Войтиوبعد ٨ أشهر، بدأت الدراسة في الكليات، والتحقت كل فتاة بالكلية التي كانت تحلم بها وتحبها.
د. نهى:
ـ أميرة...
التفتت أميرة على مصدر الصوت، فوجدت الدكتورة نهى تقف أمام مكتبها، فتوجهت إليها بسرعة.
أميرة بابتسامة:
ـ إزي حضرتك يا دكتورة؟
نهى بابتسامة:
ـ الحمد لله، إزيك إنتِ؟ وأبلة حكمت عاملة إيه؟
أميرة:
ـ بخير الحمد لله.
نهى:
ـ دايمًا يا رب. أنا كلمت دكتور عماد علشانك، وهو وافق تشتغلي في المستشفى، ومستنيكي تروحي تقابليه.
أميرة بفرحة:
ـ بجد يا دكتورة؟
نهى بابتسامة:
ـ أيوه يا ستي بجد... مع إني خايفة حكمت تزعل لما تعرف.
أميرة بابتسامة:
ـ إن شاء الله مش هتزعل... هو هيكون تدريب ليا أكتر ما يكون شغل، وأكيد هتعلم منه حاجات كتير.
نهى:
ـ وده اللي خلاني أساعدك. وجودك وسط التمريض، وإنك تشتغلي وتتعاملي مع المرضى، هيفيدك جدًا في المستقبل وهتتعلمي حاجات كتير. المهم إن الشغل ما يأثرش على مذاكرتك... عاوزين تقديراتك دايمًا تكون امتياز. ودكتور عماد لما عرف إنك لسه بتدرسي، قال هيمسكك شغل بسيط علشان دراستك.
أميرة بفرحة:
ـ أنا متشكرة أوي يا دكتورة.
نهى بابتسامة:
ـ العفو يا حبيبتي... ابقي سلميلي على حكمت.
أميرة:
ـ حاضر... الله يسلمك، عن إذنك.
(تعالوا نعرف مين هي دكتورة نهى...
نهى دكتورة أطفال، و من اربع اشهر كانت ضمن حملت تفتيش التابعة لوزارة الصحة على الملاجئ. زارت ملاجئ كثيرة، وكانت د تدخل في خلافات مع المسؤولين عنها وتكتب في حقهم شكاوى بسبب الإهمال.
لكن عندما زارت الملجأ الذي كانت حكمت تديره، انبهرت بالمكان. أعجبتها نظافته، ولفت انتباهها الاهتمام الكبير بالأطفال وصحتهم. كان الملجأ مميزًا جدًا، مليئًا بالرعاية والاهتمام والحب لكل طفل فيه.
وزاد إعجابها بحكمت عندما وجدتها تسألها باهتمام شديد عن أعراض مرض كان يعاني منه أحد أطفال الملجأ. يومها تطوعت نهى للكشف على الطفل ومتابعته يوميًا حتى يتحسن، وأصبحت تذهب إلى الملجأ كل يوم من أجله.
وفي هذا الوقت ، نشأت بين نهى وحكمت صداقة قوية.
وعندما التحقت أميرة بكلية الطب، كانت حكمت في غاية السعادة، وأخبرت نهى أن ابنتها ستدرس الطب. باركت لها نهى وسألتها عن اسم أميرة حتى تتعرف عليها.
وعندما بدأت الدراسة، استدعت نهى أميرة إلى مكتبها. وأثناء حديثهما، ذكرت أميرة كلمة "أبلة حكمت"، فاستغربت نهى، لأنها كانت تظن من طريقة حكمت في الحديث عنها أنها ابنتها بالفعل.
حينها شرحت أميرة الحقيقة كاملة، فازداد احترام نهى لحكمت وأحبتهما أكثر، وأصبحت علاقتها بحكمت أقوى من السابق.
وفي أحد الأيام طلبت أميرة من نهى أن تساعدها في إيجاد فرصة تدريب وعمل داخل مستشفى، فوافقت نهى على الفور.)
خرجت أميرة من مكتب نهى وهي في غاية السعادة، ثم توجهت إلى كلية الفنون الجميلة حيث تدرس ندا، حتى يعودا معًا.
