LOGINفي حديقة، كان صبي صغير ذو بشرة فاتحة و عيون زرقاء غامقة يركض بخفة. كان شعره الأسود بخصلة فضية مجعدة يتلألأ تحت أشعة الشمس، ويدور حول نفسه عندما لفتت انتباهه فراشة ترفرف أمامه. ضحكت الخادمات اللواتي كنّ يراقبنه من مكان قريب عندما رأينه يندفع خلف الحشرة. كان لطيفًا للغاية، فلم يستطعن كبح جماح أنفسهن. ابتسم الصبي في اتجاههم عند سماعه الضحكات، لكنه لم يرفع عينيه عن فريسته. وبصبر، تتبع الفراشة عبر الحديقة حتى حطت على زهرة على بعد عشر خطوات تقريبًا. عضّ الصبي شفته السفلى. لمعت عيناه الغامقتين وهو يركز نظره على فريسته. هدأت أنفاسه وهو يزحف للأمام، دون أن تُحدث خطواته أي صوت. ولكن بينما كانت عيناه تتألقان، متوهجتين بالعزم، ناداه أحدهم. "نيكولاس!" استدار الصبي ليجد رجلاً طويلاً ونحيفاً خلفه، شعره الطويل مربوط على شكل ذيل حصان. انحنى الرجل وحمل نيكولاس بين ذراعيه. "لا ينبغي أن تخرج بمفردك"، هكذا وبخه. "بوفلي، مومو!" صاح مشيرًا إلى فريسته. "انظر، بوفلي!" عضّ مورغا شفتيه عند سماعه اللقب، محاولاً كتم ضحكته. كان الزعيم الجدير لقبيلة السحر موريس ، ولا ينبغي أن يُرى وهو يضحك كطفل.
استيقظت إيريس على ضوء الصباح المتسلل عبر النوافذ الكبيرة. لثوانٍ ظنت أنها ما تزال تحلم. ثم سمعت الصوت. صوتان صغيران. التفتت ببطء. كان التوأمان مستلقيين داخل المهد الذهبي بجوار سريرها، يحدقان بالسقف بعيونهما الزرقاء الهادئة دون أن يصدر منهما أي بكاء، ثم عندما لمحاها أطلقا صوتًا لطيفًا ومدا يديهما إليها. نسيت أن أخبركما أنهما أسمياهما: "لوكاس للأكبر ونيكولاس للأصغر". أما غاب... فكان جالسًا على الأرض أمام المهد منذ وقت غير معروف. شعره الأسود مبعثر، لكنه بدا أكثر وسامة بمظهره العفوي هذا، وعيناه مثبتتان على الطفلين. اقتربت إيريس قليلًا. "غاب؟" لم يلتفت. "إنهما يحدقان بي." رمشت. "إنهما طفلان." "أعرف." ثم أشار إلى أحدهما. "هذا رمش لي." وأشار إلى الآخر. "وهذا أيضًا." تنهدت إيريس. "ربما لأنهما يريدان الحليب." التفت إليها أخيرًا. "أنا أيضًا لم أنم." "ولماذا؟" نظر نحو الطفلين. "لأنني أخشى أن يختفيا." لأول مرة فهمت أن غاب لا يخاف فقدانها فقط. بل أصبح يخاف فقدانهما أيضًا. اقتربت من المهد. رفعت نيكولاس بين يديها وقبلت جبهته، أما لوكاس فقد أمسك بإصبع غاب الصغير. وتجمد
بعد ذلك اليوم مباشرة، تحركت جيوش غاب لأول مرة خارج حدود الإمبراطورية.خلال أيام قليلة، سقطت المجموعات التي كانت تهدد طائفة إيريس، واختفت الأسماء التي طالما زرعت الخوف بين أفرادها. أُعيد فتح طرق التجارة، وعادت معاهدة الصلح القديمة بين الإمبراطورية والطائفة، حتى إن شيوخ القبائل الذين رفضوا غاب سابقًا اضطروا إلى الاعتراف بسلطته.