LOGINاستيقظت إيريس كعادتها مبكرًا.
نظرت إلى ليتي النائمة بجانبها. قبلت جبهتها بلطف، ثم نهضت بهدوء. أصرت ليتي البارحة أن تنام قرب إيريس رغم وجود سريرها الخاص. في الحقيقة… وجدت إيريس ذلك لطيفًا. كان من الطبيعي أن تتصرف ليتي هكذا، فهي لا تزال في السابعة من عمرها… صغيرة جدًا. دخلت إيريس الحمام. ملأت الحوض بالماء الساخن مع ورود جافة. كانت متحمسة بشكل خاص، لأنها أول مرة تستخدم حوض الاستحمام والورود المعطرة. بقيت في البخار وقتًا أطول من المعتاد، ثم خرجت. كانت ليتي تفرك عينيها وتتثاءب قائلة: "صباح الخير… أختي الكبرى." ابتسمت إيريس وردّت: "صباح النور ليتي، هل نمتي جيدًا؟" نهضت ليتي بسرعة واحتضنتها قائلة: "نعم، نمت جيدًا… والفضل يعود لكِ—" ثم رفعت عينيها فجأة، وتوقفت مذهولة. كانت ترى إيريس بوضوح لأول مرة. فقد كانت دائمًا تخفي ملامحها تحت الغرة والمساحيق الثقيلة. أما الآن… فقد كانت جميلة بشكل صادم. اتسعت عينا ليتي وقالت باندهاش: "واااو… لو كنت مكانكِ يا أختي، لاختبأت في المنزل طوال الوقت!" ابتسمت إيريس بخجل، وأخبرتها سبب إخفاء وجهها، بما يتناسب مع تفكيرها البسيط. وبما أنهما ستسافران معًا، فلا حاجة لأي أسرار بينهما. بعد أن تناولتا الفطور في الفندق، توجّهتا إلى القرية. استغرق الأمر بعض الوقت، لكنها وصلت أخيرًا بعد يوم متعب. جمعت إيريس أغراضها وأموالها التي ادّخرتها سابقًا. كانت تخطط لفتح مشروع حلويات في العاصمة، لكن لم يحالفها الحظ. من الجيد أنها احتفظت بالمال. أثناء جمع الأشياء، ركضت ليتي نحوها بسرعة وفي يدها صورة قديمة. سألت بحماس: "أختي! أختي، أهذه أنتِ مع عائلتكِ؟" اتسعت عينا إيريس قليلًا، وكأنها عادت لذكرى بعيدة. ثم ابتسمت بمرارة وقالت: "أعطني إياها من فضلك، سأضعها مع أغراضي." ناولتها ليتي الصورة بهدوء، وبدأت تتجول في الغرفة. أمسكت إيريس بالصورة، وتجمعت الدموع في عينيها. "أمي… أبي… أنا آسفة لأنني سأغادر هذا المكان… مكاننا… أرجوكما اعتنيا بأنفسكما هناك." بعد ترتيب الأساسيات في الحقيبة، تذكرت إيريس أن ليتي لا تملك شيئًا مناسبًا. لذا قسمت المال إلى قسمين: قسم للسفر والطعام، وقسم لشراء ملابس ومستلزمات لليتي. "هاه… عليّ أن أجد وظيفة بسرعة هناك…" تمتمت بهدوء. "لماذا لا نعمل خادمتين في البلاط الداخلي؟" رفعت إيريس نظرها إلى ليتي بصمت، تنتظر تفسيرها. تابعت ليتي بحماس: "الأجر هناك جيد جدًا! عملت سابقًا في منزل نبيل كخادمة تنظيف، وكان الأجر جيدًا… فما بالك بقصر الإمبراطور!" تنهدت إيريس بصمت، وتذكرت ما عاشته ليتي من هروب ومعاناة مع تجار البشر. ثم ابتسمت برفق، وأمسكت بيدها قائلة: "حسنًا… دعينا أولًا نشتري لكِ ملابس، واتركي أمر المستقبل للمستقبل." وسحبتها نحو وسط القرية. ولحسن الحظ… كان هناك مهرجان سنوي في ذلك اليوم. "هيا لنستمتع… لتكن هذه آخر صفحة من حياتنا هنا، ولنبدأ صفحة جديدة في إمبراطورية كالسير." ابتسمت إيريس ابتسامة مشرقة. إذا كانت ستغادر… فعلى الأقل، عليها أن تحمل معها بعض الذكريات الجميلة. ... جربت ليتي وإيريس كل أنواع الحلويات المتوفرة ضمن قدرتهما