كانت ندا تجلس على إحدى الطاولات في كافتيريا الكلية، تنتظر اتصال أميرة لتخبرها أنها وصلت. أمامها كانت تتراكم الكتب والأوراق، بينما كانت منهمكة في الكتابة والتركيز.
وعلى طاولة قريبة منها، كان يجلس مجموعة من الشباب والفتيات.
إسراء بضيق:
ـ إحنا بالشكل ده هنسقط السنة دي كمان... لازم نذاكر.
هاني متصنعًا الصدمة:
ـ نذاكر؟! وقدرتي تقوليها يا جاحدة؟! إزاي طاوعك قلبك؟! إنتِ... إنتِ... قلبك قاسي!
الشباب بصوت واحد:
ـ أووووي... أووووي... إنت مش بتحس!
وانفجر الجميع ضاحكين.
هاني وهو يضحك:
ـ نذاكر إيه يا بنتي؟ إحنا حتى لو حاولنا نذاكر، ضميرنا مش هيسمح لينا.
إسراء ضاحكة:
ـ آه طبعًا، وكأن ضميرك في قلة المذاكرة صاحي أوي! طب هنعمل إيه يا فالح؟ أنا أبويا حالف لو سقطت السنة دي كمان هيقعدني في البيت لحد ما أتجوز.
مازن:
ـ ما شاء الله... هو أبوكي لسه عنده أمل إنك تنجحي؟ وكمان تتجوزي؟ متفائل أوي!
فضحك الجميع.
نغم وهي تنظر إلى ندا:
ـ أنا عرفت حد ممكن يساعدنا ننجح.
إسراء:
ـ مين يا نغم؟
انتبه الجميع إليها.
نغم وهي تشير بعينيها نحو ندا:
ـ شايفين البنت اللي قاعدة وسط الكتب هناك دي؟
إسراء:
ـ آه... مين دي؟
نغم:
ـ دي بنت اسمها ندا أمين... موسوعة الدفعة السنة دي، والكل بيقول إنها هتطلع الأولى. راقبتها الفترة اللي فاتت، لقيتها على طول قاعدة تكتب. بتاخد المراجع والأبحاث من مكتبة الكلية وتقعد تلخص فيها. عاملة ملخصات لكل المواد، وفي المحاضرات ما بتبطلش أسئلة ومناقشات، والمحاضرة بسببها بتقعد ساعتين. وكل الدكاترة معجبين بيها.
هاني وهو ينظر إليها بطرف عينه:
ـ وإنتِ عرفتي الكلام ده منين يا بت؟
وأمسكها من قفاها مازحًا.
ـ إنتِ بتحضري المحاضرات من ورانا؟
نغم ضاحكة:
ـ سيب يا زفت! بحضر إيه بس؟ ما أنا مرزوعة معاكم كل يوم. أنا كنت بدور على حد آخد منه ملخصات، تبقى كام صفحة كده أقرهم قبل الامتحان وأبرشم منهم. فسألت ناس من اللي بيحضروا، مين بيعمل ملخصات؟ الكل قال ندا أمين هي اللي معاها الخلاصة كلها. ده حتى بيقولوا إنها من كتر مناقشاتها مع الدكاترة بقت عارفة الأجزاء اللي ممكن يجيبوا منها أسئلة الامتحان، وعاملة ملخصات خاصة بيها.
إسراء بفرحة:
ـ طيب وجبتيهم منها؟
نغم:
ـ لا يا أختي... دي بنت كئيبة، ومش بتدي حاجة لحد. هما كام بنت كده بتقف تتكلم معاهم، اللي أخدوا منها الملخصات، وأكدت عليهم ما يدوهاش لأي حد. وهم طبعًا ما يقدروش يدوها لحد أحسن تعرف وتبطل تساعدهم.
هاني:
ـ وإنتِ جاية تقوليلنا ليه طالما مش هنعرف نجيبهم؟ بتحرقي دمنا بس!
نغم وضربته على كتفه:
ـ بقولكم علشان نفكر ناخدهم منها إزاي يا جزمة.
وقف مازن وهو يعدل ملابسه بثقة.
مازن:
ـ أنا هجيبهم لكم.
نغم:
ـ اقعد اقعد... ما تتعبش نفسك، دي مالهاش في النظام بتاعك خالص.
مازن بغرور:
ـ كلهم في الأول بيبقوا ملهمش... ومع مازن بيبقى ليهم
وغمز لها ثم اتجه نحو ندا.