لكن حقيقة أن المعاهدة أُبرمت من جديد بسبب زواج أميرة الطائفة القمرية المقدسة وإمبراطور كالسير ترسخت في الأذهان، ومن هنا بدأ عصر جديد. وبعد أن كانت أرواح القمر تدخل الإمبراطورية سرًا، أصبحت تتحرك بحرية وتنسجم مع باقي الناس.أما إيريس...فلم يسمح لها بالخروج من غرفتها تقريبًا.في البداية، ظنت أنه يبالغ فقط، وأن ذلك السحر التقييدي وُضع لإخافتها.لكن عندما حاولت الوقوف، سقطت بعد خطوات قليلة، وانتابها ألم مبرح، فضلًا عن أن حمل التوأمين بدأ يرهق جسدها بشكل واضح.في المرة الأولى، سقطت بين ذراعيه.في المرة الثانية، حملها مباشرة.وفي الثالثة، عندما حاولت الهرب إلى الحديقة وحدها رغم الألم الشديد، وجدته يقف أمامها بعد دقائق."إلى أين؟" نظر إليها وكأنه سيجن في أي دقيقة.عبست
ساد الصمت للحظات داخل الساحة. كانت زيلدا تنظر إلى إيريس وكأنها تحاول أن تجد أي خيار آخر يمكن أن يغير قرارها، لكنها لم تجد شيئًا. اقتربت منها ببطء. "هل أنتِ متأكدة؟" لم تجب إيريس فورًا. كانت تنظر إلى الساحة المليئة بالجرحى، ثم إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى بطنها. "إذا بقيت هنا..." قالت بصوت منخفض، "سأفقد الجميع." شدّت زيلدا قبضتها. "والذهاب إليه ليس آمنًا." أومأت إيريس ببطء. "أنا أعرف." سكتت لحظة، ثم أضافت: "لكنني لا أملك خيارًا آخر." ساد الصمت مجددًا. لم تحاول زيلدا إيقافها هذه المرة، لكنها وضعت يدها على كتفها. "إذا ذهبتِ... سأذهب معك، لا يمكنني تركك وحدك." أغمضت إيريس عينيها للحظة. "لا أمي، ابقي هنا واعتني بشعبنا." ثم ابتعدت خطوة. --- بعد وقت قصير، كانت قد غادرت حدود القبيلة. لم تخبر أحدًا آخر. لم تودع الجنود. لم تنظر خلفها مرة أخرى. كانت العباءة تتحرك مع خطواتها السريعة بين الطرق الجبلية، بينما الليل يزداد قتامة. كل خطوة كانت أثقل من السابقة. لكنها لم تتوقف. --- مرت الساعات. حتى بدأت الأرض تتغير. لم تعد الغابة مألوفة. لم تعد الأشجار كما كانت. كانت أقرب
كانت الشمس تقترب من الغروب.قالت بهدوء:«لقد اشتقت إليه.»لم ترد زيلدا.وبعد لحظات فقط وضعت يدها فوق يد ابنتها.جلستا معًا بصمت.بينما كانت أفكار إيريس تدور بلا توقف.الحرب تقترب.الشظية بعيدة.وغاب ينتظر.ولم تكن تعرف أي طريق يجب أن تسلكه.---حلّ الليل ببطء فوق الطائفة.بدأت الأضواء تُشعل داخل المباني، بينما استمرت أصوات الجنود والخدم في الحركة دون توقف.لكن إيريس لم تستطع البقاء داخل القصر.شعرت بأن الجدران تضيق حولها.كل شخص ينظر إليها وكأنه ينتظر منها قرارًا.كل كلمة تسمعها كانت تعيد إليها الاسم نفسه.غاب.نهضت بهدوء من غرفتها.ارتدت عباءة خفيفة وغادرت دون أن تخبر أحدًا.كانت تعرف الطريق.رغم مرور السنوات، لم تنسَ الغابة الموجودة خلف المعبد القديم.الغابة التي كان والدها يأخذها إليها عندما كانت طفلة.الغابة التي كانت تختبئ فيها كلما شعرت بالخوف.كانت الليلة باردة.الأشجار ساكنة.والقمر ينير الأرض بلون فضي خافت.تقدمت إيريس بين الأشجار ببطء حتى وصلت إلى صخرة كبيرة قرب النهر.جلست هناك.مدت يدها داخل ثوبها.وأخرجت القلادة القديمة.قلادة والدها.بقيت تنظر إليها طويلًا.كانت قديمة وم
