LOGINوفي بيت حكمت...
كانت حكمت وفاطمة والبنات جالسات معًا يتبادلن الحديث.
فاطمة بابتسامة: النهارده يا ندى جالي حوالي خمس ستات عاوزينك.
ندى باستغراب: عاوزيني أنا؟ مين دول يا تيتا؟ وعاوزين إيه؟
فاطمة بضحك: عاوزينك تعمليلهم فساتين لأفراحه بناتهم. لا وإيه... كل واحدة فيهم راحت اشترت فستان قديم بسعر رخيص، وجاية عاوزاكي تغيريه وتعملي منه فستان جديد. وكمان قالوا هيدوكي اللي إنتِ عاوزاه، بس تكوني حنينة عليهم في السعر.
حكمت باستغراب: يعني عاوزين يدفعوا فلوس؟ طب ما يشتروا فساتين جديدة أو يأجروها طالما هيدفعوا؟
فاطمة ضحكت وقالت:
فاطمة: طلعتي خايبة زي ستك يا حكمت. أنا كمان قولتلهم كده، بس طلعوا ناس واعية. اشتروا الفستان القديم بمئتي جنيه، وقالوا إن ندى ممكن تاخد على تفصيل الفستان الواحد ألف جنيه.
أميرة باستغراب: ألف جنيه في تفصيل فستان؟ حلو أوي... بس كده هيبقوا دفعوا ألف ومئتين جنيه. ده تقريبًا تمن إيجار فستان! هيوفروا إيه؟
فاطمة بابتسامة: هيوفروا كتير، وهيستفيدوا كمان. لو أجروا فستان هيأجروه بأغلى من كده بكتير، ولو اشتروا فستان بنفس السعر مش هيبقى بالجمال اللي هما عاوزينه، وكمان مش هيكون متفصل مخصوص ليهم.
ثم أكملت بحماس:
ـ لكن لما ندى تعمله بإيديها، هيبقى كأنه جديد ومتعمل مخصوص لصاحبته، ومحدش لبسه قبلها. وبعد الفرح كمان تقدر تأجره أو تبيعه وترجع جزء كبير من فلوسها، ويمكن تكسب فيه كمان.
ابتسمت ندى بإعجاب.
ندى: فكرة حلوة جدًا... والله برافو عليهم.
وسكتت لحظة تفكر، ثم قالت:
ـ المشروع ده لو اتعمل على نطاق أكبر... هينجح جدًا وناس كتير هتستفيد منه.
أميرة بضحك: آه طبعًا... وإنتِ تاخدي على الفستان الواحد ألف جنيه وتغتني، ومحدش يقدر يكلمك بعدها.
ثم نظرت لها بمكر.
ـ طيب إيه؟ هتعملي لهم الفساتين؟
ندى بابتسامة حالمة: ياريت...
ثم سرحت قليلًا وأكملت:
ـ عارفة لو كان عندي مكان؟ كنت عملت مشغل صغير، وجبت بنات وستات يشتغلوا فيه. وكمان كنت جبت البنات اللي بيخرجوا من الملجأ يشتغلوا بدل ما يخرجوا يواجهوا الدنيا لوحدهم أو حد يستغلهم.
وأخذ الحماس يزداد في صوتها:
ـ وكنا نشتغل ونكبر خطوة خطوة... وبعد كده نفتح محل باسمنا، ونبيع الفساتين بأسعار مناسبة للناس.
ثم ابتسمت وهي تكمل حلمها:
ـ والمشغل بعد كده ممكن يبقى مصنع، ويشتغل فيه ناس أكتر وأكتر.
أميرة ضحكت وقالت:
أميرة: إيه يا بنتي! حيلك حيلك... إنتِ بتحلمي بعيد أوي.
ندى بضحك: يا شيخة، حتى الحلم قفلتيه في وشي! سيبيني أحلم شوية.
ابتسمت حكمت وهي تنظر إليها بفخر.
حكمت: احلمي... بس الأهم إنك تحققي أحلامك.
