المعمارية المستدامة' للبلد. لما عماد يوثق الختم ده على السجل الذهبي للمشروع، هنعلن للعالم إن تاريخنا مش للبيع ولا للاختراق، وإنه بقى منبع لطاقة الإبداع والبناء لجيل بكره!"

في خطوة تعكس عمق المشاعر الجديدة والآفاق الشاسعة التي تلوح في الأفق، تم دمج برامج الترميم المعماري مع إطلاق **"واحة الفنون التشكيلية والموسيقى التناظرية المستدامة"** في حديقة الأزهر، حيث يلتقي الخَضار الممتد بروح التاريخ الفاطمي الشامخ.

وفي فناء مركز الفنون الجديد، ظهرت شخصية تفيض بالرقة والإبداع الخالص.. **"الفنانة ليلى الحكيم"**، الرسامة والنحاتة المصرية العالمية، وهي شابة في أواخر العشرينيات، تميزت بأسلوبها الفريد في دمج الألوان الزيتية المستخلصة من طمي النيل والأحجار الطبيعية مع الفنون الرقمية التناظرية المتقدمة. كانت ترتدي ثوباً ملطخاً بألوان زاهية كقوس قزح، وتحمل فرشاتها كأنها عصا سحرية تنشر السلام والجمال في الأرجاء.

"أهلاً وسهلاً،" قالت ليلى بصوت يشبه عزف العود الهادئ وهي تبتسم لعماد وسارة. "أنا كنت بانتظاركم عشان نبدأ سوا جدارية **'فجر السيادة والسلام'** على الواجهة الرئيسية للمركز الثقافي. الصراعات القديمة انتهت، بس طاقتها لازم تتحول لألوان، ونور، وحركة تملأ قلوب الناس بالأمل والحماس للمستقبل!"

| الدكتور يوسف المنشاوي ومخططات الترميم المعماري | الفنانة ليلى الحكيم وجدارية "فجر السيادة والسلام" |

| توثيق السجل الذهبي بالختم المرجعي الخديوي | تحويل طمي النيل والأحجار الطبيعية إلى فنون بصرية |

| تحويل الوكالات الأثرية لمراكز ثقافية للشباب | دمج الموسيقى التناظرية مع الطمأنينة الروحية للنهر |

انخرط الجميع في ورشة عمل وبناء عملاقة ممتلئة بالحماس والطاقة الإيجابية الشديدة. تقدم منصور الطوبجي، حاملًا هذه المرة أدوات النحت والنجارة الدقيقة بدلاً من عتلته الحديدية الغليظة، وبدأ بمهارته الدمياطية الفطرية الأسطورية في خرط وتشكيل المشربيات الخشبية والأبواب العتيقة لتعود للحياة برونق وبهاء سحر الأزمان؛ بينما كانت نادين الشاذلي وشمس السيناوية تساعدان الفتيات والشباب في تنظيم معارض الحرف اليدوية والمشغولات الفضية التي تعبر عن سيادة الروح وأصالة الأرض الهادئة.

في هذه الأثناء، تقدم عماد وسارة صوب السجل الذهبي المصنوع من ورق البردي الفاخر المخصص لتوثيق الهوية المعمارية المستدامة للقاهرة. أمسك عماد بالختم المرجعي الخديوي الخالص، ووضعه برفق وهدوء تامين وسط ورقة البردي المرجعية الكبرى بحضور الدكتور يوسف والفنانة ليلى وكافة أهالي وشباب الحارة المبتهجين.

طبع الختم صورته النحاسية الذهبية البراقة والمهيبة، لتعلو صيحات الفرح والتصفيق الحار، وتنطلق في الأجواء نغمات الموسيقى التناظرية العذبة والدافئة التي عزفتها فرقة الشباب، معلنةً تدشين عصر السيادة الثقافية والإنسانية الكاملة للوطن بعيداً عن كل الصراعات والمطامع العابرة للحدود.

مع غروب شمس اليوم الأول لعصر البناء والإعمار فوق مآذن وقباب القاهرة الساحرة، صعد عماد وسارة إلى أعلى نقطة في حديقة الأزهر، حيث يمتد البساط الأخضر ليلتقي بأسوار المدينة التاريخية العتيقة ونهر النيل الممتد كشريان حياة أبدي وخالد. كانت الأجواء منعشة ولطيفة للغاية، تلفها طمأنينة روحية ونفسية عميقة تشبه أحلام الأطفال في ليالي الصيف الهادئة والمشمسة.