وكان هناك شاب يقف بالقرب من البوفيه يحتسي قهوته، وقد سمع الحوار بالكامل. ذلك الشاب هو عمران، وسنتعرف عليه بعد قليل.
أثار فضوله ما يحدث، فأخذ يراقب مازن ليرى ماذا سيفعل مع الفتاة.
اقترب مازن من ندا، التي كانت مندمجة تمامًا في الكتابة.
مازن بابتسامة:
ـ لو سمحتي...
رفعت ندا عينيها إليه.
ـ ممكن أقعد معاكي على الترابيزة؟ أصل مافيش مكان فاضي.
رفعت ندا رأسها ونظرت حولها، فوجدت الكثير من الطاولات الفارغة. ثم نظرت إلى أصدقائه الذين كانوا يراقبون الموقف ويتهامسون.
ابتسمت له بهدوء وقالت:
ـ آه طبعًا... اتفضل.
فرح مازن ونظر إلى أصدقائه وغمز لهم منتصرًا، بينما كانوا ينظرون إليه بعدم تصديق.
لكن ما إن جلس، حتى بدأت ندا تجمع كتبها وأوراقها بسرعة، ثم أشارت لأحد الأشخاص.
لاحظ عمران ذلك، وأخذ يتساءل لمن كانت تشير.
غادرت ندا المكان دون أن تعطي مازن أي اهتمام، بينما كان يهم بالكلام، لكنها كانت قد ابتعدت بالفعل.
فضحك أصدقاؤه بصوت عالٍ، بينما وقف هو ينظر إليها بغيظ.
وفجأة شعر بشخص يربت على كتفه.
استدار ليجد النادل يقف خلفه.
النادل:
ـ الحساب... خمسين جنيه.
مازن باستغراب:
ـ خمسين جنيه بتوع إيه؟ أنا ما طلبتش حاجة.
النادل:
ـ ده حساب الترابيزة دي. الآنسة اللي كانت قاعدة مع حضرتك طلبت فطار وعصير ونسكافيه، وقبل ما تمشي أشارتلي إن حضرتك اللي هتدفع الحساب.
كان صوت النادل مرتفعًا بما يكفي ليسمعه الجميع.
وانفجر أصدقاء مازن بالضحك، بينما ابتسم عمران بإعجاب من ذكاء تلك الفتاة التي لا يعرفها.
أما ندا، فكانت قد غادرت بالفعل، وفي تلك اللحظة وصلت أميرة أمام الكلية، فرحلتا معً
وأثناء تناول الغداء مع فاطمة وحكمت، كانت ندا تحكي لهما ما حدث مع مازن، فضحك الجميع.
ندا بضحك:
ـ يعني أكلتي وشربتي... ودبستيه هو في الحساب!
أميرة ضاحكة:
ـ علشان يتربى... فاكر نفسه شاطر أوي وجاي يستظرف، وأصحابه قاعدين فاكرينه فالنتينو وبيوقع أي بنت.
حكمت بابتسامة:
ـ اتغيرتي أوي يا ندا... مبقاش يتخاف عليكي. من يوم موضوع أم عادل وأنا ملاحظة التغيير ده. إنتِ زمان ما كنتيش كده... كنتِ على طول مستسلمي.
ندا بابتسامة حزينة:
ـ أنا فعلًا اتغيرت. وأنا في الملجأ كان الكل عارفني وعارف الحروق اللي في جسمي، فكنت بهرب من البنات والمشرفات، وما بواجهش حد... كنت بستسلم. كنت بهرب علشان ما أشوفش نظرات الاشمئزاز في عيونهم، أو حد يتخانق معايا ويقولي: يا مشوهة.
توقف الجميع عن الأكل ونظروا إليها بحزن.
ندا أكملت:
ـ لكن لما خرجت من الملجأ وعشت معاكم، وبقيت قاعدة براحتي من غير طرحة ولا قمصان برقبة عالية، ورغم إنكم شايفين الحروق... عمري ما شفت في عيونكم غير الحب. بقيت حاسة إني عادية. نسيت الحروق، ورجعتلي ثقتي في نفسي. والناس بره ما يعرفونيش، فبيشوفوني بشكل طبيعي.
