LOGINمرضت إيريس بشدة بعد تلك الحادثة.
ارتفعت درجة حرارتها إلى مستوى غير مسبوق، حتى أن جسدها كان يحترق وكأن النار تشتعل في عروقها. حتى يوم بلوغها سن الرشد، عندما أتتها دورتها الشهرية لأول مرة، لم تعانِ من حمى بهذه القسوة. آخر ما تتذكره عن أمها، أنها أخبرتها بأن بلوغ سن الرشد سيتسبب في بعض الألم والحمى بسبب سلالتهم. وقد مرّت بذلك فعلًا، لدرجة أنها بقيت طريحة الفراش يومًا كاملًا وليلة. لكن هذه الحمى… كانت مختلفة. أشد، وأطول، وكأنها تستنزفها ببطء. لذلك، استنتجت أن السبب هو الضغط النفسي الذي تعرضت له في حادثة الاختطاف. هذا ما فكرت به إيريس عندما استعادت وعيها بعد حمى استمرت ثلاثة أيام. كان جسدها ضعيفًا… ضعيفًا على نحو لم تعهده من قبل. كانت الآن في مستشفى القرية البسيط. والفتاة نفسها كانت جالسة بجانبها. ما إن رأت الصغيرة أنها استيقظت، حتى هرعت إليها باكية. ربّتت إيريس بلطف على ظهرها وسألت بصوت مبحوح: "ماذا حدث؟ ومن أحضرنا إلى هنا؟" رفعت الفتاة رأسها، وعيناها دامعتان وأنفها محمر. بدت كدمية صغيرة جميلة. كادت إيريس أن تقرص خديها المنتفخين، لكنها تماسكت. أخذت الفتاة نفسًا، ثم بدأت تروي ما حدث. أخبرتها أن رجالًا آخرين تدخلوا في الوقت المناسب، وأنقذوا جميع من كانوا معها… دون استثناء. بل إنهم أعادوا حتى أولئك الذين بيعوا قسرًا الى بيوت النبلاء، وأوصلوهم إلى منازلهم. ومن لم يكن له منزل… وجدوا له مكانًا يأويه. كما أخبرتها أن ذلك الرجل حمل إيريس بنفسه، وأسرع بها إلى المستشفى. ولم يكتفِ بذلك، بل دفع المال لإحضار ممرضة من العاصمة، ووفّر الأدوية والطعام لكل من احتاج. تحدثت الصغيرة بحماس شديد عن بطولته. شعرت إيريس بدفء يسري في صدرها. تذكرت… قبل أن تفقد وعيها، كانت قد طلبت منه إنقاذ الطفلة. وقد فعل. بل أكثر من ذلك بكثير. أثلج ذلك قلبها، وترك في داخلها دينًا ثقيلًا. أرادت شكره… أن تخبره كم يعني لها ما فعله. لكن، للأسف… كان قد غادر. حتى أنها لم تعرف إسمه أو شكله . "آنستي؟" مالت الصغيرة رأسها وهي تراقب شرودها. انتفضت إيريس قليلًا وسألت: "هل قال شيئًا آخر؟" لم تكن تتوقع شيئًا مهمًا… لكنها صُدمت عندما أجابت الفتاة: "نعم… قال إنه يجب علينا نحن الاثنتين أن نغادر إلى مملكة أخرى. هذه المملكة لم تعد آمنة… وهي على وشك الدخول في حرب." خفق قلب إيريس بعنف. حرب…؟ هذه المملكة… كانت آخر ما يربطها بذكريات والديها. مغادرتها لم يكن أمرًا سهلًا. الرحلة مرهقة، ومكلفة… ولا يوجد أي ضمان لإيجاد عمل. شعرت الصغيرة بانشغالها، فتقدمت قليلًا وقالت بتردد: "أنا ليتي… ما اسمكِ؟" كادت إيريس أن تضرب جبهتها. لقد نسيت أن تسألها عن اسمها! يا لسذاجتها… ابتسمت بخجل وقالت: "اسمي إيريس، تشرفت بلقائكِ." لمعت عينا ليتي وقالت بحماس: "آنستي، تبدين صغيرة في العمر… لا أظن أن مناداتكِ بـ(عمتي) مناسب. هل يمكنني أن أناديكِ أختي الكبرى؟ إن لم تمانعي طبعًا…" فركت أصابعها بقلق. بدت لطيفة للغاية. ضحكت إيريس بخفوت وقالت: "سأكون سعيدة بذلك." أشرقت ملامح ليتي فورًا: "حسنًا… أختي الكبرى!" ابتسمت إيريس، ثم سألت بلطف: "من أين أنتِ يا ليتي؟ وأين والداكِ؟" كانت ملامحها مختلفة قليلًا، مما جعل إيريس تظن أنها ليست من هذه المملكة. خفضت ليتي رأسها وقالت بحزن: "أنا من إمبراطورية كالسير… أُخذت والدتي كجارية إلى مملكة بعيدة… ولا أعرف شيئًا عن والدي." توقفت إيريس للحظة. إمبراطورية كالسير… أكبر إمبراطورية في العالم، يحكمها إمبراطور بقبضة حديدية. لكن ما أثقل قلبها حقًا… كان حال هذه الطفلة. ضمّتها إليها برفق وقالت: "لا بأس… من الآن فصاعدًا، سأكون معكِ." شعرت بشيء غريب من الانسجام بينهما. ربما… لأنهما تشتركان في الشعور نفسه. الوحدة. … مرّ يوم آخر، وحان وقت خروج إيريس من المستشفى. كانت القرية بعيدة، لذا أقامت في نزل قريب. أما المال… فقد تركه ذلك الرجل. ما زال لطفه يفاجئها. وبسبب غربتها، ارتدت عباءة بقلنسوة لإخفاء ملامحها. في الليل، تحدثت طويلًا مع ليتي… حتى غلبها النوم. بعد أن نامت الصغيرة، بقيت إيريس مستيقظة. تفكر. في الحرب… في الماضي… وفي الطريق القادم. وبعد تفكير طويل ومتعب… اتخذت قرارها. ستغادر. هي وليتي. إلى… إمبراطورية كالسير.فتحت إيريس عينيها ببطء. شعرت بثقل في رأسها، وألم منتشر في جسدها كله. رمشت عدة مرات قبل أن تبدأ ملامح الغرفة تتضح أمامها. السقف العالي. الستائر الداكنة. الأثاث الفخم. تجمدت. "…لا." اتسعت عيناها فجأة. نهضت بسرعة نصف جلسة، ثم شهقت عندما أدركت المكان. "غرفة الإمبراطور…؟!" شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها فورًا. أمسكت الغطاء بسرعة وشدّته حول جسدها، ثم بدأت تتفحص نفسها بارتباك واضح. يديها. ثيابها. الغطاء. كل شيء. "أنا… كيف وصلت إلى هنا؟!" خفق قلبها بعنف. تذكرت آخر شيء… الصفعة. الألم. ثم الظلام. ازدادت أنفاسها اضطرابًا. وفي اللحظة نفسها— "استيقظتِ أخيرًا." ارتجف جسدها بالكامل. التفتت بسرعة. غابرييل كان يجلس غير بعيد عنها، ينظر إليها بهدوء منذ البداية. احمرّ وجهها أكثر. شعرت برغبة في الاختباء تحت الغطاء بالكامل. "ج-جلالتك…!" خرج صوتها مرتبكًا بشكل محرج. نظرت إليه لثانية، ثم أبعدت عينيها فورًا. لم تستطع حتى النظر إليه مباشرة. خاصة بعدما تذكرت كل ما حدث بينهما سابقًا. نظراته. قربه. صوته. ازدادت حرارة وجهها أكثر. راقبها غابرييل للحظة، ثم نظر إلى الطريقة التي تشد
