INICIAR SESIÓNسليم في الحاضر كان سليم الألفي يقرأ الملف أمامه للمرة الثالثة دون أن يركز في كلمة واحدة.الأرقام تتحرك أمام عينيه بلا معنى، بينما بقي عقله عالقًا في مكان آخر منذ أيام.شيء ما لم يكن طبيعيًا.هو يعرف ذلك الشعور جيدًا.ذلك الإحساس الثقيل الذي يسبق الكوارث دائمًا.أغلق الملف أخيرًا بضيق، ثم أسند رأسه للخلف فوق المقعد الجلدي وأغمض عينيه للحظة قصيرة.لكن الباب انفتح فجأة.رفع عينيه فورًا.دخل كريم بسرعة غير معتادة، وملامحه متوترة بطريقة جعلت سليم يعتدل في جلسته مباشرة.— ماذا حدث؟أغلق كريم الباب خلفه بنفسه قبل أن يقترب من المكتب.ثم قال بصوت منخفض وجاد:— وجدناه.ساد الصمت لثانيتين.ولم يحتج سليم أن يسأل “من”.فهم فورًا.اختفت كل ملامح التعب من وجهه دفعة واحدة.وأصبحت عيناه أكثر ظلمة.وقف ببطء شديد.— أين هو؟---بعد عشرين دقيقة…كان سليم يدخل إلى إحدى الغرف المعزولة أسفل أحد مبانيه القديمة.الغرفة لم تكن ضخمة.ولا مرعبة بشكل واضح.لكن الصمت داخلها كان خانقًا.جلس الرجل على الكرسي المعدني المقابل و هو يرتجف بصورة واضحة.وجهه يحمل آثار ضرب قديم، ويداه مقيدتان أمامه.وما إن دخل سليم…حتى ت
— الياسميناستيقظت علياء مبكرًا على غير عادتها.لم يكن هناك سبب واضح، لكن النوم غادرها سريعًا تاركًا داخلها ذلك الثقل الغامض الذي بدأ يرافقها منذ دخولها هذا القصر.جلست فوق السرير للحظات طويلة تحدق أمامها بشرود، قبل أن تنهض أخيرًا و تتجه نحو المكتبة كعادتها الصباحية.لكن المكتبة كانت فارغة.توقفت عند الباب قليلًا.الطاولة خالية من الملفات.و لا أثر للقهوة السوداء التي يسبقها بها دائمًا.حتى الصمت بدا مختلفًا.عقدت حاجبيها بخفة، ثم استدارت لتجد عدنان يمر في الممر القريب حاملاً جهازه اللوحي.— أين يوسف؟رفع عدنان عينيه إليها فورًا.ثم أجاب ببساطة:— في الحديقة الخلفية.توقفت لثانية.— الحديقة؟أومأ بهدوء و كأنه لم يقل شيئًا غريبًا.لكن علياء ظلت تنظر إليه بعدم تصديق.يوسف الكيلاني؟في الحديقة؟تابعت طريقها بصمت، بينما ابتسامة خافتة مرت على وجه عدنان قبل أن يكمل سيره.خرجت علياء إلى الحديقة الخلفية بخطوات هادئة.ولم تحتج سوى ثوانٍ حتى تتوقف مكانها تمامًا.كان هناك.لكن ليس بالطريقة التي اعتادت رؤيته بها.لا بدلة سوداء.لا هاتف في يده.و لا ذلك التوتر البارد الذي يحيط به دائمًا.كان يقف ق
قبل ثلاث سنوات يوم الزفاف استيقظت علياء بعد ليلة لم تنم فيها سوى دقائق متقطعة.ظلت مستلقية فوق الفراش تحدق بالسقف طويلًا، و كأن عقلها يرفض الاعتراف بما سيحدث اليوم.اليوم سيتزوج سليم.الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل شيئًا باردًا يلتف حول صدرها كلما حاولت التقاط أنفاسها.رن هاتفها للمرة الرابعة.نظرت إلى الشاشة دون اهتمام.“سارة البلتاجي”.أغلقت الهاتف مجددًا دون رد.نهضت ببطء واتجهت نحو المرآة.بدت شاحبة بصورة أزعجتها.عيناها متعبتان، وكأن الأيام الماضية سحبت منها شيئًا لم تستطع استعادته.وقفت صامتة للحظات قبل أن تفتح الخزانة بعصبية خافتة.كان فستان وصيفة الشرف معلقًا أمامها.أبيض ناعم يميل للفضي، اختارته سارة بنفسها.وكأنها أرادت إذلالها حتى في التفاصيل.أغمضت علياء عينيها للحظة.ثم انتزعت الفستان من مكانه بعنف خفيف وألقته فوق السرير.— لن أذهب.همست بها لنفسها.لكن حتى هي لم تبدُ مقتنعة.في الجهة الأخرى من المدينة…كان جناح سليم يعج بالفوضى الصامتة.موظفون.حراس.مساعدون.واتصالات لا تنتهي.بينما جلس هو أمام مكتبه يرتدي قميصه الأبيض دون أن يلمس ربطة العنق بعد.دخل كريم وهو يحمل هاتفه