ثم ابتسمت وأضافت:
ـ وفي أوقات كتير بتبقى نظرات إعجاب كمان... فبطلت أخاف. واللي يحاول يعمل نفسه ذكي عليا، بعرف إزاي أوقفه عند حده وأخليه يبان عيل أهبل.
أميرة بضحك:
ـ أيوه بقى يا نيدوش... والله وبقيتي قطة بتخربش.
فنظرت لها ندا وأخرجت مخالبها الوهمية بيديها مقلدة القطة، فضحكوا جميعًا.
فاطمة بابتسامة:
ـ ربنا يحميكم ويبعد عنكم كل شر.
أميرة:
ـ أيوه ادعيلي أوي يا تيتا...
ثم نظرت إلى حكمت.
ـ وادعيلي أبلة حكمت توافق.
نظرت إليها حكمت باهتمام.
ـ أوافق على إيه؟
أميرة بابتسامة:
ـ على شغلي.
حكمت باستغراب:
ـ شغل إيه؟
فحكت أميرة لهم عن المستشفى، وعن حديثها مع نهى ومدير المستشفى.
كانت تتحدث بحماس شديد، بينما كانت حكمت تستمع إليها باهتمام.
وعندما انتهت، نظرت إليها أميرة بقلق.
أميرة:
ـ إيه رأيك يا أبلة؟
ظلت حكمت صامتة للحظات، ثم عادت لتناول الطعام وقالت بهدوء:
ـ موافقة.
ندا باستغراب:
ـ بجد يا أبلة؟ ولا بتهزري؟
حكمت بابتسامة:
ـ لا بجد.
ثم نظرت إلى أميرة.
ـ كنت ممكن أرفض لو حسيت إنك عايزة تشتغلي علشان المصاريف أو تساعديني، لكن وأنا بسمعك لقيت إن الفلوس مش السبب. إنتِ عايزة تتعلمي وتتدربي وتبقي دكتورة شاطرة. وطالما الدكتورة نهى هي اللي رشحتلك المستشفى، يبقى المكان كويس وهبقى مطمنة عليكي.
ثم ضحكت وقالت:
ـ مستعجلة أوي تبقي دكتورة... مش قادرة تستني لحد ما تخلصي!
أميرة قفزت من مكانها وقبلتها بسعادة.
ـ متشكرة أوي يا أبلة... ربنا يخليكي ليا.
حكمت:
ـ بس لو لقيت الشغل مأثر على صحتك أو دراستك، هتسيبيه فورًا... اتفقنا؟
أميرة بابتسامة:
ـ اتفقنا.
انتهى الغداء، ومع اقتراب المغرب ذهبت حكمت مع أميرة إلى المستشفى لمقابلة المدير كما أخبرتهما نهى، فقد أرادت أن تطمئن بنفسها على المكان الذي ستتدرب فيه أميرة.
وفي منزل حكمت...
كانت فاطمة وندا تجلسان عندما سُمِع طرق على الباب.
ارتدت ندا طرحتها وذهبت لتفتح، فوجدت أم فاروق وابنتها سامية.
أم فاروق:
ـ السلام عليكم... إزيك يا حبيبتي؟
ندا:
ـ وعليكم السلام... الحمد لله بخير. اتفضلوا.
دخلت أم فاروق وسامية.
فاطمة باستغراب:
ـ أهلًا يا أم فاروق... اتفضلي. إزيك يا سامية؟
سامية بحزن:
ـ الحمد لله يا خالتي.
نظرت أم فاروق إلى فاطمة وندا وقالت بخجل:
ـ أنا عارفة إنكم زعلانين مني... وحقكم عليا. أنا عارفة إني غلطانة.
فاطمة:
ـ حصل خير يا أم فاروق... إحنا جيران وعِشرة عمر، ومش هنزعل من بعض.
أم فاروق:
ـ ده العشم يا أختي... وعشان كده أنا جاية النهارده وقاصداكي في خدمة يا ست فاطمة.
فاطمة:
ـ عيني ليكم يا أختي... خير؟
فتحت أم فاروق الكيس الكبير الذي كانت تحمله.
وكانت تحاول رسم ابتسامة على وجهها رغم الدموع التي تملأ عينيها.
