LOGINتقدمت إيريس في الممر بخطوات بطيئة في البداية، ثم بدأت سرعتها تزداد تدريجيًا دون أن تنتبه لذلك.
كان الممر هادئًا، طويلًا، والجدران العالية تعكس وقع خطواتها بشكل يجعل الصوت يبدو أوضح مما هو عليه. لكن داخلها لم يكن هادئًا. منذ لحظات قليلة فقط… خرجت من جناح الإمبراطور. ومنذ تلك اللحظة، شيء ما في صدرها لم يعد مستقرًا. "لماذا أشعر بالضيق هكذا كلما اقتربت منه…" هزّت رأسها بخفة تحاول طرد الفكرة، لكنها لم تنجح. بل على العكس، كل خطوة كانت أسرع من السابقة، وكأنها تهرب من شيء ما. "سأذهب فقط… سأكمل عملي… هذا كل شيء." لكن عقلها لم يكن يلتزم بما تقوله. صورة غابرييل، صوته، وقربه الذي حدث قبل قليل… كانت كلها تعود دفعة واحدة خاصة عينيه عندما كان مركزًا عليها. ارتبكت أكثر. ثم دون أن تدرك، تحولت خطواتها إلى ركض خفيف. كان صوت خطواتها يزداد ارتدادًا على الأرضية الحجرية. ركضت. ليس بسرعة كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي. "لا… فقط من الطبيعي أن أعجب به، فهو بعد كل شيء وسيم…" لكن الممر لم يكن خاليًا كما ظنت. وفجأة… اصطدمت بشيء صلب. "آه—!" اختل توازنها، وارتفع جسدها قليلًا للخلف، وكادت تسقط. لكن يدًا قوية أمسكت بها من كتفيها، وأخرى أمسكت بالسلة التي كانت تحملها قبل أن تسقط بالكامل. "احذري." صوت هادئ، تكلم فوقها. تجمدت إيريس في مكانها للحظة، ثم رفعت رأسها بسرعة. "أ… أعتذر— أنا لم أقصد—" توقفت الكلمات فجأة. اتسعت عيناها قليلًا. الرجل أمامها كان مألوفًا. بل أكثر من مألوف. "أنت…" نفس الشخص. نفس الرجل الذي سألها عن اسمها عند السفينة في ذلك اليوم الأول. لكن هذه المرة كان يرتدي زيًا رسميًا واضحًا، يحمل علامات رتبة عسكرية رفيعة، ويبدو أن حضوره لا يقل عن أي شخص مهم داخل القصر. وما زاد الأمر غرابة… أنه كان ينظر إليها وكأنه يتذكرها أيضًا. ثم فجأة… ابتسم. ابتسامة واسعة، صادقة. "أنتِ هي!" قالها وكأنه وجد شيئًا ضائعًا منذ فترة، كما لمعت عيناه بفرح حقيقي. ارتبكت إيريس أكثر. "أنا… نعم، أنا أعمل هنا." ضحك بخفة، ثم ترك كتفيها برفق. "كنت متأكدًا أنني سألتقي بكِ مجددًا، لكن لم أتوقع أن يكون ذلك بهذه السرعة." خفضت نظرها قليلًا، لا تعرف كيف ترد. كان عكس كل من قابلتهم هنا. خفيف، واضح، لا يحمل ذلك الثقل الذي اعتادت عليه في القصر. "هل أنتِ بخير؟ لم أتوقع أن تركضي بهذا الشكل في ممر القصر." "كنت فقط… شاردة." قالتها بسرعة، ثم أضافت وكأنها تحاول تبرير نفسها: "لم أقصد الاصطدام بك." ضحك مجددًا، هذه المرة بصوت أخف. "لا بأس، لا أحد يصطدم بي كثيرًا… لذا يمكنني اعتبارها تجربة جديدة." ثم مد يده نحو السلة التي ما تزال في يده. "هل تحتاجين مساعدة في نقلها؟" أخذتها منه بسرعة. "لا، شكرًا جزيلاً." "أليكس." قالها فجأة. رفعت إيريس نظرها. "اسمي أليكس، ما زلتِ تذكرينه." ثم أضاف بابتسامة أكثر وضوحًا: "قائد وحدة النخبة." تجمدت لحظة. "قائد…؟" أومأ برأسه ببساطة وكأنه أمر عادي. "لا تبدو عليّ، أعرف." لم تستطع إيريس منع نفسها