أمسكت سارة بيد عماد وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالحب، والشغف اللامتناهي، والارتباط الروحي الأبدي الذي لا تمحوه الأيام؛ وشعرت أن دقات قلبيهما تتناغم مع دقات قلوب ملايين البشر الذين وجدوا في هذا السلام بداية حقيقية ومشرقة لبناء حياتهم ومستقبلهم الواعد. نظرت إلى عينيه الصافيتين والممتلئتين باليقين وقالت بصوت نابع من أعماق روحها الحرة:

"الحكاية دي ملهاش نهاية يا عماد.. الصراعات بتروح وتيجي، وتتبخر زي الدخان في الهوا؛ بس الحب، والبناء، والأرض، والحبر الحقيقي اللي بيكتب الجمال هو اللي بيفضل دايماً ثابت وخالد زي النيل ده. والنهاردة، إحنا بنبدأ سوا صفحة جديدة مش مكتوب في آخرها نقطة ختام، مكتوب في كل سطر منها.. أمل، وعمل، وحياة."

ابتسم عماد ونظر إلى وجهها القمحي الصارم والمبتسم الذي يمدّه بكل طاقات العزم والتجدد، ثم فتح كشكوله الجلدي الصغير مجدداً تحت سماء القاهرة المرصعة بالنجوم المتلألئة البراقة. وبدأ قلمه الجاف الأسود يخط حروفاً ملهمة، دافئة وعميقة تروي ملحمة ممتدة ونابضة بالحياة عبر الأجيال، والمحافظات، والموانئ، والوكالات، والحدائق، وشبكات النور والإعمار الفائقة؛ ملحمة حية كروح هذا الوطن العظيم، تتحرك فيها الأحداث والبدايات الجديدة وتتطور وتتصاعد وتتدفق وتتشابك فيها المشاعر الإنسانية النبيلة والحماسية، دون أن ترسم في الأفق البعيد أي نقطة ختام، تاركة دائماً وأبداً كافة الأبواب مشرعة ومفتوحة على كل الاحتمالات المضيئة والمستقبل الباهر، تعيش وتتنفس كروح مصر العظيمة اللامتناهية، والخالدة، والعصية على الانكسار للأبد تحت سماء السيادة، والسلام، والخلود الأبدي الشامل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللقاء المجنون   الثامن والتسعون

    انعكاسات ألوان الشفق الهادئ على المجال الريفي لليل خلفية شديدة الصعوبة والوضوح فوق المزرعة الشرقية. لم يكن هذا الليل كغيره من الليالي؛ لقد كان الصمت بسيطا الذي يعقب العازفة الكبرى، وسارت حركة قنوات الري المبطنة تنساب برقة شديدة كعزف منفرد يروي قصة التلاحم والاختبارات الكاملة الذي توافر في جنبات هذه الأرض الحرة. في راحة المنزل، غرفة نوم مفتوحة، ستائر تفيض ناعمة بالطمأنينة والرضا النفسي العميق. كان عماد يجلس بدقة إلى مقعده خشبي، ووضعها كشكوله جلدي على الركبيه، وبجانبه كانت سارة تلفيف جدائل شعرها الأسود الرائع، ووجههاي المطبخ يشع بنور البهجة الصافية والنضج الفريد الذي صهرته الأيام وحولته إلى طاقة بناء لا تعرف الكل. كان بارزا في مكان بارز في الجدول، وداخلها الختم المرجعي الخديوي الخالص الذي تحول كأداة لمطاردة الصراع إلى صك أبدي للأمن وسيادتها ومخازن الأطعمة للوطن. سارة بيد عماد برقة وعاطفة جياشة تلمس الوجدان، وضغطت عليها بنبضة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد غريني، وجلست إلى ريدتين صافي بنبرة عذبة منخفضة تنافس حفيف أوراق الشجر الكثيفة والليمون.. اللحظة دي هي البداية لكل حاجة حلمنا

  • اللقاء المجنون   السابع والتسعين

    أغلقت سارة دفتراً صغيراً من الورق المقوى كانت تسجل فيه مواعيد تفتح زهور الليمون في الباحة الخلفية، ورفعت عينيها نحو الأفق الممتد حيث تلتقي خطوط المزارع الخضراء بلون السماء البرتقالي الدافئ عند مغيب الشمس. لم يعد للوقت ذلك الإيقاع المتسارع الذي يفرض التوجس؛ بل باتت الساعات تنساب برقة وطمأنينة تامة تعكس عمق الاستقرار والانسجام الذي حققه الأبطال في واحتهم الريفية الهادئة بمحافظة الشرقية.كان عماد يجلس على المقعد الخشبي المريح، يتابع حركة مياه الترعة المبطنة التي تعكس الشفق برفق سيادي مبهر. كان كشكوله الجلدي مستقراً بين يديه، والقلم الجاف الأسود يتحرك بسلاسة ونضج يسجل تفاصيل هذا التطور الطبيعي والهادئ للأحداث والمشاعر. بجانبهما، استقرت الحقيبة الجلدية الشهيرة فوق منضدة خشبية من صنع منصور، ينبعث من جانبها عبق البخور البلدي برائحة الصندل والمستكة التي تملأ الوجدان بطاقة إيجابية مبهجة تذيب كل ذكريات الماضي وتفتح النفس لآفاق لامتناهية من الأمل.أمسكت سارة بيد عماد وضمتها إلى قلبها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالود والشغف، ونظرت إلى ملامحه القمحية المستقرة وقالت بنبرة عذبة تنافس حفيف أوراق أشجار ال