أم فاروق:
ـ سامية بنتي فرحها بعد بكرة إن شاء الله، وإنتِ والبنات وأبلة حكمت أول المعازيم طبعًا. إحنا عاملين قعدة بسيطة تحت البيت.
ثم نظرت إلى الفستان الذي أخرجته من الكيس، وقالت بصوت مكسور:
ـ خطيبها جه من شوية وجاب الفستان ده...
أخرجت فستانًا أبيض قديمًا للغاية.
ـ جابه علشان تلبسه في الفرح. كان بتاع أخته الكبيرة، قالتله ياخده لأنها مش محتاجاه. أصل فساتين الإيجار غالية أوي، وهو صرف كل اللي معاه على الشقة، وما بقاش معاه يجيب فستان.
ثم نظرت إلى فاطمة وندا.
ـ بس الفستان طلع كبير عليها، وشكله مش حلو. أصل أخته كانت أتخن من سامية بكتير.
واختنق صوتها بالدموع.
ـ وأبوها لما شافها لابساه زعل جدًا، وحلف إنها مش هتخرج بيه بالشكل ده، وإنه لو ما جابش فستان عدل هيطلقها منه.
ثم التفتت إلى سامية محاولة الابتسام.
ـ فقولتلها إن الفستان لو اتظبط هيبقى حلو. وجيتلك يا ست فاطمة علشان تظبطيه على الماكينة لو ما عندكيش مانع.
نظرت فاطمة إلى سامية ثم إلى الفستان.
ـ حاضر... من عيني.
أم فاروق:
ـ تسلم عينيكي يا أختي. قومي يا سامية، ادخلي الأوضة وقيسي الفستان علشان الست فاطمة تاخد المقاسات.
دخلت سامية الغرفة، وما إن أغلقت الباب حتى انهارت أم فاروق بالبكاء.
أم فاروق بدموع:
ـ كسروا فرحتها يا أختي... أبوها وجوزها واقفين بعناد قصاد بعض، ومحدش فيهم عاوز يتنازل للتاني. كل شوية خناقة... مرة على الشقة، ومرة على القايمة والمؤخر... والبنت هي اللي بتضيع في النص.
ثم مسحت دموعها بسرعة.
ـ عشر سنين مستنياه، ومكتوب كتابها عليه وصابرة... وفي الآخر مستخسر يفرحها في الليلة اللي كل بنت بتحلم بيها. رايح جايب فستان أخته المتجوزة من تمنطاشر سنة، اللي كان مرمي تحت السرير، وجاي يقولها البسيه... هما ساعتين وخلاص!
ثم أجهشت بالبكاء.
ـ البنت نفسها مكسورة أوي يا أختي... وأبوها جاب آخره وحالف يطلقها. بس تطلق إزاي بعد عشر سنين؟ الناس هتقول إيه؟ ومين هيخبط على بابها تاني؟ دي بقت عندها تلاتة وتلاتين سنة دلوقتي.
ثم نظرت إلى ندا متوسلة:
ـ والنبي يا ندا، قولي لها أي كلمتين حلوين عن الفستان... يمكن تصدق.
وفي تلك اللحظة فُتح باب الغرفة.
خرجت سامية والدموع تغرق وجهها.
كانت ترتدي الفستان... الذي لم يكن فيه ما يدل على أنه فستان زفاف سوى لونه الأبيض الباهت الذي اصفرّ من كثرة الركنة.
انصدمت ندا وفاطمة بمجرد رؤيته.
أما أم فاروق، فرغم انكسار قلبها، رسمت ابتسامة واسعة على وجهها وأخذت تزغرد، بينما كانت دموعها تنساب بصمت.
حاولت فاطمة وندا الابتسام حتى لا تجرحا مشاعر سامية.
أخذت فاطمة مقاساتها وأخبرتها أنها ستضيق الفستان وتعدله قدر استطاعتها.
شكرتهم أم فاروق، وتركت الفستان على الطاولة ثم غادرت مع ابنتها.
وبعد رحيلهما، ظلت ندا جالسة في مكانها شاردة وحزينة، تستعيد صورة سامية وهي تبكي، ودموع أم فاروق وهي تحاول إخفاء ألمها.
وبعد فترة، نهضت من مكانها، واتجهت نحو الفستان.
أمسكته بين يديها، وأخذت تقلبه وتتأمله في صمت.