ثم أضافت بثقة:
وعلى فكرة، حلمك ده مش صعب يتحقق دا سهل جد .
نظرت إليها ندى بدهشة.
ندى: سهل؟ إزاي يا أبلة؟
اقتربت منها حكمت وجلست بجوارها.
حكمت: إنتِ عاوزة مكان للمشغل صغير تبدائ فيه صح؟
ندى: أيوه.
حكمت: والمكان موجود.
اتسعت عينا ندى بدهشة. موجود فين دا؟
حكمت: محل بابا اللي تحت البيت مقفول بقاله سنين. بدل ما يفضل مقفول، نفتحه ونستغله. وونعنله مشغل
ثم أشارت إلى فاطمة.
ـ وعندنا ماكينة الخياطة بتاعة تيتا، وممكن نجيب تلات أو أربع ماكينات كمان بالقسط من مرتبي، ومن المكسب نسدد تمنهم.
وأكملت بابتسامة:
ـ والبنات اللي محتاجين شغل كتير، ومش لاقيين فرصة.والحته هنا ملينا بنات
ثم نظرت إلى ندى بجدية.
ـ المهم... هتقدري توفقي بين دراستك وبين التصميم؟وتشغيل المشغل وهتقدري تعلمي البنات وتوجهيهم؟
أضاءت الفرحة وجه ندى.
ندى بفرحة: أقدر يا أبلة... أقدر.جدا
فاطمة بابتسامة واسعة: والله فكرة حلوة.
ثم قالت بحماس:
ـ وأنا كمان هساعدها. بدل ما انا بقعد لوحدي طول اليوم مستنياكم ترجعوا، أمسك أنا إدارة المشغل بالنهار وأتعامل مع الزباين وأرتب المواعيد والاتفاقات.
ثم نظرت إلى ندى بحنان.
ـ وكمان أساعدها علشان تقدر تركز في كليتها ومستقبلها.
أميرة بضحك: وتبقي سيدة أعمال يا تيتا، ونحطلك مكتب في النص وخزنة جنبك، تحطي فيها الفلوس... الله! فكرة حلوة، وأنا موافقة.
حكمت بضحك: وإنتِ مالك أصلًا؟ هتشتغلي معاهم؟
أميرة: طبعًا يا أبلة... هشتغل أهم شغل. هشجعكم وأدعيلكم. هو حضرتك فاكرة إن من غير تشجيعي ليكم ودعواتي هتنجحوا؟ طبعًا لا.
انفجر الجميع ضاحكين، واتفقوا على أن يبدأوا في تجهيز المشروع.
وفي اليوم التالي بالمستشفى...
كان جميع أفراد الطاقم التدريبي متجمعين، ينتظرون الأطباء لمعرفة مع من سيتدرب كل منهم خلال هذا الشهر.
دخل دكتور عماد ومعه مجموعة الأطباء، ومن بينهم أليف، الذي كان يسير بثقة واضحة، بينما تتبعه نظرات الجميع.
نانسي بوشوشة: حلو أوي الدكتور الجديد ده... يارب يختارني معاه.
أميرة وهي تنظر إليه بضيق: إيه اللي حلو فيه ده؟ دمه تقيل ومغرور.
عماد بابتسامة: إزيكم يا شباب؟
المتدربون جميعًا: بخير يا دكتور.
عماد: النهارده هنبدأ التدريب في الأقسام، وهنوزع كل واحد منكم على دكتور. وطبعًا مش لازم أفكركم إن التقرير اللي هيكتبه الدكتور عن المساعد اللي معاه هيفرق جدًا في استمراركم في التدريب بالمستشفى التعليمي... يعني لازم...
وقبل أن يكمل، قال الجميع بصوت واحد:
ـ لازم ننفذ تعليمات الدكتور تنفيذًا دقيقًا.
فضحك الجميع.
عماد بضحك: تمام... حافظين، برافو عليكم. يلا نبدأ التوزيع علشان كل واحد يروح شغله.