قبل ثلاث سنوات لم تذهب علياء إلى الشركة منذ يوم متجر الفساتين.ثلاثة أيام كاملة.ثلاثة أيام وسليم الألفي يتلقى تجاهلها البارد لأول مرة منذ عرفها.لا رد على اتصالاته.لا رسائل.ولا حتى تقرير عمل واحد.و في الليلة السابقة ل زفافه…كان يقف أمام باب شقتها للمرة الأولى منذ مده طويلة.طرق الباب مرتين.ثم انتظر.وعندما لم يصله رد، أخرج مفتاحه الخاص وفتح الباب بنفسه.دخل ببطء.ليجد الشقة غارقة في صمت هادئ ومؤلم.كانت تجلس قرب النافذة الأرضية، تضم ساقيها إليها فوق الأريكة، ترتدي ملابس منزلية بسيطة، بينما يستقر كتاب مفتوح فوق حجرها دون أن تقرأه فعلًا.رفعت عينيها نحوه ببطء.ولم يظهر على وجهها أي اندهاش.كأنها كانت تعرف أنه سيأتي.أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم خلع معطفه دون أن يبعد عينيه عنها.— لماذا لا تردين على هاتفك؟أعادت نظرها نحو النافذة.— لم أرغب في الحديث.اقترب منها ببطء.— لثلاثة أيام؟لم تجب.توقف أمام الأريكة مباشرة، يراقب ملامحها المتعبة بصمت طويل.ثم قال بصوت أخفض:— علياء… لا تفعلي هذا بنا.ضحكت بخفة باردة أوجعته فورًا.— بنا؟وأخيرًا رفعت عينيها إليه.وكان فيهما شيء لم يره من قبل.
دخلت علياء المكتبة بهدوء بعدما لاحظت اختفاء يوسف منذ أكثر من ساعة.لم تجده خلف المكتب كعادته.ولا بين الملفات.بل كان واقفًا قرب الرفوف الجانبية، يخلع أزرار قميصه السوداء العليا بضيق خافت، بينما يبدو وكأنه خرج لتوه من اجتماع مرهق.التفت نحوها عندما سمع الباب يُغلق خلفها.— كنتِ تبحثين عني؟اقتربت بخطوات هادئة وهي ترفع كوب القهوة الذي تحمله.— عدنان أخبرني أنك لم تشرب شيئًا منذ الصباح.تناول الكوب منها دون اعتراض، لكن أثناء حركته انزلقت السلسلة الفضية أسفل ياقة قميصه للحظة قصيرة.توقفت عينا علياء فورًا عندها.خاتم فضي صغير يتدلّى من السلسلة.بسيط جدًا.قديم.ومستهلك الأطراف.لكن الغريب…أن قلبها انقبض فور رؤيته.شعور مألوف بصورة غير مفهومة.لاحظ يوسف نظرتها، فتحركت أصابعه نحو السلسلة غريزيًا وكأنه اعتاد إخفاءها عن الجميع.لكن علياء كانت أسرع هذه المرة.— لم أتوقع أنك ترتدي حليًا أصلًا.ارتفعت زاوية فمه بابتسامة خافتة.— امماقتربت أكثر قليلًا وهي تنظر إلى الخاتم.— يبدو مهمًا.ساد الصمت للحظة قصيرة.ثم تنهد يوسف بهدوء، وسحب السلسلة ببطء من تحت قميصه حتى ظهر الخاتم كاملًا أمامها.استقر
كانت علياء تتوقع أن يبدأ صباحهما كالمعتاد لكنه اختفي طول اليوم وفي المساء كانت تجلس في المكتبه مع دفترها الصغير.أسرار يوسف الغريبة.واستفزازاته الباردة التي أصبحت تحفظ إيقاعها جيدًا.لكن يوسف فاجأها عندما أغلق الدفتر الذي أمامها وقال بهدوء:— استعدي خلال ساعة.لم تسمع خطواته ولم تلاحظ دخوله رفعت عينيها نحوه باستغراب.— لماذا؟ظهرت ابتسامة خفيفة عند زاوية فمه.— لأنني سئمت رؤية هذه الجدران كل يوم.عقدت حاجبيها بخفة.— يوسف الكيلاني يشتكي من الملل؟— يبدو أن العالم يقترب من نهايته فعلًا.ضحك بخفوت وهو ينهض من مقعده.— لا تبالغي.— مجرد عشاء.توقفت للحظة قصيرة.عشاء.الكلمة وحدها أربكتها أكثر مما ينبغي.خصوصًا أن نبرته جاءت طبيعية جدًا…وكأنه يدعوها لشيء اعتاداه منذ سنوات.---بعد ساعة…كانت تجلس أمامه داخل مطعم هادئ يطل على النهر.المكان أنيق ودافئ، بعيد تمامًا عن صخب الاجتماعات والحروب التي اعتادت رؤيتها بجانبه.وهذا بالتحديد ما جعلها متوترة.لأن يوسف هنا…لم يكن يوسف الذي تعرفه داخل الاجتماعات.كان أكثر هدوءًا.أخفّ.وأقرب بشكل خطير.أما هو…فبدا مرتاحًا بصورة مستفزة.يجلس بهدوء ك