فاطمة باستغراب:
ـ بتعملي إيه يا ندا؟
نظرت إليها ندا وابتسمت ابتسامة غامضة...
في مكتب محمود، كانت سلوى قد فاقت وربطت رأسها، بينما كانت ماهي جالسة وعلى رقبتها دعامة طبية.محمود كان قد فهم منهما أن كمال سمع حديثهما بالكامل... وعرف الحقيقة كلها.وقف أمامهما بغضب شديد وهو يصرخ:محمود بغضب: أغبياء! أغبياء! أنتم اللي كشفتونا ووديتونا في داهية! هو كان لسه عنده شك ناحيتها... لكن دلوقتي اتأكد إنها بريئة لما سمع كلامكم! أغبياء... ما لقيتوش غير الأوضة اللي هو فيها وتتخانقوا فيها وتتكلموا؟! خلاص... مفيش عقل خالص!وقفت سلوى أمامه بعصبية وقالت:سلوى بغضب: وابنك لازم يدفع تمن اللي عمله فيا أنا وبنتي يا محمود!لسه محمود هيرد، رن تليفونه.بص للشاشة لقى المحامي عصام.رد بسرعة:محمود بغضب: في إيه يا عصام؟ مش قولتلك الراجل يخرج؟وقبل ما يكمل، سمع صوت صراخ عالي جاي من ناحية التليفون.علي بصراخ: خرجوا بنتي! بنتي لو ما خرجتش هوديكم في داهية! هقول لكمال على الحقيقة كلها!قطب محمود حاجبيه بغضب وقال:محمود: هو في إيه يا عصام؟ الراجل ده بيزعق ليه؟رد عصام بصوت منخفض:عصام: مش عارف يا باشا... أول ما شاف بنت نازلة من البوكس فضل يزعق ويقول دي بنته.لف محمود بسرعة ناحية سلوى وقال بغضب:محمود
أميرة بتعب: الملفات... اللي في قسم الأطفال.أليف يبص لها بابتسامة:- مالك كده؟ مش قادرة تاخدي نفسك... إنتِ تعبتي؟أميرة وهي بتنهج:- لا، ما تعبتش.أليف:- كويس... دلوقتي هتروحي...ولسه هيكمل كلامه، الباب اتفتح ودخل عماد، فوقف أليف فورًا.أليف:- أهلًا يا دكتور.عماد بص لأميرة بابتسامة:- أميرة، ممكن تسيبينا لوحدنا شوية... روحي ارتاحي.أميرة بابتسامة وفرحة:- متشكرة يا دكتور عماد، ربنا يخليك للغلابة.وخرجت بسرعة قبل ما أليف يعترض.عماد قعد قدامه وقال:- مش معنى إني وافقت إنها تكون مساعدة ليك... إنك تجريها طول اليوم بين أقسام المستشفى. خف عليها بدل ما أنقلها.أليف بابتسامة:- هي جتلك واشتكت ليك؟عماد:- لا، هي ما جتش ولا اشتكت... بس المستشفى كلها ملهاش سيرة غير الدكتور الجديد المفتري اللي بيعذب المساعدة بتاعته... والكل بيدعي إنه ما يشتغلش تحت إيده.أليف ضحك:- مش للدرجة دي؟ ده أنا لسه بتعرف على قدرة تحملها.عماد وقف وهو بيبتسم:- خف شوية... أحسن أوريك أنا قدرة تحملي.أليف ضحك:- لا، أبوس إيدك... أنا ما صدقت هربت من الدكتور الكبير.ورفع إيده باستسلام:- خلاص يا دكتور... هنعفو عنها وهنخفف