من النظر إليه مرة أخرى. كان مختلفًا تمامًا عن الصورة التي تتوقعها من قائد. ليس باردًا… بل العكس تمامًا. مرن وعفوي جدًا. "إيريس." قدمت نفسها، ليس من اللائق أن تتجاهله مرة أخرى، خاصة وأنهما يعملان في مكان واحد. "نعم؟" "تشرفت بلقائك." "آه… وأنا أيضًا." ابتسم مرة أخرى. "هل تعملين هنا منذ فترة؟" "لا… منذ وقت قصير فقط." "آه، هذا يفسر الأمر." كان التحدث مع شخص بسيط وصريح مثله ممتعًا، على عكس التحدث مع البعض الآخر. لكن قبل أن تستمر المحادثة أكثر… تغير الجو فجأة. خطوات ثقيلة اقتربت من الخلف. توقف أليكس للحظة، ثم التفت. لم تحتج إيريس أن تنظر لتعرف من هو. الشعور وحده كان كافيًا. غابرييل. كان يقف خلفها مباشرة. صامتًا. نظراته ثابتة على أليكس. لم يقل شيئًا في البداية. لكن الهواء نفسه بدا أكثر ثقلًا. "ماذا تفعل هنا؟ ولماذا تتحدث مع خادمتي؟" صوته كان هادئًا… لكن لو ركزت فيه لاستشعرت بعض الشراسة. أليكس رفع يديه قليلًا بإشارة بسيطة. "لم أكن أقصد إزعاجها." ثم ابتسم مرة أخرى، كان معتادًا على حدته لذا الموقف لا يخيفه إطلاقًا. "جئت إليك." ساد صمت قصير. غابرييل لم يتحرك. "تكلم." قالها ببرود. أليكس نظر إلى إيريس للحظة، ثم عاد بنظره إلى غابرييل. "وجدت شيئًا يخص التقارير التي طلبتها." تغيرت ملامح غابرييل قليلًا، لكنه لم يظهر اهتمامًا واضحًا. "هنا؟" "لم أكن أريد تأجيل الأمر." ثم أضاف بابتسامة خفيفة وكأنه يتذكر شيئًا جانبيًا: "وبالمناسبة… أحتاج خادمة، أعطني هذه." وأشار نحوها بأصبعه. توقفت إيريس. "…" لم تصدق أنه قال ذلك بهذه البساطة. أليكس التفت إليها مبتسمًا. "هل أنتِ موافقة يا إيريس؟ أعدك سأكون كريمًا معك." ثم ضحك بخفة. لكن غابرييل لم يشارك أي رد فعل. فقط نظر إلى إيريس. ثم قال: "اذهبي." كلمة واحدة فقط. كانت كافية لأليكس أن يعلم أن طلبه رُفض. أومأت إيريس بسرعة. "حاضر جلالتك." استدارت فورًا، وغادرت دون أن تنظر خلفها. أما أليكس، فتابعها بنظرة قصيرة، ثم عاد يبتسم. "غريبة هذه الفتاة… ليست مثل البقية." لم يرد غابرييل. لكن عينيه بقيتا حيث اختفت.تلقت رئيسة الخدم صفعة جعلتها تبصق كمية هائلة من الدم. لولا أنها ساحرة، لكانت قد أُغمي عليها فورًا. احمرّت عيناها بشدة، ونظرت إلى السيدة التي خدمتها بإخلاص وهي تصفعها. لم تكن سوى ماريا، محظية الإمبراطور. وعندما همّت بالكلام، نظر إليها غابرييل ببرود وقال: "اخرجي فورًا." انخفضت حرارة الغرفة. وعندما رأت ماريا أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، ضربت الأرض بقدمها وغادرت. الآن لم يبقَ سوى الطبيبة وغابرييل إلى جانب إيريس، التي ازداد شحوب وجهها، وراحت تئن من شدة الألم. اشتعل جسد إيريس بالحمّى حتى فقدت القدرة على التمييز بين الحلم والواقع. كانت أنفاسها ساخنة ومتقطعة، وصدرها يرتفع ويهبط بسرعة مؤلمة، بينما خصلات شعرها التصقت بوجهها المبلل بالعرق. ارتجفت أصابعها فوق الغطاء. حتى وهي فاقدة للوعي… لم يتوقف جسدها عن الارتعاش. "لا…" خرج الصوت ضعيفًا ومكسورًا من شفتيها الجافتين. حاولت تحريك رأسها، وكأنها تهرب من شيء تراه وحدها. "أرجوك… لا تتركاني…" تشنجت أصابعها فجأة، وقبضت على الملاءة بقوة. كانت ملامحها متألمة بشكل واضح، وحاجباها معقودين بشدة، وكأنها تعيش كابوسًا حقيق