وبدأ ينادي أسماء الطلاب والأطباء المشرفين عليهم.
عماد: دكتور أليف، قسم الجراحة هيكون معاه...
وقبل أن يكمل، قاطعه أليف.
أليف بابتسامة وتحدٍ: دكتورة أميرة.
ثم نظر إلى عماد وأضاف:
ـ بعد إذنك طبعًا يا دكتور عماد.
اتسعت عينا أميرة بصدمة، ونظرت إلى عماد وكأنها تستنجد به ليرفض.
لكن عماد ابتسم وقال:
عماد: مفيش مشكلة. دكتورة أميرة، إنتِ هتبقي مساعدة دكتور أليف.
وقفت أميرة فورًا باعتراض.
أميرة بضيق: لا، مش عاوزة.
التفت الجميع إليها باستغراب.
ـ لو سمحت يا دكتور عماد، أنا حابة أبقى مساعدة لحضرتك.
عماد: إنتِ كنتِ معايا الشهر اللي فات يا أميرة، ونانسي هي اللي هتبقى معايا الشهر ده.
أميرة: طيب أروح مع دكتورة نهى.
أليف بسرعة: واضح إن الطلبة عندك مدللين أوي يا دكتور عماد، ومن أولها بيرفضوا تنفيذ التعليمات.
ثم نظر إلى أميرة نظرة ذات مغزى.
ـ وشكل الدكتورة أميرة مش حابة تفضل في الطاقم التدريبي للمستشفى.
نهى بسرعة: لا يا دكتور أليف، أكيد أميرة ما تقصدش. هي بس قسم الجراحة صعب عليها شوية، هي لسه في سنه اولي
أليف: ما أظنش إن ده بيفرق هنا في المستشفى يا دكتورة نهى. المتدرب سواء في سنة أولى أو سادسة، كلهم جايين يتعلموا.
ثم التفت إلى عماد.
ـ ولا إيه رأيك يا دكتور عماد؟
كان عماد يحاول بصعوبة إخفاء ضحكته.
عماد: أكيد يا دكتور.
ثم نظر إلى أميرة بحزم.
ـ دكتورة أميرة... إنتِ مساعدة دكتور أليف الشهر ده.
أميرة باعتراض: يا دكتور...
عماد بجدية: دكتورة أميرة.
أميرة بزعل: حاضر يا دكتور.
ارتسمت على وجه أليف ابتسامة انتصار.
أليف: تعالي ورايا.
ثم استدار وغادر، بينما تبعته أميرة وهي تتمتم بكلمات غاضبة وتتوعده.
ظل عماد ونهى ينظران إليهما حتى ابتعدا.
نهى بصوت منخفض: هما مالهم الاتنين؟
عماد بضحك: مش طايقين بعض... يارب بس ما يولعوش في المستشفى.
نهى: طب ليه وافقت إنهم يبقوا سوا؟
ابتسم عماد ابتسامة مختلفة، ثم نظر إليها بحب.
عماد: أصل شكلهم بيفكرني بأيام الجامعة.
نظرت إليه نهى في صمت.
عماد: كان فيه اتنين برضه مش طايقين بعض في الأول، وكانوا هيولعوا في بعض. وبعد كده بقوا أصحاب... أو عملوا نفسهم أصحاب.
ثم تنهد وهو يسترجع الذكريات.
ـ وفضل كل واحد مستني التاني يتكلم، لحد ما القدر فرق بينهم. هي سابته واتجوزت، وهو هرب بعيد وحاول ينساها.
واستمر وهو ينظر إليها مباشرة:
ـ ولما فقد الأمل إنه ينساها، رجع... لكن القدر حب يصالحهم ورجعها ليه من تاني بطريقة غريبة.
ثم ابتسم بحزن خفيف.
ـ بس شكلهم متعلموش من اللي فات، ولسه ساكتين ومش بيتكلموا. قولت يمكن لما يشوف شجاعة أليف، يتشجع هو كمان ويتكلم... كفاية اللي ضاع من عمرهم.