وفي بيت حكمت...كانت حكمت وفاطمة والبنات جالسات معًا يتبادلن الحديث.فاطمة بابتسامة: النهارده يا ندى جالي حوالي خمس ستات عاوزينك.ندى باستغراب: عاوزيني أنا؟ مين دول يا تيتا؟ وعاوزين إيه؟فاطمة بضحك: عاوزينك تعمليلهم فساتين لأفراحه بناتهم. لا وإيه... كل واحدة فيهم راحت اشترت فستان قديم بسعر رخيص، وجاية عاوزاكي تغيريه وتعملي منه فستان جديد. وكمان قالوا هيدوكي اللي إنتِ عاوزاه، بس تكوني حنينة عليهم في السعر.حكمت باستغراب: يعني عاوزين يدفعوا فلوس؟ طب ما يشتروا فساتين جديدة أو يأجروها طالما هيدفعوا؟فاطمة ضحكت وقالت:فاطمة: طلعتي خايبة زي ستك يا حكمت. أنا كمان قولتلهم كده، بس طلعوا ناس واعية. اشتروا الفستان القديم بمئتي جنيه، وقالوا إن ندى ممكن تاخد على تفصيل الفستان الواحد ألف جنيه.أميرة باستغراب: ألف جنيه في تفصيل فستان؟ حلو أوي... بس كده هيبقوا دفعوا ألف ومئتين جنيه. ده تقريبًا تمن إيجار فستان! هيوفروا إيه؟فاطمة بابتسامة: هيوفروا كتير، وهيستفيدوا كمان. لو أجروا فستان هيأجروه بأغلى من كده بكتير، ولو اشتروا فستان بنفس السعر مش هيبقى بالجمال اللي هما عاوزينه، وكمان مش هيكون متفصل مخصوص
:أميرة بضحك: هنروح نجيب الموبايل صح؟ندى: موبايل إيه اللي نروح نجيبه؟ هبقى آخده بكرة وأنا في الكلية.أميرة بزعل: لا، علشان خاطري يا ندى، نرجع ناخده دلوقتي. أنا نفسي أشوف الدكتور أبو نظرات غريبة. هنروح يعني هنروح.ندى بغيظ: روحي لوحدك، أنا مروحة.ومشت وتركتها، بينما ظلت أميرة تنادي عليها. وفجأة صرخت صرخة عالية.التفتت ندى بخوف، ثم جرت نحوها بسرعة، لتجد سيارة مرت مسرعة بجوار الطريق، وكانت هناك بركة كبيرة من الماء والطين، فتطايرت كلها فوق أميرة حتى غرقتها بالكامل.أليف أخرج رأسه من نافذة السيارة وهو يضحك:أليف: ده أول درس... استني الباقي.وانطلق بالسيارة، بينما كانت ندى تنظر إليه باستغراب شديد دون أن تفهم شيئًا.أميرة بغضب وغيظ: يا حيوان يا تور... والله لأعرفك أنا اللي هربيك.نظرت ندى إلى شكلها وانفجرت ضاحكة.أميرة بغيظ: عااااااا... شوفتي التور عمل فيا إيه؟ والله لأربيه.أخذت ندى الهاتف من يدها وفتحت الكاميرا.أميرة: إنتِ بتعملي إيه؟ندى بضحك: شكلك مسخرة... لازم تتصوري.صرخت أميرة بغيظ ومشت تاركة إياها، لكن ندى جرت خلفها، ثم أوقفتا سيارة أجرة وعادتا إلى المنزل.---وصل أليف إلى بيته وفت
في كلية ندى...كان عمران يُلقي المحاضرة، وندى جالسة تدوّن الملاحظات باهتمام. وبعد أن انتهت المحاضرة، قال بابتسامة:عمران: خلصت محاضرة النهارده، وأي حد عنده سؤال يكتبه في ورقة ويحطه على المكتب هنا في المحاضرة الجاية، وأنا هجاوب عليه.وسكت لثوانٍ ثم قال:عمران: الطالبة ندى أمين.ندى انتفضت في مكانها وكتمت أنفاسها فور سماع اسمها، بينما شعر هو بتوترها فكتم ضحكته.عمران: تيجي لمكتبي بعد المحاضرة.قال كلمته وغادر القاعة، بينما ظلت ندى جالسة مكانها لا تتحرك. خرج جميع الطلاب وبقيت وحدها لبعض الوقت، ثم نهضت وتوجهت إلى مكتبه. وقفت أمام الباب مترددة، لا تعرف هل تطرق أم ترحل.في الداخل كان عمران يتحرك ذهابًا وإيابًا وهو يسأل نفسه:ـ يا ترى هتيجي؟وبعد قليل شعر بوجود شخص يقف خلف الباب، فتوقف منتظرًا أن تطرق. ولما تأخرت، شعر بالقلق واتجه نحو الباب وفتحه بسرعة، فوجدها أمامه مباشرة.انتفضت ندى من الخضة وكادت ترحل.عمران بسرعة: آنسة ندى.ندى بارتباك: أفندم يا دكتور... حضرتك عاوزني؟عمران بابتسامة: اتفضلي المكتب عشان نتكلم.دخل وتركها خلفه. ترددت قليلًا ثم دخلت، لكنها أبقت الباب مفتوحًا.ندى وهي واقفة