تلقت رئيسة الخدم صفعة جعلتها تبصق كمية هائلة من الدم. لولا أنها ساحرة، لكانت قد أُغمي عليها فورًا. احمرّت عيناها بشدة، ونظرت إلى السيدة التي خدمتها بإخلاص وهي تصفعها. لم تكن سوى ماريا، محظية الإمبراطور. وعندما همّت بالكلام، نظر إليها غابرييل ببرود وقال: "اخرجي فورًا." انخفضت حرارة الغرفة. وعندما رأت ماريا أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، ضربت الأرض بقدمها وغادرت. الآن لم يبقَ سوى الطبيبة وغابرييل إلى جانب إيريس، التي ازداد شحوب وجهها، وراحت تئن من شدة الألم. اشتعل جسد إيريس بالحمّى حتى فقدت القدرة على التمييز بين الحلم والواقع. كانت أنفاسها ساخنة ومتقطعة، وصدرها يرتفع ويهبط بسرعة مؤلمة، بينما خصلات شعرها التصقت بوجهها المبلل بالعرق. ارتجفت أصابعها فوق الغطاء. حتى وهي فاقدة للوعي… لم يتوقف جسدها عن الارتعاش. "لا…" خرج الصوت ضعيفًا ومكسورًا من شفتيها الجافتين. حاولت تحريك رأسها، وكأنها تهرب من شيء تراه وحدها. "أرجوك… لا تتركاني…" تشنجت أصابعها فجأة، وقبضت على الملاءة بقوة. كانت ملامحها متألمة بشكل واضح، وحاجباها معقودين بشدة، وكأنها تعيش كابوسًا حقيق
وصلت إيريس إلى المغسلة بشق الأنفس. كانت المغسلة تقع خارج القصر، كما أن تشغيلها يتطلب ثلاث أحجار سحرية. لذا كان عليها جلب حوالي ثلاثة عشر حجرًا سحريا من المخزن لكل هذا الكم الهائل من الملابس. تنهدت إيريس ورفعت فستانها إلى الركبتين، وشمّرت عن ساعديها. "حسنًا، لنبدأ!!" قالت بعزيمة. بدت لطيفة جدًا، خاصة بملامحها الجميلة. وعندما تلمع العزيمة في عينيها الواسعتين، تبدو أظرف. بدأت إيريس في تشغيل الغسالة، ووضعت ملابس الإمبراطور أولًا. وبينما هي منهمكة في الغسيل، لمحت ظلًا بجانبها. رفعت عينيها قليلًا، ورأت رئيسة خدم المحظية "ماريا" تنظر إليها، والاحتقار بادٍ على وجهها. حيتها إيريس بصمت وعادت تكمل عملها. "أعطني قميص جلالته." مدت يدها نحو كومة الغسيل النظيفة. رمشت إيريس بعينيها وقالت: "لماذا؟" غضبت رئيسة الخدم فورًا وقالت: "أيتها الخادمة الحقيرة، كيف تجرؤين؟ ألا تعلمين رتبتك؟" نظرت إيريس إليها بارتباك. ما بها؟ أليس السؤال عن السبب أمرًا طبيعيًا؟ "سيدتي، أنا أعمل عند الإمبراطور، وأظن أن لا أحد يملك الحق في إملاء الأوامر غيره." توقفت للحظة، حتى إيريس نفسها صُدمت من ك
تقدمت إيريس في الممر بخطوات بطيئة في البداية، ثم بدأت سرعتها تزداد تدريجيًا دون أن تنتبه لذلك.كان الممر هادئًا، طويلًا، والجدران العالية تعكس وقع خطواتها بشكل يجعل الصوت يبدو أوضح مما هو عليه.لكن داخلها لم يكن هادئًا.منذ لحظات قليلة فقط…خرجت من جناح الإمبراطور.ومنذ تلك اللحظة، شيء ما في صدرها لم يعد مستقرًا."لماذا أشعر بالضيق هكذا كلما اقتربت منه…"هزّت رأسها بخفة تحاول طرد الفكرة، لكنها لم تنجح.بل على العكس، كل خطوة كانت أسرع من السابقة، وكأنها تهرب من شيء ما."سأذهب فقط… سأكمل عملي… هذا كل شيء."لكن عقلها لم يكن يلتزم بما تقوله.