ابتسمت نهى بخجل، ثم نظرت إليه.
نهى: ياريت فعلًا ياخد الشجاعة من أليف.
ثم اقتربت قليلًا وقالت بصوت منخفض:
ـ أحسن هي فاض بيها... وهتصرخ وتسمع الدنيا كلها وهي بتقوله: "بحبك"...
ثم ابتسمت بخجل وأضافت:
ـ أنا هروح أشوف العيادة.
واستدارت بسرعة وغادرت قبل أن يمنعها خجلها من الهروب.
أما عماد، فظل واقفًا مكانه للحظات، وقد ارتفعت دقات قلبه بسبب كلماتها.
ظل ينظر في أثرها مبتسمًا، يستعيد ما قالته في عقله مرة بعد أخرى، قبل أن يفيق على الأصوات من حوله.
عندها اتسعت ابتسامته أكثر، واتجه مسرعًا خلفها.
ذهب أليف إلى مكتبه، وتبعته أميرة وهي تكاد تنفجر من الضيق والغيظ.
جلس على كرسيه براحة، ثم رفع قدميه فوق المكتب وهو يبتسم ابتسامة مستفزة.
أليف بابتسامة: والله ووقعتي تحت إيدي... وعلى الله أطلب طلب وما يتنفذش. ساعتها بقى هوصلك لباب المستشفى بنفسي، وأقولك: بااااي بااااي...
ثم تظاهر بأنه يمسك قُلّة بيده.
ـ وأجيب قُلّة وأقوم ماسكها... وهووووب! أحدفها على راسك.
وتنهد براحة مصطنعة.
ـ وساعتها أكون نفذت رسالتي وخلصت منك.
وقفت أميرة تنظر إليه بغيظ، وكانت على وشك أن تنفجر فيه صراخًا، لكنها تماسكت في آخر لحظة.
أميرة في نفسها: هنشوف مين فينا اللي هيوصل التاني لباب المستشفى... أمّا أرجعك مطرح ما جيت، ما أبقاش أميرة.
وارتسمت على شفتيها ابتسامة شريرة.
لاحظ أليف صمتها، فاستغرب كثيرًا، خصوصًا مع تلك الابتسامة التي لم تعجبه أبدًا.
أليف بشك: إنتِ ساكتة ليه؟ وإيه معنى الابتسامة اللي على وشك دي؟
أميرة بهدوء وابتسامة مصطنعة: مستنية أوامر حضرتك يا دكتور... اتفضل، أنا تحت أمرك.
نظر إليها أليف بريبة، وشعر أن وراء هذا الهدوء مصيبة قادمة.
أليف في نفسه: مش مرتاح للأدب ده... بس هنشوف ناوية على إيه.
ثم اعتدل في جلسته وقال:
أليف: دلوقتي عاوزك تنزلي تحت وتجيبي لي ملفات الحالات اللي في قسم الجراحة كله، وبعدها تروحي القسم الخيري في المبنى التاني وتجيبي ملفات الحالات اللي هناك كمان.
ثم نظر إلى ساعته.
ـ الساعة تسعة دلوقتي... تسعة وربع تكوني واقفة قدامي بالملفات. أي تأخير، هكتب في التقرير إنك تقاعستي في أداء مهامك.
شهقت أميرة بصدمة.
أميرة: ربع ساعة؟! أجيب فيها ملفات من هنا ومن المبنى الخيري؟! ده على ما يطلعوا لي الملفات يكون عدى أكتر من ربع ساعة.
نظر أليف إلى ساعته مجددًا.
أليف: فاضل تلتاشر دقيقة.
فتحت فمها لترد.
أليف: اتناشر دقيقة.
رمقته أميرة بنظرة حارقة، ثم استدارت وخرجت من المكتب تجري بأقصى سرعتها.
أما هو، فجلس يضحك مستمتعًا بما يحدث.
---
وفي الكافتيريا...
كانت ندى تجلس بهدوء تقرأ في كتاب بين يديها، عندما دخل عمران ورآها.