في الداخل، كانت ندا وفاطمة تجلسان وسط أكوام القماش، منهمكتين في القص والتجهيز.قالت ندا دون أن ترفع رأسها عن عملها:ـ مبروك يا ميرا.وأضافت فاطمة وهي تواصل القص:ـ ربنا ينجحك يا بنتي، وأشوف اسمك مكتوب على عيادة كبيرة إن شاء الله.تبادلت حكمت وأميرة نظرات مستغربة، ثم اقتربتا منهما.سألت حكمت بدهشة:ـ إنتوا بتعملوا إيه؟ وإيه القماش ده؟ومدت يدها لتلمسه، لكن ندا صاحت بسرعة:ـ حاسبي يا أبلة!وأضافت فاطمة في نفس اللحظة:ـ سيبيه يا حكمت!توقفت حكمت وأميرة مكانهما وقد زاد استغرابهما.قالت أميرة:ـ هو فيه إيه؟ وإيه الحكاية دي كلها؟ابتسمت ندا وقالت:ـ ده فستان فرح سامية.عقدت حكمت حاجبيها بدهشة:ـ فستان فرح سامية؟! فين الفستان أصلًا؟ وسامية مين؟ قصدك سامية بنت أم فاروق؟أومأت فاطمة:ـ أيوة هي. أصل بعد ما نزلتوا جت هي وأمها، ويا عيني كانت مكسورة الخاطر.ثم بدأت تحكي لهما ما حدث، بداية من زيارة أم فاروق وحتى فكرة ندا في إعادة تصميم الفستان.أنهت حديثها قائلة:ـ ومن ساعتها وإحنا قاعدين نقص ونظبط فيه... وكمان لقينا التل من تحت مقطوع في كذا حتة.سألت أميرة:ـ وهتعملوا إيه فيه؟أشارت ندا إلى أجزاء
ظلت ندا جالسة في مكانها، شاردة الذهن، تستعيد في مخيلتها ملامح سامية الحزينة ودموع أم فاروق التي لم تفارق عينيها. كانت تنظر إلى الفستان بين الحين والآخر، وكأن فكرة ما بدأت تتشكل داخل رأسها.فجأة نهضت من مكانها، وأمسكت بالفستان، تقلبه بين يديها وتفحص القماش بعناية، ثم راحت تنظر إلى المقاسات المكتوبة
وفي صباح اليوم التالي، كانت ندا تجلس في الصالة، منهمكة في تصميم بعض الملابس وقص الأقمشة التي اشترتها بالأمس.وفجأة، دوّى طرق على الباب.تحركت أميرة لتفتحه، لكن ندا أوقفتها بسرعة.ـ استني يا أميرة!أسرعت نحو الأريكة، والتقطت طرحتها التي كانت موضوعة عليها، ثم ارتدتها على عجل، وأخذت تتأكد أكثر من مرة
طلع النهار، وكانت البنات وحكمت ما زلن نائمات في أحضان بعضهن، ولم يستيقظن إلا بعد الظهر. أما فاطمة فكانت مستيقظة منذ وقت طويل، تجلس في الصالة وتنتظرهن.قالت حكمت وهي تخرج من الغرفة:ـ صباح الخير يا تيتا.أجابتها فاطمة بعتاب:ـ صباح النور.نظرت إليها حكمت باستغراب وسألت:ـ خير يا تيتا؟ زعلانة ليه؟حد
حكمت بصراخ:ـ استنى... سيبني... ابعد عني يا ابن...قال سيف بشهوة وهو يحاول تقبيلها:ـ أبعد أروح فين؟ أنا مش هبعد غير لما آخد اللي أنا عاوزه الأول...حاول سيف الاعتداء على حكمت، بينما كانت تقاومه بكل قوتها وتصرخ طلبًا للنجدة. وفجأة، انكسر باب الشقة بعنف، واقتحم رجال الشرطة المكان، وأمسكوا بسيف وحكمت