وصلت إيريس إلى المغسلة بشق الأنفس. كانت المغسلة تقع خارج القصر، كما أن تشغيلها يتطلب ثلاث أحجار سحرية. لذا كان عليها جلب حوالي ثلاثة عشر حجرًا سحريا من المخزن لكل هذا الكم الهائل من الملابس. تنهدت إيريس ورفعت فستانها إلى الركبتين، وشمّرت عن ساعديها. "حسنًا، لنبدأ!!" قالت بعزيمة. بدت لطيفة جدًا، خاصة بملامحها الجميلة. وعندما تلمع العزيمة في عينيها الواسعتين، تبدو أظرف. بدأت إيريس في تشغيل الغسالة، ووضعت ملابس الإمبراطور أولًا. وبينما هي منهمكة في الغسيل، لمحت ظلًا بجانبها. رفعت عينيها قليلًا، ورأت رئيسة خدم المحظية "ماريا" تنظر إليها، والاحتقار بادٍ على وجهها. حيتها إيريس بصمت وعادت تكمل عملها. "أعطني قميص جلالته." مدت يدها نحو كومة الغسيل النظيفة. رمشت إيريس بعينيها وقالت: "لماذا؟" غضبت رئيسة الخدم فورًا وقالت: "أيتها الخادمة الحقيرة، كيف تجرؤين؟ ألا تعلمين رتبتك؟" نظرت إيريس إليها بارتباك. ما بها؟ أليس السؤال عن السبب أمرًا طبيعيًا؟ "سيدتي، أنا أعمل عند الإمبراطور، وأظن أن لا أحد يملك الحق في إملاء الأوامر غيره." توقفت للحظة، حتى إيريس نفسها صُدمت من ك
تقدمت إيريس في الممر بخطوات بطيئة في البداية، ثم بدأت سرعتها تزداد تدريجيًا دون أن تنتبه لذلك.كان الممر هادئًا، طويلًا، والجدران العالية تعكس وقع خطواتها بشكل يجعل الصوت يبدو أوضح مما هو عليه.لكن داخلها لم يكن هادئًا.منذ لحظات قليلة فقط…خرجت من جناح الإمبراطور.ومنذ تلك اللحظة، شيء ما في صدرها لم يعد مستقرًا."لماذا أشعر بالضيق هكذا كلما اقتربت منه…"هزّت رأسها بخفة تحاول طرد الفكرة، لكنها لم تنجح.بل على العكس، كل خطوة كانت أسرع من السابقة، وكأنها تهرب من شيء ما."سأذهب فقط… سأكمل عملي… هذا كل شيء."لكن عقلها لم يكن يلتزم بما تقوله.صورة غابرييل، صوته، وقربه الذي حدث قبل قليل… كانت كلها تعود دفعة واحدةخاصة عينيه عندما كان مركزًا عليها.ارتبكت أكثر.ثم دون أن تدرك، تحولت خطواتها إلى ركض خفيف.كان صوت خطواتها يزداد ارتدادًا على الأرضية الحجرية.ركضت.ليس بسرعة كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي."لا… فقط من الطبيعي أن أعجب به، فهو بعد كل شيء وسيم…"لكن الممر لم يكن خاليًا كما ظنت.وفجأة…اصطدمت بشيء صلب."آه—!"اختل توازنها، وارتفع جسدها قليلًا للخلف، وكادت تسقط.لكن يدًا قوية أمسك