ابتسم تلقائيًا واتجه نحوها.
عمران بابتسامة: إزيك يا ندى؟
ندى بخجل: الحمد لله يا دكتور.
جلس عمران أمامها مباشرة دون أن يترك لها فرصة للاعتراض.
عمران بابتسامة: عرفت إنك سألتي عليا بعد المحاضرة.
ثم أخرج هاتفها من جيبه.
ـ أكيد كنتِ عاوزة الموبايل.
ندى بارتباك: أيوه... متشكرة لحضرتك يا دكتور.
عمران بابتسامة: العفو.
ثم وقعت عيناه على الكتاب الذي تمسكه، فمد يده إليه بسرعة قبل أن يمنحها فرصة للهرب من الحديث.
عمران: بتقري إيه؟
ندى بخجل: دي رواية.
نظر إلى الغلاف وابتسم.
عمران: "الفضيلة" لمصطفى لطفي المنفلوطي.
ثم رفع عينيه إليها.
ـ كتاب جميل... أنا قريته قبل كده. وصلتي لفين فيه؟
ندى بابتسامة: وصلت تقريبًا للنص.
عمران: الرواية جميلة فعلًا. والمنفلوطي صاغها بأسلوبه المميز، لكن بصراحة أنا فضلت النسخة الأصلية أكتر.
ثم ضحك بخفة.
ـ المنفلوطي ساعات بيبالغ في الوصف، وكلامه بيكون تقيل شوية. أوقات كنت بحس بالملل من كتر التفاصيل.
ابتسمت ندى وهي تهز رأسها موافقة.
ندى: أنا كمان ساعات بضايق من كثرة الوصف... لكن القصة نفسها جميلة، وبتتكلم عن أخلاق بقينا نفتقدها في مجتمعنا.
ابتسم عمران وهو يجد أخيرًا موضوعًا يجذبها للحديث.
ومع مرور الوقت، بدأت ندى تنسى ارتباكها وخجلها، واندمجت معه في نقاش طويل عن الكتب والروايات والأفكار المختلفة.
وظلا يتحدثان ويضحكان لفترة طويلة.
---
ونعود إلى المستشفى...
بعد ساعتين كاملتين...
كانت أميرة تجري في الممرات وهي تحمل بين ذراعيها كومة ضخمة من الملفات.
وكانت تلك هي المرة الخامسة التي يرسلها فيها أليف لإحضار ملفات من الأقسام المختلفة.
فبعد أن نجحت في المرة الأولى في العودة خلال ربع ساعة فقط، بمساعدة أحد زملائها الذي أحضر لها ملفات الجناح الخيري، تفاجأ أليف بوقوفها أمامه في الوقت المحدد.
الأمر الذي أغاظه بشدة، فقرر أن ينتقم بطريقته الخاصة.
دخلت أميرة المكتب وهي تلهث من شدة الإرهاق، ثم ألقت الملفات فوق مكتبه.
أميرة بتعب: الملفات... اللي في قسم الأطفال.
وكان صدرها يعلو ويهبط بسرعة من كثرة الجري، بينما جلس أليف ينظر إليها بابتسامة مستفزة وكأنه يستمتع بتعذيبها.