  • اللقاء المجنون   السادس والتسعين

    تلفزيون أفق شرقي مختلط مع الشفق الفضي والوردي، حاملاً معه سمات ليلية ليلية أنعشت جنباً إلى جنب مع المنزل الريفي العتيق. غابت الشمس وراء ما يكفي من البحث موسع النخيل، تركت المكان لسكينة الخلفيات تلتهم الأرض فيها بالسماء في اخترع كامل. ولم تعد هناك سيارات ربع نقل تنطلق على عجلة، ولا أجهزة بث لاسلكية وبرامج؛ بل حل مكان ذلك وهي صوت كامل سواقي داخلي تدور داخلها، معلنةً الاشتراك في الطمأنينة على هذه الوجبة الغالية من أرض الدلتا. في المنزل المسطح في الحديقة، كان عماد يجلس مباشرة إلى خشبي عتيق، ماداً قدميه براحة لم يبدؤها منذ سنوات. الكشكول الجلدي الصغير كان مستقراً فوقها، لكن صفحاته لم تعد تسجل تجارب للخطط السيادية، بل أصبحت واحة تشهد المشاعر المتدفقة واللقاءات الإنسانية النبيلة. بجانبه، كانت سارة ترتدي ثوباً قطنياً ناصع البياض يتماشى مع صفاء روحها، ممسكة بوعاء فخاري صغير تنبعث منه رائحة البخور الممزوج بالمسك والعنبر، لتنشر في المكان جاءت واحة نفسية غمرت قلوب الجميع. كاتت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالحب واليقين، وشعرت نبضات قلبيهما قد تخلصت ، من تشنج الأيام الخوالي،

  • اللقاء المجنون   الخامس والتسعون

    انسابت مياه الترعة المبطنة حديثاً أمام باحة المنزل الريفي بالشرقية كشريط من الفضة السائلة تحت أشعة الضحى الدافئة. تلاشت بالكامل أصوات صافرات التحكم اللوجستي، وحلت محلها زقزقة العصافير التي اتخذت من أشجار الجوافة والليمون ملاذاً آمناً. لم يعد هناك بروتوكولات عاجلة أو خطوط نقل تتطلب الحسم الفوري؛ بل ساد المكان هدوء عميق، هدوء حقيقي وواقعي يشبه طمأنينة الأرض بعد موسم حصاد وفير.كان عماد يجلس مسترخياً على مقعده الخشبي ذي المساند الخوصية، واضعاً كشكوله الجلدي المفتوح على ركبتيه. تحرك قلمه الجاف الأسود بسلاسة وبطء، لا ليسجل أرقاماً أو بنوداً قانونية، بل ليدوّن تفاصيل اللحظة؛ حركة أوراق الشجر، وانعكاس النور على صفحة الماء، ودفء النسمات التي تحمل عبير الياسمين البلدي. وبجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مقارب، تلف جدائل شعرها الأسود بعناية وهدوء، ملامحها القمحية تخلصت من كل أثر للتوجس القديم، وحلّت محلها سكينة روحية عميقة تفيض بالبهجة والرضا.أمسكت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تلوح في الأفق كشروق الشمس، ونظرت إلى عينيه الصافيتين قائلة بصوت هادئ ينافس حفيف أوراق الجميز العتيقة:"ع

  • اللقاء المجنون   الرابع والتسعون

    انطلق قطار البضائع السريع على الخط الحديدي الموازي للمدرسة، يطلق صافرته الرزينة التي تتردد أصداؤها عبر قنوات الري، معلناً بداية مرحلة جديدة من تدفق الموارد والإنتاج؛ مرحلة تخلو من الصراعات العبثية وترتكز بالكامل على التنمية اللوجستية والربط المؤسسي الواقعي.تنفس عماد بعمق وهو ينظر إلى الصفحة التي جف حبرها للتو في كشكوله الجلدي، ثم التفت إلى سارة التي كانت تتابع بعينيها حركة الشاحنات الخفيفة وهي تنقل الشحنة الأولى من طواجن الفخار المعقمة وزجاجات الزيت الحيوي المعتمدة إلى منافذ التوزيع الرسمية. لم يعد هناك مكان للارتجال؛ فالترابط بين التاريخ والواقع أصبح بروتوكولاً إدارياً صارماً تديره عقول تكنوقراطية شابة تؤمن بأن السيادة تُبنى بالعمل المنظم والتدقيق اليومي.أمسكت سارة بالملف الأزرق المخصص للتوثيق الجغرافي، ونظرت إلى عماد بعينين تشعان بطاقة وعزم متجدد وقالت بصوت هادئ يحمل ثقة المحارب الذي استقر في خندق البناء:"الخطوة الجاية يا عماد مش مجرد تدريب للطلاب؛ إحنا بنربط المنظومة التناظرية لـ 'مدرسة الأرض الطيبة' بشبكة الحماية اللوجستية الكبرى في شركة شرق الدلتا للنقل. الختم المرجعي اللي اعت