المالية. ضحكتا كثيرًا ولعبتا كما لم تفعلَا منذ مدة، وكأن العالم كله توقف من أجلهما. بعد ذلك، توجهتا إلى المحلات لشراء ما تحتاجه ليتي. بمناسبة المهرجان، كانت الشوارع مزدحمة، والمحلات مليئة بالزوار وبضائع جديدة لافتة. اختارت إيريس مع ليتي قطع ملابس لطيفة تناسبها. وكانت حذرة في اختيارها، فاشترت مقاسين: واحد مناسب تمامًا لليتي، وآخر أكبر قليلًا كاحتياط. على الرغم أن ليتي حاولت إقناعها بالعكس ، إلا أن إيريس كانت مصرة على ذلك ! بعد يوم طويل أنهكهما فيه اللعب والتجول، عادتَا أدراجهما إلى المنزل. كانت إيريس قد فكرت في البداية ببيع منزلها نظرا لنقص المال ... لكنها، في النهاية، غيرت رأيها. وبينما كانتا تمشيان في طريق العودة… لمحتا مشهدًا في أحد الأزقة جعل الهواء يثقل فجأة. مشهدٌ يقشعر له الأبدان. ...تجمد الجميع لثوانٍ، قبل أن تتبدل ملامح المرأة ذات العينين الأرجوانيتين إلى دهشة ممزوجة بفرح. تقدمت بخطوات مترددة وهي تحدق في نصف القلادة. "إذن... كنتِ أنتِ." أومأت إيريس مبتسمة. "كانت ليا تقول إنها صنعت قلادتين، وأعطت كل واحدة لصديقة عزيزة عليها." ابتسمت المرأة بدورها. "اسمي لافندر." وما إن انتهت من التعريف بنفسها حتى اقتربت منها إيريس وعانقتها برفق. ابتسمت أميلي وهي تنظر إليهما. "يبدو أن القدر جمعكما." لم يمض وقت طويل حتى انفصلت السيدات عن الرجال بصورة عفوية. جلست لافندر وأميلي وإيريس تحت ظل شجرة كبيرة، بينما انضمت إليهن الشقراء، وبدأ الحديث يتدفق دون توقف. كانت إيريس تروي بحماس مغامراتها في عالمها، بينما أخذت تشرح لهن طبيعة السحر والوحوش والعوالم المختلفة. قالت أميلي بانبهار: "إذن توجد إمبراطوريات كاملة غير عالمنا؟" ضحكت إيريس. "بل أكثر مما تتخيلين." أما لافندر فكانت تسألها عن المانا، وطريقة استخدام السحر، وكيف يعيش أصحاب الأعمار الطويلة. وفي المقابل، بدأت النساء يعرفنها على حياتهن، وعلى الأطفال الذين أخذوا يركضون بين الأشجار وهم يضحكون. كان الجو مليئًا بالراحة وك
كان غاب على وشك أن يرفض، لكن ما إن وقعت عيناه على الحماس الذي يملأ وجه إيريس حتى تلاشت كلماته قبل أن تخرج. تنهد باستسلام، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة. "حسنًا." أشرقت ملامحها في الحال، واتسعت عيناها بفرحة واضحة. "حقًا؟" أومأ وهو ينهض من مكانه، ثم قال بهدوء: "لكن هناك شرط." عقدت ذراعيها أمام صدرها وحدقت فيه بريبة. "وما هو؟" رفع يده ببطء ولوّح بها في الهواء، فانطلقت منها هالة فضية خافتة أحاطت بجسديهما للحظات. لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ حتى اختفى الضوء تدريجيًا، وعاد كل شيء إلى طبيعته. رمشت إيريس باستغراب، ثم التفتت تلقائيًا نحو الواجهة الزجاجية لأحد المباني القريبة. تجمدت في مكانها. "...هاه؟!" اقتربت أكثر من الزجاج، وأخذت تتفحص انعكاسها بذهول. اختفى شعرها الأبيض الحريري، وحل محله شعر بني داكن ينسدل على كتفيها، بينما تبدلت عيناها السماويتان إلى عسليتين دافئتين، واختفت علامة الهلال الصغيرة التي كانت تزين خدها. أما غاب، فلم يعد يبدو مختلفًا عن أي شاب بشري. شعره الأسود القصير وعيناه البنيتان أخفيا تمامًا أي أثر لحقيقته. ابتسم وهو يراقب دهشتها. "التنكر أولًا." رفعت يدها