في مكتب محمود، كانت سلوى قد فاقت وربطت رأسها، بينما كانت ماهي جالسة وعلى رقبتها دعامة طبية.محمود كان قد فهم منهما أن كمال سمع حديثهما بالكامل... وعرف الحقيقة كلها.وقف أمامهما بغضب شديد وهو يصرخ:محمود بغضب: أغبياء! أغبياء! أنتم اللي كشفتونا ووديتونا في داهية! هو كان لسه عنده شك ناحيتها... لكن دلوقتي اتأكد إنها بريئة لما سمع كلامكم! أغبياء... ما لقيتوش غير الأوضة اللي هو فيها وتتخانقوا فيها وتتكلموا؟! خلاص... مفيش عقل خالص!وقفت سلوى أمامه بعصبية وقالت:سلوى بغضب: وابنك لازم يدفع تمن اللي عمله فيا أنا وبنتي يا محمود!لسه محمود هيرد، رن تليفونه.بص للشاشة لقى المحامي عصام.رد بسرعة:محمود بغضب: في إيه يا عصام؟ مش قولتلك الراجل يخرج؟وقبل ما يكمل، سمع صوت صراخ عالي جاي من ناحية التليفون.علي بصراخ: خرجوا بنتي! بنتي لو ما خرجتش هوديكم في داهية! هقول لكمال على الحقيقة كلها!قطب محمود حاجبيه بغضب وقال:محمود: هو في إيه يا عصام؟ الراجل ده بيزعق ليه؟رد عصام بصوت منخفض:عصام: مش عارف يا باشا... أول ما شاف بنت نازلة من البوكس فضل يزعق ويقول دي بنته.لف محمود بسرعة ناحية سلوى وقال بغضب:محمود
أميرة بتعب: الملفات... اللي في قسم الأطفال.أليف يبص لها بابتسامة:- مالك كده؟ مش قادرة تاخدي نفسك... إنتِ تعبتي؟أميرة وهي بتنهج:- لا، ما تعبتش.أليف:- كويس... دلوقتي هتروحي...ولسه هيكمل كلامه، الباب اتفتح ودخل عماد، فوقف أليف فورًا.أليف:- أهلًا يا دكتور.عماد بص لأميرة بابتسامة:- أميرة، ممكن تسيبينا لوحدنا شوية... روحي ارتاحي.أميرة بابتسامة وفرحة:- متشكرة يا دكتور عماد، ربنا يخليك للغلابة.وخرجت بسرعة قبل ما أليف يعترض.عماد قعد قدامه وقال:- مش معنى إني وافقت إنها تكون مساعدة ليك... إنك تجريها طول اليوم بين أقسام المستشفى. خف عليها بدل ما أنقلها.أليف بابتسامة:- هي جتلك واشتكت ليك؟عماد:- لا، هي ما جتش ولا اشتكت... بس المستشفى كلها ملهاش سيرة غير الدكتور الجديد المفتري اللي بيعذب المساعدة بتاعته... والكل بيدعي إنه ما يشتغلش تحت إيده.أليف ضحك:- مش للدرجة دي؟ ده أنا لسه بتعرف على قدرة تحملها.عماد وقف وهو بيبتسم:- خف شوية... أحسن أوريك أنا قدرة تحملي.أليف ضحك:- لا، أبوس إيدك... أنا ما صدقت هربت من الدكتور الكبير.ورفع إيده باستسلام:- خلاص يا دكتور... هنعفو عنها وهنخفف
وفي بيت حكمت...كانت حكمت وفاطمة والبنات جالسات معًا يتبادلن الحديث.فاطمة بابتسامة: النهارده يا ندى جالي حوالي خمس ستات عاوزينك.ندى باستغراب: عاوزيني أنا؟ مين دول يا تيتا؟ وعاوزين إيه؟فاطمة بضحك: عاوزينك تعمليلهم فساتين لأفراحه بناتهم. لا وإيه... كل واحدة فيهم راحت اشترت فستان قديم بسعر رخيص، وجاية عاوزاكي تغيريه وتعملي منه فستان جديد. وكمان قالوا هيدوكي اللي إنتِ عاوزاه، بس تكوني حنينة عليهم في السعر.