صورة غابرييل، صوته، وقربه الذي حدث قبل قليل… كانت كلها تعود دفعة واحدةخاصة عينيه عندما كان مركزًا عليها.ارتبكت أكثر.ثم دون أن تدرك، تحولت خطواتها إلى ركض خفيف.كان صوت خطواتها يزداد ارتدادًا على الأرضية الحجرية.ركضت.ليس بسرعة كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي."لا… فقط من الطبيعي أن أعجب به، فهو بعد كل شيء وسيم…"لكن الممر لم يكن خاليًا كما ظنت.وفجأة…اصطدمت بشيء صلب."آه—!"اختل توازنها، وارتفع جسدها قليلًا للخلف، وكادت تسقط.لكن يدًا قوية أمسك
توقفت إيريس في مكانها. لا مساحة خلفها للتحرك، ولا مخرج سوى الباب… لكنه محجوب بذراع واحدة فقط، كافية لمنعها من الهرب. لم يلمسها، ومع ذلك لم تستطع التحرك. اقترب غابرييل خطوة أخرى. خفض رأسه قليلًا ليصبح على مستوى عينيها. "لماذا تتجنبينني؟" صوته كان ثابتًا، خاليًا من أي انفعال. إيريس ابتلعت ريقها بسرعة ولم تجرؤ على النظر في عينيه. "أ… أنا…" رفع ذقنها فجأة وقال بصوت خافت: "أنظري في عيني وتحدثي." شعرت إيريس بحرارة في المكان الذي لمسها فيه. رفعت عينيها بحذر ونظرت إليه. حبست أنفاسها عند ذلك المنظر. كان وجهه الوسيم قريبًا جدًا لدرجة أنه لو تحرك أحدهما قليلًا لالتقت شفاههما. فكرت إيريس أنه لو قبلها ، فليست متأكدة إذا كانت ستستطيع دفعه . "أ… أنا لا أتجنبك، جلالتك." صمت. لم يرد. لكن عينيه بقيتا عليها دون أن تتحركا. اقترب نصف خطوة أخرى. الآن لم يعد بينهما سوى مسافة صغيرة جدًا. "تكذبين." كلمة واحدة فقط. شدّت إيريس أصابعها داخل كفها، واحمرّت أطراف عينيها. ضغطت على الباب خلفها تحاول خلق مسافة بينهما. كان يفعل ذلك عمدًا لإجبارها على الكلام. "أنا فقط
بعد تلك الحادثة، أصبحت إيريس موضع حديث الجميع. كما أصبح تنكرها عديم الفائدة، لذا لم تجد خيارًا سوى إظهار وجهها الحقيقي. زاد هذا الطين بلة، لكن لم يجرؤ أحد على مضايقتها. وعدت إيريس نفسها أن تُبقي بينها وبين غابرييل مسافة واضحة. لا تعرف لماذا… لكنها لم تكن تشعر بالراحة لفكرة البقاء بجانبه. ….. كانت مهامها متعددة؛ غسل ملابس حراس النخبة، والمساعدة في المطبخ، والتنظيف… أما بخصوص تقديم الطعام… فلم يُطلب منها ذلك أبدًا. في الحقيقة، كانت سعيدة بهذا، فعلى المائدة كان الإمبراطور يجلس دائمًا برفقة أحب محظياته لتناول الطعام. وكان على الخادمة أن تقدم الطعام، ثم تنتظر جانبًا حتى ينتهوا وتُنظف خلفهم… المشكلة ليست في التعب… المشكلة أن وجود غابرييل كان يربكها… لذا كانت حريصة دائمًا على تجنبه، وحتى إن صادفته، تُحييه بصمت ثم تغادر. وكأنها تهرب منه… ولحسن حظها، لم يبدُ أنه مهتم بها إطلاقًا. بالطبع، كانت انشغالاته كثيرة جدًا، فلا سبيل له لتذكر خادمة صغيرة مثلها… كانت هذه الفكرة هي ما يهدئ إيريس. ….. مرّ على تلك الحادثة شهر كامل. وعلى الرغم من أن الخدم قد توقفوا عن