ابتسم غاب ابتسامة صغيرة، ثم أمسك بيدها قبل أن يبتلعهما وميضٌ فضي اختفيا معه من وسط الحشد. ... عندما عادت الرؤية إلى إيريس، وجدت نفسها فوق سطح مبنى مرتفع يطل على المدينة بأكملها. كانت ضوضاء الشوارع لا تزال تصل إليهما، لكنها أصبحت بعيدة بما يكفي ليعود الهدوء من جديد. التفتت إليه بسرعة. "غاب... ماذا كان ذلك؟" أخرج زفيرًا هادئًا وهو ينظر إلى الأفق. "يبدو أن الأمر خرج عن السيطرة." عقدت حاجبيها. "أي أمر؟" رفع يده، فظهر بين أصابعه جهاز أسود مستطيل. التقطته إيريس بفضول. "ما هذا؟" "يسمى هاتفًا." أدار الشاشة بإصبعه، فأنارت على الفور. اتسعت عيناها. "إنه... يضيء!" ضحك بخفة. "ليس هذا أغرب ما فيه." ظل يشرح لها طريقة عمله؛ كيف يتصل الناس ببعضهم، وكيف تُرسل الرسائل، وتُلتقط الصور، وتُشاهد المقاطع المرئية، وتُقرأ الكتب. وكلما شرح شيئًا، ازداد بريق الفضول في عينيها. "إذن... يستطيع الناس حمل مكتبة كاملة داخل هذا الشيء الصغير؟" "تقريبًا." هزت رأسها بانبهار. "عالم البشر مخيف." ابتسم. "ستعتادين عليه." ثم ضغط على أحد التطبيقات. ظهرت أيقونة برتقالية اللو
... بقيت إيريس مستلقية على السرير لعدة دقائق، تحدق في السقف بصمت. ثم تنهدت ونهضت ببطء، وسارت نحو الحمام. انساب الماء الدافئ فوق شعرها وجسدها، فشعرت بأن التعب الذي تراكم عليها منذ الليلة الماضية بدأ يتلاشى تدريجياً. أغلقت عينيها للحظة وهي تستمتع بالهدوء، ثم أنهت استحمامها وارتدت فستاناً بسيطاً بلون أزرق فاتح، وربطت شعرها بشريط أبيض. عندما خرجت من غرفتها، كانت رائحة الخبز الساخن تعبق في أرجاء الفندق. ابتسمت وهي تتجه إلى صالة الطعام، حيث تناولت فطورها بهدوء. لم يكن حولها سوى عدد قليل من النزلاء، وكانت النافذة المطلة على المدينة تسمح لأشعة الشمس الذهبية بالتسلل إلى الداخل. وبينما كانت ترتشف آخر رشفة من الشاي، اقترب منها سكرتير الفندق بانحناءة محترمة. "صباح الخير يا سيدتي." ابتسمت له بلطف. "صباح النور." أخرج الرجل ظرفاً أبيض مختوماً وسلمه إليها. "وصلت هذه الرسالة منذ قليل، وقد أوصاني مرسلها أن أسلمها لكِ فور استيقاظك." تعرفت إيريس إلى خط غاب فور أن فتحت الرسالة. «إلى زوجتي الجميلة... لا تبحثي عني داخل الفندق. انتظريني بعد قليل في المقهى الواقع عند نهاية الشارع ا
ضحك غاب عندما سمع ما قالته. انحنى، وضغط بثقله عليها. ثم همس في أذنها. "أنت لم تفهم المغزى." "…ماذا؟" "أنا مغرم بكِ حتى بدون هذا." همس بصوتٍ خفيضٍ وخطير: "لا تزيدي جنوني أكثر من ذلك"، ثمّ قرّب شفتيه من عنق إيريس و قبلها هناك. لم تستطع الحركة، كأنها وقعت في فخ. شعرت كأنها فريسة بين فكي وحش. كان جسدها كله شديد الحساسية. 