توقفت إيريس في مكانها. لا مساحة خلفها للتحرك، ولا مخرج سوى الباب… لكنه محجوب بذراع واحدة فقط، كافية لمنعها من الهرب. لم يلمسها، ومع ذلك لم تستطع التحرك. اقترب غابرييل خطوة أخرى. خفض رأسه قليلًا ليصبح على مستوى عينيها. "لماذا تتجنبينني؟" صوته كان ثابتًا، خاليًا من أي انفعال. إيريس ابتلعت ريقها بسرعة ولم تجرؤ على النظر في عينيه. "أ… أنا…" رفع ذقنها فجأة وقال بصوت خافت: "أنظري في عيني وتحدثي." شعرت إيريس بحرارة في المكان الذي لمسها فيه. رفعت عينيها بحذر ونظرت إليه. حبست أنفاسها عند ذلك المنظر. كان وجهه الوسيم قريبًا جدًا لدرجة أنه لو تحرك أحدهما قليلًا لالتقت شفاههما. فكرت إيريس أنه لو قبلها ، فليست متأكدة إذا كانت ستستطيع دفعه . "أ… أنا لا أتجنبك، جلالتك." صمت. لم يرد. لكن عينيه بقيتا عليها دون أن تتحركا. اقترب نصف خطوة أخرى. الآن لم يعد بينهما سوى مسافة صغيرة جدًا. "تكذبين." كلمة واحدة فقط. شدّت إيريس أصابعها داخل كفها، واحمرّت أطراف عينيها. ضغطت على الباب خلفها تحاول خلق مسافة بينهما. كان يفعل ذلك عمدًا لإجبارها على الكلام. "أنا فقط
بعد تلك الحادثة، أصبحت إيريس موضع حديث الجميع. كما أصبح تنكرها عديم الفائدة، لذا لم تجد خيارًا سوى إظهار وجهها الحقيقي. زاد هذا الطين بلة، لكن لم يجرؤ أحد على مضايقتها. وعدت إيريس نفسها أن تُبقي بينها وبين غابرييل مسافة واضحة. لا تعرف لماذا… لكنها لم تكن تشعر بالراحة لفكرة البقاء بجانبه. ….. كانت مهامها متعددة؛ غسل ملابس حراس النخبة، والمساعدة في المطبخ، والتنظيف… أما بخصوص تقديم الطعام… فلم يُطلب منها ذلك أبدًا. في الحقيقة، كانت سعيدة بهذا، فعلى المائدة كان الإمبراطور يجلس دائمًا برفقة أحب محظياته لتناول الطعام. وكان على الخادمة أن تقدم الطعام، ثم تنتظر جانبًا حتى ينتهوا وتُنظف خلفهم… المشكلة ليست في التعب… المشكلة أن وجود غابرييل كان يربكها… لذا كانت حريصة دائمًا على تجنبه، وحتى إن صادفته، تُحييه بصمت ثم تغادر. وكأنها تهرب منه… ولحسن حظها، لم يبدُ أنه مهتم بها إطلاقًا. بالطبع، كانت انشغالاته كثيرة جدًا، فلا سبيل له لتذكر خادمة صغيرة مثلها… كانت هذه الفكرة هي ما يهدئ إيريس. ….. مرّ على تلك الحادثة شهر كامل. وعلى الرغم من أن الخدم قد توقفوا عن
عندما عادت إيريس… كان الإمبراطور قد دخل الحمام بالفعل، وأغلق الباب خلفه . بقيت إيريس في مكانها للحظة، لم تفهم بعد أن الأمر انتهى. "انتهى… أليس كذلك؟" "أنا ما زلت على قيد الحياة…!" قالتها بصوت شبه غير مسموع، وكأنها لا تصدق نفسها. من داخل الحمام، كان صوت الماء يُسمع خافتًا. أما هي، فبدأت تتحرك بسرعة. جمعت المنشفة التي سقطت، رتّبت المكان، وأخذت الملابس التي جهّزتها سابقًا بعناية أكبر هذه المرة. كانت تحاول أن تبدو طبيعية… لكن قلبها لم يكن متعاونًا. "لا يجب أن أرتكب خطأً آخر… لا يجب…" … بعد دقائق، خرج الإمبراطور من الحمام. لم يكن يرتدي شيئًا رسميًا بعد، فقط رداءَ حمّامٍ داكنًا مطرزًا بتنين أزرق غامق، وشعره ما يزال مبتلًا قليلًا، وبعض الخصل تنسدل على جبينه. كان وسيمًا جدًا، خاصةً مع بشرته الفاتحة. الآن فهمت إيريس سبب رمي الخادمات أنفسهن عليه. وقف قرب النافذة دون أن ينظر إليها. "الملابس." جاء صوته باردًا كعادته. "حاضر جلالتك." إحمر وجه إيريس بشدة و لم تجرؤ على رفع رأسها . اقتربت إيريس بسرعة، تحمل الملابس . كانت قصيرة بالنسبة له ، يصل وجهها عند صدره