حكمت باستغراب: يعني عاوزين يدفعوا فلوس؟ طب ما يشتروا فساتين جديدة أو يأجروها طالما هيدفعوا؟فاطمة ضحكت وقالت:فاطمة: طلعتي خايبة زي ستك يا حكمت. أنا كمان قولتلهم كده، بس طلعوا ناس واعية. اشتروا الفستان القديم بمئتي جنيه، وقالوا إن ندى ممكن تاخد على تفصيل الفستان الواحد ألف جنيه.أميرة باستغراب: ألف جنيه في تفصيل فستان؟ حلو أوي... بس كده هيبقوا دفعوا ألف ومئتين جنيه. ده تقريبًا تمن إيجار فستان! هيوفروا إيه؟فاطمة بابتسامة: هيوفروا كتير، وهيستفيدوا كمان. لو أجروا فستان هيأجروه بأغلى من كده بكتير، ولو اشتروا فستان بنفس السعر مش هيبقى بالجمال اللي هما عاوزينه، وكمان مش هيكون متفصل مخصوص
:أميرة بضحك: هنروح نجيب الموبايل صح؟ندى: موبايل إيه اللي نروح نجيبه؟ هبقى آخده بكرة وأنا في الكلية.أميرة بزعل: لا، علشان خاطري يا ندى، نرجع ناخده دلوقتي. أنا نفسي أشوف الدكتور أبو نظرات غريبة. هنروح يعني هنروح.ندى بغيظ: روحي لوحدك، أنا مروحة.ومشت وتركتها، بينما ظلت أميرة تنادي عليها. وفجأة صرخت صرخة عالية.التفتت ندى بخوف، ثم جرت نحوها بسرعة، لتجد سيارة مرت مسرعة بجوار الطريق، وكانت هناك بركة كبيرة من الماء والطين، فتطايرت كلها فوق أميرة حتى غرقتها بالكامل.أليف أخرج رأسه من نافذة السيارة وهو يضحك:أليف: ده أول درس... استني الباقي.وانطلق بالسيارة، بينما كانت ندى تنظر إليه باستغراب شديد دون أن تفهم شيئًا.أميرة بغضب وغيظ: يا حيوان يا تور... والله لأعرفك أنا اللي هربيك.نظرت ندى إلى شكلها وانفجرت ضاحكة.أميرة بغيظ: عااااااا... شوفتي التور عمل فيا إيه؟ والله لأربيه.أخذت ندى الهاتف من يدها وفتحت الكاميرا.أميرة: إنتِ بتعملي إيه؟ندى بضحك: شكلك مسخرة... لازم تتصوري.صرخت أميرة بغيظ ومشت تاركة إياها، لكن ندى جرت خلفها، ثم أوقفتا سيارة أجرة وعادتا إلى المنزل.---وصل أليف إلى بيته وفت
في كلية ندى...كان عمران يُلقي المحاضرة، وندى جالسة تدوّن الملاحظات باهتمام. وبعد أن انتهت المحاضرة، قال بابتسامة:عمران: خلصت محاضرة النهارده، وأي حد عنده سؤال يكتبه في ورقة ويحطه على المكتب هنا في المحاضرة الجاية، وأنا هجاوب عليه.وسكت لثوانٍ ثم قال:عمران: الطالبة ندى أمين.ندى انتفضت في مكانها وكتمت أنفاسها فور سماع اسمها، بينما شعر هو بتوترها فكتم ضحكته.عمران: تيجي لمكتبي بعد المحاضرة.قال كلمته وغادر القاعة، بينما ظلت ندى جالسة مكانها لا تتحرك. خرج جميع الطلاب وبقيت وحدها لبعض الوقت، ثم نهضت وتوجهت إلى مكتبه. وقفت أمام الباب مترددة، لا تعرف هل تطرق أم ترحل.في الداخل كان عمران يتحرك ذهابًا وإيابًا وهو يسأل نفسه:ـ يا ترى هتيجي؟وبعد قليل شعر بوجود شخص يقف خلف الباب، فتوقف منتظرًا أن تطرق. ولما تأخرت، شعر بالقلق واتجه نحو الباب وفتحه بسرعة، فوجدها أمامه مباشرة.انتفضت ندى من الخضة وكادت ترحل.عمران بسرعة: آنسة ندى.ندى بارتباك: أفندم يا دكتور... حضرتك عاوزني؟عمران بابتسامة: اتفضلي المكتب عشان نتكلم.دخل وتركها خلفه. ترددت قليلًا ثم دخلت، لكنها أبقت الباب مفتوحًا.ندى وهي واقفة