  • اللقاء المجنون   الثالث والتسعون

    أشرقت شمس الدلتا من جديد، دافئةً ووادعة، لتغمر البيوت الريفية المتباعدة في كفر الشيخ والشرقية بفيض من الضوء النحاسي الذي يغسل أوراق شجر الجوافة والليمون. لم تعد عقارب الساعة تلاحق الأبطال بنبضات الخطر، بل باتت تتحرك بتناغم شديد مع حركة الطبيعة وهدير المياه في الترع المبطنة حديثاً، والتي تمد الحقول بالخير والأمل المستدام.في باحة المنتدى، كان عماد يجلس مستنداً إلى جذع شجرة جميز عتيقة، واضعاً كشكوله الجلدي على ركبتيه. لم يعد حبر القلم الجاف الأسود يركض وراء الشفرات الرقمية أو خطوط الهروب، بل كان يتدفق بهدوء، كمن يسجل جردة حساب للروح بعد رحلة طويلة من الصمود والتحدي. وبجانبه، كانت سارة تلف جدائل شعرها الأسود بعناية، وقد ارتسمت على وجهها القمحي ملامح نضج فريد؛ نضج صهرته المعارك القديمة وحوله إلى طاقة سلام داخلي تشع بهجة ونوراً على كل من حولها.أمسكت سارة بيد عماد برقة وعاطفة تلوح في الأفق كشروق الشمس، وضغطت عليها بنبضة دافئة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد الأبدي، وهمست له بصوت منخفض ينافس حفيف الشجر:"عارف يا عماد.. التطور اللي حصل في مشاعرنا وحياتنا في الكام شهر اللي فاتوا بيخليني

  • اللقاء المجنون   التاسع والعشرون

    انطلقت شرارة الضحك من جوف آدم، ضحكة مخنوقة لكنها رنانة، كسرت صمت المطبخ الثقيل. كانت أشبه بضحكة محارب يخوض معركته الأخيرة وهو يعلم أن أوراقه كلها باتت على الطاولة. التفت إليه يوسف، وعيناه متسعتان من أثر الأدرينالين والخوف، لكنه لم يتكلم؛ فالموقف أبعد ما يكون عن العتاب. أومأ يوسف برأسه إيماءة واحدة،

  • اللقاء المجنون   الفصل الثامن والعشرون

    كريم سكت لثواني، عينه بتتحرك بين ملامح آدم الواثقة بزيادة، وبين الصينية الأخيرة اللي اتقفلت وكأنها الصندوق الأسود لكارثة هتحصل. الهدوء اللي في المكان فجأة بقى تقيل، وصوت المطر اللي بيخبط على قزاز المطبخ التجاري زاد من حدة التوتر.​كريم سحب كرسي خشبي وقعد، فرك وشه بإيده وخد نفس طويل وقال بصوت واطي و

  • اللقاء المجنون   الفصل السابع والعشرون

    آدم غمز لها وقال: "يعني من لندن لباريس.. والعودة لشبرا الخيمة؟ جهزي الكشكول يا شيف.. الرحلة شكلها عريضة والقصة لسة في أولها!"​ابتسمت ليلى والدموع لمعت في عينيها، الفكرة نفسها لمست حتة جوة قلبها كانت دايماً بتوجعها؛ حتة الغربة والشوق لأصل الحكاية. بصت لآدم وقالت بنبرة دافية وصوتها فيه بحة شجن: "الف

  • اللقاء المجنون   الفصل السادس والعشرون

    ضحكت ليلى وربطت مريلتها الجسم: "جهز نفسك يا آدم.. الإعصار الشبراوي لكنسه!"​كانت التوقعات دي لإعلان حالة الطوارئ القصوى في مطبخهم الصغير. مهرجان لندن الدولي مش مجرد حدث عابر، ده المحفل البيت اللي بتتقابل فيه ثقافات العالم بالكامل، وكل بلد بتعقلها رقيقة من خلال أكلها. ماركوس فونتين كان فاكر إنه بمحا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status