'غريب…' ابتسمت إيريس بخجل، ثم همست: "أحبك كثيرًا جدًا يا غاب." ولم تكد تنهي كلماتها حتى تغيرت نظراته، فابتسم ابتسامة جعلت قلبها يخفق بقوة. اقترب منها ببطء، ثم ضمها إلى صدره وكأنه يخشى أن تبتعد عنه. "أتعلمين؟" قال بصوت هادئ. "كلما قلتِ هذه الكلمات، أشعر أنني أقع في حبك من جديد." ابتسمت وهي تخفي وجهها في صدره. "أنت تبالغ." "بل لا أزال عاجزًا عن وصف ما أشعر به." ساد بينهما صمت قصير، لم يكن يحتاج إلى كلمات. بقيت بين ذراعيه، تستمع إلى نبضات قلبه التي كانت تبعث فيها طمأنينة غريبة. مرت الليلة بهدوء، بين أحاديث طويلة وضحكات متقطعة وذكريات استعاداها معًا، حتى غلبهما النعاس مع اقتراب الفجر. ... استيقظت إيريس متأخرة قليلًا. احتاجت بضع ثوانٍ حتى تذكرت أنهما ما
ابتسمت وأنا أتنهد. "أتمنى فقط ألا يذهب نيكولاس إلى كالسير وحده." هز غاب كتفيه. "أرسلت من يراقبه. إن حاول القيام بشيء متهور فسأعرف." أومأت براحة. بعد نحو نصف ساعة، بدأ البحر يظهر في الأفق. اتسعت ابتسامتي تلقائيًا. "وصلنا!" خفض كايلوس ارتفاعه تدريجيًا حتى هبط على مساحة صخرية بعيدة عن الناس، ثم طوى جناحيه الضخمين. قفزت إلى الأرض أولًا. "شكرًا يا كايلوس." خفض رأسه نحوي، فربت عليه مرة أخرى قبل أن يختفي بعد أن أعطاه غاب إشارة خفيفة. التفت نحو البحر. كانت الأمواج تتقدم ثم تعود بهدوء، بينما كانت الرمال تمتد لمسافة طويلة. خلعت حذائي، ثم سرت فوق الرمال. لم تمض سوى ثوانٍ حتى لحق بي غاب. أمسك يدي قبل أن أصل إلى الماء. نظرت إليه باستغراب. "ماذا؟" قال بهدوء: "لا تركضي." ضحكت. "لن يحدث شيء." "قلت لا تركضي." أخرجت لساني له بمشاكسة، ثم أفلت يدي وركضت رغم اعتراضه. سمعته ينادي باسمي. "إيريس." لكنني لم أتوقف. وصلت إلى الماء، وما إن لامست قدماي أول موجة حتى شهقت من برودتها. "بارد!" ضحكت وأنا ألتفت إليه. كان يقف بعيدًا قليلًا، ينظر إليّ بذراعين م
في الليل خرجت إيريس لتستنشق بعض الهواء، بعد أن نامت ليتي بصعوبة داخل المقصورة. كان الصمت يلفّ المكان، والهواء البارد يمرّ بهدوء فوق سطح السفينة. وقفت عند الحافة وحيدة، تنظر إلى القمر. لم تكن تفكر في شيء محدد… فقط كانت هناك تلك الذكريات التي تقتحم عقلها دون إذن. والداها… ذلك الشعور الذي لا يفار
مرضت إيريس بشدة بعد تلك الحادثة. ارتفعت درجة حرارتها إلى مستوى غير مسبوق، حتى أن جسدها كان يحترق وكأن النار تشتعل في عروقها. حتى يوم بلوغها سن الرشد، عندما أتتها دورتها الشهرية لأول مرة، لم تعانِ من حمى بهذه القسوة. آخر ما تتذكره عن أمها، أنها أخبرتها بأن بلوغ سن الرشد سيتسبب في بعض الألم وال
لم تكن تعرف أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب. لو كانت تعلم، على الأقل كانت ستودّع شقتها والقطة الصغيرة التي تنتظرها هناك. يا له من عيد ميلاد منحوس! عندما استعادت وعيها، لم تجد سقف مستودع الكشك القديم، ولا رائحة الخشب المعتاد، ولا حتى دفء الزاوية التي كانت تختبئ فيها تلك الطفلة. كان كل شيء… غر
لطالما آمنت إيريس أن العالم، رغم قسوته، لا بد أن يخبئ في زاويةٍ ما رحمةً صغيرة. ما زالت تؤمن بهذا المعتقد ... حتى ....وقعت بعض الأحداث التي قلبت رؤيتها إلى العالم .... رأسا على عقب ... كانت إيريس مجرد فتاة عادية يتيمة دون خلفية قوية. تعمل في كشك صغير صباحًا، وتخيط في محلها الخاص ليلًا.