في الداخل، كانت ندا وفاطمة تجلسان وسط أكوام القماش، منهمكتين في القص والتجهيز.قالت ندا دون أن ترفع رأسها عن عملها:ـ مبروك يا ميرا.وأضافت فاطمة وهي تواصل القص:ـ ربنا ينجحك يا بنتي، وأشوف اسمك مكتوب على عيادة كبيرة إن شاء الله.تبادلت حكمت وأميرة نظرات مستغربة، ثم اقتربتا منهما.سألت حكمت بدهشة:ـ إنتوا بتعملوا إيه؟ وإيه القماش ده؟ومدت يدها لتلمسه، لكن ندا صاحت بسرعة:ـ حاسبي يا أبلة!وأضافت فاطمة في نفس اللحظة:ـ سيبيه يا حكمت!توقفت حكمت وأميرة مكانهما وقد زاد استغرابهما.قالت أميرة:ـ هو فيه إيه؟ وإيه الحكاية دي كلها؟ابتسمت ندا وقالت:ـ ده فستان فرح سامية.عقدت حكمت حاجبيها بدهشة:ـ فستان فرح سامية؟! فين الفستان أصلًا؟ وسامية مين؟ قصدك سامية بنت أم فاروق؟أومأت فاطمة:ـ أيوة هي. أصل بعد ما نزلتوا جت هي وأمها، ويا عيني كانت مكسورة الخاطر.ثم بدأت تحكي لهما ما حدث، بداية من زيارة أم فاروق وحتى فكرة ندا في إعادة تصميم الفستان.أنهت حديثها قائلة:ـ ومن ساعتها وإحنا قاعدين نقص ونظبط فيه... وكمان لقينا التل من تحت مقطوع في كذا حتة.سألت أميرة:ـ وهتعملوا إيه فيه؟أشارت ندا إلى أجزاء
تقول حكمت بحزن: "يا تيته... (تبص لها فاطمة قبل ما تكمل كلامها)".تقول فاطمة: "اسكتي أنتِ أنا بتكلم مع ندى. (وتقوم تقف وتقرب من ندى اللي بصت ليها بخوف ورافعة إيديها بسرعة لطرحتها وبلوزتها وفضلت تشد فيهم بحركة لا إرادية... وعينيها متعلقة بفاطمة اللي بتقرب منها... فاطمة راحت عندها بابتسامة ومسكت إيديه
تجيب حكمت: "أنتم كان المفروض تسيبوا الملجأ من شهرين فاتوا، لكن أنا أجلتها لحد ما تخلصوا امتحانات... بس لازم النهارده نخرج".تقول أميرة بنبرة خوف: "النهارده على طول كده؟ يعني خلاص هنمشي؟ طب استنوا علينا لحد ما نلاقي مكان تاني ونشوف هنسكن ونعيش إزاي".تضع حكمت يدها على كتف أميرة وتطمئنها: "متقلقيش يا
في إحدى دور رعاية الأيتام، تعيش فتاتان هما أميرة وندى. دخلت أميرة الدار بعد وفاة والديها في حادث سيارة نجت منه بأعجوبة، وكان عمرها آنذاك خمس سنوات. أميرة فتاة ذات ملامح رقيقة وجمال هادئ، تحب الضحك والمزاح واللعب.أما ندى، فهي في نفس عمر أميرة، لكنها دخلت الدار قبلها بسنتين. كانت قد تاهت في شوارع ال
ظلت ندا جالسة في مكانها، شاردة الذهن، تستعيد في مخيلتها ملامح سامية الحزينة ودموع أم فاروق التي لم تفارق عينيها. كانت تنظر إلى الفستان بين الحين والآخر، وكأن فكرة ما بدأت تتشكل داخل رأسها.فجأة نهضت من مكانها، وأمسكت بالفستان، تقلبه بين يديها وتفحص القماش بعناية، ثم راحت تنظر إلى المقاسات المكتوبة