ساد الصمت داخل القاعة.لم تتحرك إيريس.بقيت تنظر إلى والدتها لعدة ثوانٍ وكأنها لم تسمع ما قيل.ثم قالت ببطء:«غابرييل؟»أومأت زيلدا برأسها.«الشظية عند غابرييل.»شعرت إيريس بأن قلبها انقبض.نظرت إلى الوجوه الموجودة حولها. لم يعترض أحد. لم يقل أحد إن الأمر خطأ.الجميع كان يعلم.الجميع كان يعرف.وهي وحدها لم تكن تعلم.تراجعت خطوة إلى الخلف.«منذ متى؟»أجابت زيلدا: «منذ سنوات.»«كيف؟»ساد الصمت مرة أخرى.تدخل أحد الشيوخ الجالسين وقال بصوت متعب:«عندما بدأت الحروب القديمة مع الشياطين قبل مئة سنة و كانت الحارسة العليا غائبة و كانت الطائفة ضعيفة. لم نكن قادرين على حماية الشظية.»أكمل رجل آخر:«وفي ذلك الوقت تدخل غابرييل.»رفعت إيريس رأسها نحوه.«أخذها بالقوة؟»«حماها.»عقدت حاجبيها.«ما الفرق؟»قال الشيخ:«كان يملك القوة الكافية لحمايتها، بينما لم نكن نملك نحن ذلك.»أمسكت إيريس بطرف ثوبها.«إذن لماذا لم تعيدوها؟»نظرت زيلدا إلى الأرض.لم تجب مباشرة.وبعد لحظات قالت:«لأنه رفض.»اتسعت عينا إيريس.«رفض؟»أومأت والدتها.«لقد قال إن الشظية ستكون أكثر أمانًا معه.»ساد الصمت.شعرت إيريس بشيء ثقي
من وجهة نظر إيريس: كان الهواء البارد يضرب وجهي ونحن نحلق فوق المدينة، لكن التوتر داخل صدري كان أقوى من الرياح نفسها. كايلوس يقطع السماء بسرعة، وجسد غابرييل خلفي ثابت بشكل مزعج، كأنه لا يتأثر بأي شيء يحدث حوله. حاولت التماسك، لكن السؤال ظل يدور في رأسي منذ لحظات. التفتّ قليلًا نحوه. “غاب…”
من وجهة نظر إيريس. كان الهواء خارج المنزل المهجور أبرد بكثير. أو ربما أنا التي لم أعد قادرة على التنفس بشكل طبيعي بعد كل ما حدث. ظل غابرييل يحملني بين ذراعيه بينما خرجنا من الباب المحطم إلى الساحة الخلفية للمنزل، حيث امتدت الأشجار السوداء الكثيفة على حدود أراضي كالسير. الليل كان هادئًا بشكل
من وجهة نظر إيريس.اهتزت الغرفة بعنف حتى شعرت أن الأرض نفسها انزلقت تحت قدمي.سقطت مزهرية أخرى وتحطمت قرب الحائط، بينما الهواء أصبح أثقل بشكل مرعب.عرفت هذه القوة فورًا.غابرييل.لكن… شيئًا ما كان مختلفًا.مختلفًا جدًا.حتى فرانز أدرك ذلك، لأن تعبيره تغيّر لأول مرة منذ استيقاظي.ثم—انفجر الباب.لي
من وجهة نظر إيريس. ما إن خرجنا من الجناح حتى شعرت أنني أستطيع التنفس أخيرًا. لكن ذلك لم يدم طويلًا. لأن غابرييل كان ما يزال يسير بجانبي بهدوئه المعتاد، وكأن شيئًا لم يحدث قبل قليل، بينما أنا كنت أموت من الإحراج كلما تذكرت ما فعله بي. خصوصًا… تلك الصفعة. يا إلهي. أغمضت عيني للحظة وأنا أ